باريس ـ «القدس العربي» : كثيرة هي الأفلام الوثائقية التي تتناول القضية الفلسطينية أو جانبا منها، من قبل مخرجين أجانب، يكون هؤلاء متضامنين مع الفلسطينيين، ويكونون كذلك مخرجين سينمائيين توجّهوا للسينما عن طريق القضايا الإنسانية، أو توجّهوا إلى هذه القضايا من خلال عملهم السينمائي.
الإيطالي ستيفانو سافونا وازى بين الجانبين، أي أنّه اعتنى أساسا في أفلامه بقضايا إنسانية ذات طابع سياسي حقوقي، لكنه توجه إلى هذه القضايا من خلال السينما، لتكون أفلامه جيدة ذات أثر، كوثائق سينمائية، أولا، ثمّ تكون هذه السينما بموضوعات إنسانية لها معاييرها الأخلاقية وتوجهاتها التضامنية، نذكر منها فيلمه «تحرير» 2011، عن الثورة المصرية، الذي نال جائزة أفضل وثائقي في حفل «دافيد دي دوناتيلو»، وقبله «الرصاص المصبوب» 2009، عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي حملت الاسم نفسه، وقد نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، وغيرها كفيلم «دفاتر محارب كردي»، 2006، ووثائقيات بمواضيع أخرى أبعد قليلا عن منطقتنا.


وفي فيلمه الأخير «طريق السمّوني» (Samouni Road)، يعود سافونا إلى غزّة، إنّما بدون تصوير لحرب وقصف وقتل، بل بتصوير آثار ذلك على مدنيين مزارعين، عائلة السّموني تحديدا، بدمج بين الأشكال الفنية في الفيلم، وسرد عفوي من قبل شخصياته، بشخصيات أساسية، هم أطفال من عائلة السموني، ليكون الفيلم إنسانيا تماما (بدون نوازع سياسية موجّهة) وفنيا تماما (بدون اتكاء على مأساة عائلة السموني).
في الفيلم الذي حاز جائزة أفضل وثائقي في مهرجان كان السينمائي هذا العام، في مسابقته «أسبوع المخرجين»، وكانت الجائزة «العين الذهبية»، نقل سافونا حكاية العائلة التي قصفها جيش الاحتلال الإسرائيلي (ما صار يُعرف بمجزرة عائلة السموني)، في حي الزيتون في غزّة، في يناير/كانون الثاني عام 2009، وذلك بنقل الحكاية على مستويين متمايزين فنيا وسرديا:
المستوى الفني السردي الأوّل هو تصوير توثيقي ليوميات من تبقى من العائلة، الأطفال منهم تحديدا، بشكل عفوي، ينقل من خلال الكلام والحركات والانفعالات، التراوما التي بقيت لديهم من جراء المجزرة التي ارتُكبت بحق أقرباء لهم من الدرجة الأولى، وكانت الكاميرا تتجوّل في الحارات، كما في البيوت والمزارع. أما المستوى الثاني فهو فنّي وقد اختلف ليكون رسوما متحرّكة، بالأبيض والأسود، تصوّر العائلة، من رحل نتيجة القصف وإطلاق النار، كما بينهم من بقي على قيد الحياة ليروي الحكاية من الداخل، من داخل البيت الذي تعرّض للقصف وخرج منه من استطاع أخيرا النجاة. أمّا سرديا فهو يحكي عن الزّمن السابق للمجزرة.
استطاع الفيلم بشغلٍ فنّي بصري عالي الجودة، وبحكاية إنسانية بُنيت على أحاديث أطفال لا هي مُقحمة ولا مثقلة بما ليس عفويا، فكانت أحاديث عادية إثر أحداث غير عادية.
والموازاة بين الأسلوبين، فنيا وسرديا، منح قيمة سينمائية للفيلم الذي لم يكن وثائقيا تقليديا يترك الكاميرا تصوّر «أبطالها» وكفى. كان لا بد للمخرج أن يعود إلى لحظة بدء مأساة العائلة، بدون أن يثقل فيلمه بمشاهد أرشيفية عرضت على الشاشات الإخبارية أو الإنترنت. فكانت هذه العودة بالرسوم، كأنّها كابوس أسود لا يعرف الأطفال في الفيلم كيف حصل في لحظة، ولا إن كان مؤقّتا ليصحوا منه يوما. كأن الرسوم كانت ذكريات هؤلاء، وهم بالمناسبة لم يحكوا أساسا عن القصف والمجزرة، بل عن آثارها، عمّا تركته فيهم، عن اللحظات القليلة السابقة لها واللاحقة كذلك، عن الآمال والأحلام والخطط التي حطّمتها المجزرة.
هذا النقل للحكاية، بمجزرتها وآثارها النفسية على من بقي حيا إثرها، أعطى للفيلم قيمة إنسانية عليا، جعلت المُشاهد أقرب للشخصيات العفوية، وذلك بانكشاف مشاعرهم وأحاديثهم التلقائية عن الخيال المظلم الذي تركته المجزرة عليهم، وعن كل تفصيل من حياتهم اليومية بعدها.
لم يُصوَّر جندي إسرائيلي واحد، ولم يؤخذ بوجهات نظر هذا أو ذاك، لم تكن تلك أساسا غاية الوثائقي الذي ركّز، كعمل معني بالجانب الإنساني أساسا، على الحياة اليومية لهؤلاء الأطفال والأهالي، على حياة الفقر التي يعيشونها، وهو فقر لاحق للمجزرة، فإضافة إلى الفقدان الكارثي للأقارب، نشاهد في الخط السردي الذي يروي حكاية المجزرة، بالرسوم، حياة مريحة نسبيا لدى العائلة، رغبة أحدهم بتزويج ابنه وآخر بجني محصول القمح، إلى اليوم الذي أمر فيه جيش الاحتلال 100 فرد من العائلة بالتّجمع في بيت واحد، وقد فعلوا معتقدين أنّهم، كمزارعين لا علاقة لهم بأي عمل سياسي أو نضالي، سيكونون في مأمن، وتقوم طائرة حربية بقصف البيت وقتل ما وصل لسبعين فردا من العائلة.
استطاع الفيلم بشغلٍ فنّي بصري عالي الجودة، وبحكاية إنسانية بُنيت على أحاديث أطفال لا هي مُقحمة ولا مثقلة بما ليس عفويا، فكانت أحاديث عادية إثر أحداث غير عادية، استطاع أن يوصل لمُشاهده يوميات المأساة في غزّة عموما، لدى فقرائها ومزارعيها وعمّالها خصوصا، ولدى من تبقى من عائلة السّموني تحديدا.