لندن – “القدس العربي”ـ من إبراهيم درويش:
في العام الماضي عندما استضاف ولي العهد السعودي مؤتمراً عالمياً للإستثمار وسط بهرجة وأضواء لامعة وحضره آلاف من المستثمرين ومدراء الشركات الكبرى وقادة عالميون تدفقوا للاستماع إلى خططه لتحديث المملكة المنعزلة، قال محمد بن سلمان للحاضرين: “نرحب بالحالمين فقط ونسمح لهم بالانضمام”. في تلك المناسبة كان العالم على ما يبدو يتحرك بين أصابعه. لكن المشهد مختلف اليوم في مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” حيث قرر عدد كبير من المستثمرين ورجال الأعمال ومدراء الشركات إلغاء مشاركاتهم لإبعاد أنفسهم عما يرونه قطاراً يتجه نحو الكارثة.
وينبع الخوف من القصة التي تتكشف بشأن مصير الصحافي السعودي المقيم في منفى اختياري جمال خاشقجي، والذي يعتقد أنه قتل وقطعت جثته في داخل القنصلية السعودية في اسطنبول، بعدما تجرأ على الدخول إليها من أجل الحصول على أوراق تتعلق بطلاقه. ووضعت الحادثة مؤيدي ولي العهد المتحمس في وضع لا يحسد عليه، ذلك أنهم لا يتخيلون أن يكون هو المسؤول عن هذه الوحشية. ولهذا لم تتوصل إدارة دونالد ترامب التي تبنت علاقة مميزة مع الأمير لنتيجة، فيما شكك جون بولتون، مستشار الأمن القومي بالقضية محيلاً إياها للعداوة التركية – السعودية ومقترحاً عملية أخرى.
نظرية أخرى
ويعتقد البعض أن الصحافي ربما انتهى قتيلاً على يد السعوديين، رغم عدم وجود جثة، ونفت السعودية أي علم باختفائه. وهناك نظرية أخرى تقول إن الصحافي تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة أدت لمقتله. ويرى المؤيدون أن الأمير الذي قام بجهد كبير للحصول على دعم الغرب، ذكي لدرجة كافية تجعله واعياً لمخاطر عملية اختطاف وقتل في قنصلية بلاده وعلى التراب التركي. إلا أن الكثيرين ممن عملوا معه بعض الوقت قالوا إنهم سيصدمون ولن يندهشوا لو كان ولي العهد المعروف بـ “م ب س” هو المسؤول. وقال دبلوماسي أمريكي سابق “لم يكن هذا ليحدث بدون موافقة “م ب س”، أبداً، أبداً، أبداً”.
حادثة خاشقجي أدت إلى التركيز على الجانب المظلم من الأمير السعودي إلا أن المعجبين الغربيين بمحمد بن سلمان طالما أساؤوا فهم نواياه وعكسوا آمالهم لتغيير المملكة من خلال الأمير الذي يعتبر نقيضاً للقيادة السعودية التقليدية التي اتسمت بالحذر
وتقول صحيفة “واشنطن بوست” إن حادثة خاشقجي أدت إلى التركيز على الجانب المظلم من الأمير السعودي، إلا أن المعجبين الغربيين بمحمد بن سلمان طالما أساؤوا فهم نواياه وعكسوا آمالهم لتغيير المملكة من خلال الأمير الذي يعتبر نقيضاً للقيادة السعودية التقليدية التي اتسمت بالحذر. وبدا متهوراً لدرجة الدفع باتجاه خططه لتحديث المملكة. ونقلت الصحيفة عن شخص قريب للديوان الملكي قوله: “لا يخفي حقيقة أنه تسلطي ولا يخجل من هذا” مضيفاً “ينظر لنفسه وبالتأكيد من خلال رؤية مسيانية (قيامية) وكرجل التاريخ”، مضيفاً أن محمد بن سلمان “يحب بلده وبعمق”. وفي الوقت الذي ينظر المؤيدون الغربيون لابن سلمان على أنه “لي كوان يو” السعودية، في إشارة إلى حاكم سنغافورة الديكتاتوري الذي حدّث الجزيرة، إلا إن “م ب س” معجب بالنموذج الصيني القعمي المرفق بازدهار اقتصادي واغتاظ من نقد الغرب لسجله في حقوق الإنسان، قائلا إنه تعرض للتدقيق أكثر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان. وفي مقابلة مع “بلومبيرغ نيوز” قال: “لم أصف نفسي بالمصلح”.
وتضيف الصحيفة أن صدمة الغرب مما حدث لخاشقجي جاءت في وقت كان فيه مستعداً لغض الطرف عما جرى في داخل السعودية. فبعد موجة من الإعدامات التي تبعت تعيين ابن سلمان ولياً لولي العهد وتبعتها بعد ذلك سلسلة من الاعتقالات أظهرت قسوة الأمير في تدعيم سلطاته. ونشرت السلطات السعودية الخوف بين المواطنين من خلال سجن الأثرياء والأمراء والناشطين، مرسلة رسالة أن لا أحد بعيد عن يد السلطات. وأكدت الحكومة عدم مناقشة موجات القمع حيث هددت عائلات المعتقلين وأجبرتهم على توقيع تعهدات بعدم مناقشة ما جرى للأبناء والأقارب.
لا يخفي حقيقة أنه تسلطي ولا يخجل من هذا” مضيفاً “ينظر لنفسه وبالتأكيد من خلال رؤية مسيانية (قيامية) وكرجل التاريخ
ونظمت الحكومة حملات الاعتقالات بطرق مشهدية غريبة، قوات أمن مسلحة وأضواء كاشفة وعربات تحيط ببيت المعتقل كما حدث مع حالة اعتقال ناشطة نسوية معروفة، حيث ظن سكان البيت أن الأضواء الكاشفة والمسلحين هم جزء من مشهد في فيلم يتم تصويره. وعندما خرج الجيران من بيوتهم للاستطلاع جمعوا وحذروا من عدم الحديث كما قال الناشط السعودي في حقوق الإنسان، يحيى عسيري. ويضيف أن الحفاظ على الصمت كان من أهم نجاحات ولي العهد الذي قام من خلال ناشطين على الأرض بمنع الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان.
خوف
وقال عسيري: “هناك عدد كبير منهم في السجن والبعض خائف أو اختفى بالكامل ولا نعرف عنهم شيئاً”. لم يختف المعارضون فقط بل وأي شخص يريد التعبير عن رأيه. ففي مناخ من القومية المبالغ فيه والتي نشرها ولي العهد فلا مجال للحديث أو التعبير حسب محلل سياسي معروف، قائلاً: “على كل واحد إثبات أنه أو أنها وطنيون” و”لا يوجد تسامح”. ولم يتوصل المحلل لهذه النتيجة بسهولة، فقد كان ممن هللوا لإصلاحات ولي العهد خاصة الحد من سلطة المطاوعة وقال: “كان لدى محمد بن سلمان كل الفرص”و”لكن عندما تحيط نفسك بأشخاص لا يعارضونك فستتوقف عن الاستماع”.
وتشير الصحيفة لصعود ابن سلمان السريع بعد وصول والده الملك سلمان العرش. وكان سلمان قبل ذلك أميرا ولوقت طويل على منطقة الرياض وعرف بأنه المصلح في خلافات العائلة. وعلى خلاف أشقائه الذين درسوا في الخارج، درس محمد في جامعة الملك سعود، وأصبح مستشاراً لوالده. وفي عام 2015 عيّنه والده الملك وزيراً للدفاع وعندها أثار انتباه فريق باراك أوباما. وقال مسؤول بارز في إدارة أوباما: “كانت نظريتنا أن “م ب س” أصبح أمراً حتمياً في وراثة العرش، خاصة بعدما توضح أنه ينافس على المركز الثاني أو الثالث” من العرش. وحاول جون كيري، وزير الخارجية بناء علاقة تقوم على التوجيه للأمير الشاب الذي كان في العشرينات من عمره. وقال المسؤول: “كان يعرف أنه شاب وأنه سيخطئ” و”عليه معرفة متى نختلف” مع السعوديين. وكان محمد “صانع سياسات ولدينا مشاكل حقيقية في السياسات” خاصة بعد إعلانه حرب اليمن دونما إخبار المؤسسة الأمنية السعودية ولا البيت الأبيض. وكانت هناك خلافات بشأن دعم المعارضة السورية وخطط أوباما بشأن المشروع النووي الإيراني. وكان محمد يعرف أنه بدون وظائف للشباب السعودي واستمرار الاعتماد على النفط فقد “انتهت” المملكة. ولهذا عينه والده رئيساً لمجلس اقتصادي جديد وجعله مسيطراً على شركة أرامكو. وفي نيسان (إبريل) 2016 تقدم بخطته التي طرح فيها إعادة تشكيل الاقتصاد وتطوير القطاع الخاص فيما عرف برؤية 2030، والتي حظيت بقبول دولي. وكان كيري متفائلاً من “م ب س” أكثر من غيره وعادة ما يميل للمحاضرة، حيث أدهش أوباما بحديث طويل عن السياسة الخارجية الأمريكية أثناء لقائه مع والده الملك سلمان. وكانت المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) متشككة من ابن سلمان وفضلت التعامل مع ولي العهد ووزير الداخلية الأمير محمد بن نايف وقتها الذي خرج من اللعبة في حزيران (يونيو) 2017 في عملية قلبت أصول الخلافة في المملكة وتم تعيين “م ب س” بدلاً منه.
بوابة للأسلحة
وحتى قبل وصول إدارة دونالد ترامب للسلطة، رأت في “م ب س” البوابة التي يمكنها الدخول وإعادة ترتيب العلاقة من جديد مع السعودية وقتل مبادرة أوباما مع إيران والتوصل لتسوية سلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين بالإضافة لمحاربة الإرهاب والحفاظ على أسعار النفط العالمي بمستوى مقبول ومواصلة بيع الأسلحة لدول الخليج. وفي الوقت الذي ركز فيه ترامب على الملك العجوز إلا أن صهره ومستشاره جارد كوشنر أقام علاقة قوية مع ولي العهد الذي زار واشنطن في بداية 2017 وتناول العشاء في بيت كوشنر والبيت الأبيض، وظل بعيداً عن الأضواء حيث خطط مع كوشنر لأول زيارة خارجية له كرئيس واختياره الرياض. ولم يتم الحديث عن حقوق الإنسان.
في الوقت الذي ركز فيه ترامب على الملك العجوز إلا أن صهره ومستشاره جارد كوشنر أقام علاقة قوية مع ولي العهد الذي زار واشنطن في بداية 2017 وتناول العشاء في بيت كوشنر
ففي مؤتمر مبادرة مستقبل الإستثمار العام الماضي، تحدث “م ب س” عن خطط تحرير الاقتصاد وجذب المستثمرين وبناء منطقة حرة على البحر الأحمر ومنتجعات سياسية. ورافقت خطوات ترتيب الاقتصاد، تحولات اجتماعية، مثل الحد من سلطة الشرطة الدينية، وفتح دور الترفيه والسماح بالحفلات الموسيقية. وأعلن عن موعد قيادة المرأة للسيارة في حزيران (يونيو) 2018. ونسب “م ب س” خطواته الاجتماعية لقدراته التفاوضية مع المرجعية الدينية، ومعرفته بالإسلام، ولكنه لم يتحدث عن الديمقراطية، ولهذا اعتقل من خالفه الرأي من المشائخ وأتبعهم بمن رأى أنهم مستقلون في آرائهم.
ويرى ديفيد أوتاوي، الزميل في شؤون الشرق الأوسط بمركز ويلسون: “عندما يتعلق الأمر بالإصلاح السياسي فهو رجعي مثل المؤسسة الوهابية”. ووصف أمريكي بارز التقى ابن سلمان أكثر من مرة أنه “ليس مهتماً بالاستماع” وهو “متنمر أو بلطجي يحب الحديث والمحاضرة بدون انقطاع”. وبدا الجانب المظلم من ابن سلمان واضحاً في حملات اعتقال الناشطات اللاتي كن في مقدمة الدفاع عن حق المرأة بقيادة السيارة اكتشفنا حقيقة هذا “الملك الجديد” وهو مثير للقلق، كما يقول أوتاوي “فالجانب المظلم أصبح حالكاً”.
مواقف محرجة
وتشير الصحيفة لزيارة ولي العهد في آذار (مارس) للولايات المتحد،ة والتي زار فيها البيت الأبيض واجتمع مع قادة المال والأعمال وصناع القرار في الكونغرس، الذين تحدثوا معه رغم احتجاجهم على تزايد أعداد القتلى المدنيين في اليمن والاعتقالات للناشطين. فقد كان ابن سلمان يرى في هذه أموراً تخص السياسة السعودية ولا تضعف من علاقة بلاده مع أمريكا كحليف قوي. ولم يكن الإحتفاء به مفاجئاً فقد استطاعت السعودية قبل وبعد زيارته التغلب على مواقف محرجة مثل احتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري لمدة اسبوعين وردة الفعل المبالغة ضد كندا. ومن هنا فقد اندهش المسؤولون السعوديون من الطريقة التي رد فيها العالم على اختفاء خاشقجي. واعتقدوا أن معاملته هي شأن سعودي مهما كان. وقال شخص مقرب من الديوان الملكي إن اختفاء وإمكانية قتل شخص كان معارضاً ويعيش في الغرب حتى ولو كان أمراً محلياً “فكان عليهم قراءة أثره عالمياً” مشيراً إلى أن محمد بن سلمان ليس صاحب تجربة و”لا أعتقد أن لديه فهماً عميقاً لطبيعة الرد”.