رغم كثرة النوافذ الجمالية التي من الممكن أن نطل من خلالها على المجموعة الشعرية «شهرزاد تخرج من عزلتها» ــ دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 2017 ــ للشاعر حبيب السامر، إلا أننا سنحاول أن نجمل قراءتنا بطرح مدخل افتراضي واحد، وهو الذي يمكن أن نستنتجه من عتبة العنوان، حيث تأخذ هذه القراءة مستويين؛ الأول هو مستوى تركيبي، أي العلاقات التركيبية التي تبني جملة العنوان، والمستوى الثاني هو الإحالات الدلالية التي تثيرها مفرداته.
البنية
بداية يقوم البناء التركيبي لجملة العنوان على أن الفاعل قد تقدم على فعله، وسنفترض لهذا التركيب غرضا دلاليا قصده الشاعر، حيث وضِعت لهذا التركيب عدة أغراض منها (الحصر، والتعجيل بالأنباء الجيدة أو السيئة، والتعظيم أو التحقير، وكذلك إزالة الشك حول حادثة ما، إلى آخره من أغراض)، وسنفترض في هذا المقام أن غرض الشاعر من تقديم (شهرزاد) هو التعجيل بالأنباء الجيدة أو السيئة، ربما اعتمادا على ما يمكن أن نطلق عليه «بيت القصيد» في أحد النصوص الذي يحمل عنوان المجموعة، وسنفترض أن مجرد الإشارة إلى هذا الغرض ستكون كافية في فهم دلالته وتأثيرها في البنية الدلالية العامة للمجموعة.
الدلالة
«المكانُ واسعٌ والروحُ لطيفةٌ وشهرزادُ تخرجُ من عزلتِها
لتسردَ موتَها المؤجل».
وبهذا فنحن ننتقل إلى المستوى الآخر من التحليل وهو العلاقات الدلالية التي تبنيها جملة العنوان، خاصة في ضوء بنيتها التركيبية التي بيناها سابقا، بناء على ما يراه علماء اللغة من أن ترتيب الجملة العربية تكون تبعا لما يطلق عليه بـ«المنزلة» ومنزلة شهرزاد وما تمثله، وهو ما سنراه لاحقاً، في هذه العنوان وفي نصوص المجموعة برمتها حتم عليها هذا التقدم في الترتيب، ولكننا لو بحثنا في هذه النصوص بدقة، محاولين تتبع أثر شهرزاد، وما تشير اليه ربما من دلالة، ترتبط بشخصية شهرزاد المعروفة في ألف ليلة وليلة، التي تقودنا بصورة مباشرة إلى ربطها بدلالة نسوية، أو إلى المرأة أو الأنثى، لكن تتبعنا هذا لن يوصلنا إلى شيء، إذ أن نصوص المجموعة تكاد أن تخلو تقريبا من أي إشارة نسوية، أو خطاب موجه إلى الأنثى إلا بصورة قليلة جدا كما في آخر مقطع من نص «قلائد ورد»، أو في نص «هواء عذب»:
أيُّ ريح تستنشقين؟
هواؤك عذبٌ سيدتي
هواءٌ مختلفٌ جداً
لا تبخلي
برشفةٍ نقيةٍ مشتركةٍ
تملأُ رئتي
هي ذاتها تمرُّ برئتيكِ.
تأخذ الحكايات أسلوباً آخر، حيث تصبح حكايات الحياة هي حكايات الموت المؤجل، التي حان البوح بها.
وهناك إشارات متفرقة لم تأخذ حيزا كبيرا من النصوص، لذلك سيقودنا ذلك ربما إلى أن (شهرزاد) هنا ليست تلك العلامة السيميائية المتناصة مع ألف ليلة وليلة، وإنما الإشارة هنا تختص بوظيفتها كحكاءة، أي أن حضورها ليس بصفتها أنثى، أو أيقونة نسوية، بل كونها تمثل فعل الحكي ووظيفته، لذلك فربما يمكننا أن نفترض أن دلالة العنوان من وجهة النظر هذه ستصبح «الحكايات تخرج من عزلتها»، هي حكايات الموت المؤجل، كما ظهر لنا جليا في المقطع الذي أطلقنا عليه سابقا بـ«بيت القصيد»، وكما يتبدى لنا بصورة مباشرة في نص «معبد الكلمات» المهدى إلى روح القاص محمود عبد الوهاب:
هَلْ أنتَ حزينٌ بما يكفي
لترقدَ في نومتك الأخيرة
أم أنَّك الأكثرُ سعادةً منا الآن؟
وتظهر هنا الإشارة المباشرة إلى أحد تلك الحكايات، أو هو تماه بين جانبين لتلك الحكاية، هي الحكاية المستذكرة من خلال (المقهى ورواده والذكريات المرتبطة بالمرحوم محمود عبد الوهاب) وهي صور ذلك الموت المؤجل، قبل أن يتحقق بصورته الواقعية، والجانب الآخر هو الموت الحقيقي «هل انت حزين بما يكفي في نومتك الأبدية»، «مكانك ف ا ر غ ج د اً»، وتظهر هذه العلاقات أيضا في نص آخر «غامضةٌ نومتُك الأخيرة» والمهدى إلى أخ الشاعر ميثم في غيابه الأبدي، حيث نرى حكايات الموت تكسر عزلتها وتطلق لنفسها العنان من خلال الخطاب المباشر والموجه، عكس ما سنراه لاحقا ربما في النصوص الأخرى:
سريرُك فارغٌ إلا منْ آخرِ تنهيدةٍ
ملابسُكَ في مكانِها
أتعرفُ؟ أن أمّنا تعطرها كل عيدٍ
وتلقي التحيةَ كل صباح
تترقبك هي:
ما عسانا أن نقولَ لها؟
باللهِ عليكَ.. دلّنا على جواب.
حكايات الموت المؤجل
أما في النصوص الأخرى فتلك الحكايات تأخذ أسلوباً آخر، حيث تصبح حكايات الحياة هي حكايات الموت المؤجل، التي حان البوح بها، وهي تمظهرات لحالة واحدة، تظهر من خلال مجموعة من الإشارات والدلالات التي تربطها بالأحلام الموؤدة والانكسارات، كما في أول نصوص المجموعة «يبدو أنَّ..» حيث نجد مثلا «يبدو أنَّك لا تجيدُ الدورانَ إلا حولَ نفسِكَ» أو «يبدو أنك لا تجيدُ الطيرانَ أعلى من قامتك بقليل» أو «يبدو أنَّك لا تكترث لسنواتِ الخيبةِ\ وتكرّر ما اقترفته، تتماهى أحيانا\ تحيطُ بك الظلمة\ أيّها السادُر في الانكساراتِ»، وهكذا في نصوص المجموعة الأخرى كنص «فرح مؤجل»، أو «المحطات»، أو «موجة منتحرة»، إلى آخره من نصوص المجموعة.
– «شهرزاد تخرج من عزلتها» (شعر) حبيب السامر، دار الشـــؤون الثقافية العامة ط1 بغداد 2017.
٭ كاتب عراقي