في حلقة نقاشية لـ «اولاد الغيتو» في جامعة لندن.. إلياس خوري: القص عمل شاق

عدنان حسين أحمد
حجم الخط
0

نظمت كلية سواس للدراسات الشرقية والإفريقية في لندن حلقة نقاشية للروائي اللبناني إلياس خوري لمناسبة صدور الترجمة الإنكليزية لروايته الأخيرة «أولاد الغيتو- اسمي آدم» الصادرة عن دار «ماكلوهوس برس» وهي روايته التاسعة التي تُترجم إلى الإنكليزية بعد «الجبل الصغير» و«أبواب المدينة» و«الوجوه البيضاء» و«مملكة الغرباء» و«باب الشمس» و«يالو» و«كأنها نائمة» و«سينالكول» وقد نقلها إلى العربية المترجم البريطاني همفري ديفيز الذي سبق له أن ترجم روايات لنجيب محفوظ، وجمال الغيطاني، وعلاء الأسواني، وبهاء طاهر، وأحلام مستغانمي وغيرهم.
تألفت الحلقة النقاشية من ثلاثة كُتاب وباحثين أكاديميين وهم، مارلَي هامند، الأستاذة المتخصصة في أبحاث العالم المفتوح حول التعددية الإبداعية، ونورا بار، المحاضرة في الأدب الشعبي والثقافة، والناقد بول أنغلز. أعربت هامند أثناء تقديمها للروائي إلياس خوري عن إعجابها بتجربته الإبداعية الثرية التي تجمع بين القصة القصيرة، والرواية والنقد الأدبي، ولكنها أثنت بشكل خاص على روايته الأخيرة «أولاد الغيتو»، وركزت على تقنيتها، وأسلوبها الرشيق، وثراء مصادرها الثقافية، كما لم تنسَ الإشارة إلى بنائها الفني والرؤى الفكرية التي تنتظم ضمن أنساق سردية قادرة على الشد والترقب والتشويق.
قرأ إلياس خوري مقطعين من الرواية بنسختيها العربية والإنكليزية، حيث ركز السارد في المقطع العربي على أمه التي اعتبرها «مبتدأ لا خبرَ له» فيما سلط الضوء في المقطع الإنكليزي على «الغيتو» الذي بدا جديدا على كاتب النص الروائي ومبدعه. ثم انهمرت الأسئلة على خوري من قِبل الناقد أنغلز الذي اعتبر الرواية «كتابا يحطم القلب». فيما تناوبت نورا ومارلَي على طرح أسئلة عديدة تبدأ بالثيمة الرئيسية، وتمر ببناء الشخصيات ونموها، وتنتهي بتقنية الاستهلال وفن الخاتمة. وبما أن الحلقة النقاشية طويلة بعض الشيء وقد استغرقت زُهاء الساعة، أرى من المناسب أن نحيط القارئ علما بأبرز الأفكار، والتقنيات، والرؤى الفنية للروائي إلياس خوري الذي أصدر حتى الآن 13 رواية نال عنها جوائز كثيرة.
يحاول آدم دنون، المهاجر الفلسطيني إلى نيويورك أن يكتب نصا روائيا عن الشاعر وضاح اليمن، لكنه يدون بدلا عن ذلك روايته الشخصية حيث يحكي عن طفولته في مدينة اللد التي احتلها الجيش الإسرائيلي عام 1948، وشرّد أهلها وسكانها الأصليين. سوف يعرف آدم أنه ليس ابن حسن دنون ومنال، وإنما هو الطفل الأول في الغيتو الفلسطيني الذي أحاطته القطعات الإسرائيلية بالأسلاك الشائكة. وعبر هذا المدخل يحاصرنا خوري بسؤال الهوية، فآدم من وجهة نظر الكاتب ليس اسما حقيقيا، فهو يعني أن الفلسطينيين فقدوا أسماءهم، وأضاعوا هُويتهم، ولا غرابة في أن يُطلِق عليهم بعض المتشددين الإسرائيليين وصف «الغائب الحاضر».

يعتقد خوري أن القص بحد ذاته هو فعل شاق، وغالبا ما يشبه السرد بالولوج إلى النهر من نقطة ما، لكنك لن تعرف أبدا إلى أين ستأخذك مياهه الجارية المتدفقة؟

وهو يعتقد أن القص بحد ذاته هو فعل شاق، وغالبا ما يشبه السرد بالولوج إلى النهر من نقطة ما، لكنك لن تعرف أبدا إلى أين ستأخذك مياهه الجارية المتدفقة؟ من أبرز تقنيات هذه الرواية هو استعمال لغة الصمت، فهناك شخصيات لا تتحدث أبدا، وإذا نطقت فإنها تقول كلاما مُبعثرا ومُشتتا، مثل الأم منال التي ظلت مع رضيعها في الغيتو لترسم صورة معبرة للمقاومة الصامتة، فالرواية في جانب كبير منها تتمحور على التشبث بالأرض والصمود، واستنطاق صمت الضحايا الذين صودرت حقوقهم في وضح النهار. يفرق خوري بين القصص والروايات التي يكتبها المبدعون والأرشيف الكامن في صفحات التاريخ.
والفلسطينيون، من وجهة نظره، لا يستطيعون كتابة التاريخ لأنهم لا يتوفرون عليه، وفاقد الشيء لا يعطيه، فلقد سرق الإسرائيليون كل شيء ولم يبقَ أمام الفلسطينيين سوى كتابة القصص التي يعتبرها أقوى من التاريخ أو أنها تملأ الفراغات في أضعف الأحوال.
تُشكل هذه الحلقة النقاشية امتدادا طبيعيا لمحاضرة قدمها إلياس خوري نفسه في شهر مايو/أيار المنصرم لمناسبة مرور 70 عاما على النكبة وتأسيس دولة إسرائيل، حيث ركّز فيها على أربعة محاور رئيسة وهي: «النكبة كتطهير عرقي، وكيفية التعامل معها في الأدب الإسرائيلي، والنكبة بوصفها عملية استعمارية – استيطانية ما تزال مستمرة حتى يومنا هذا، والخطأ في مقارنة النكبة بالمحرقة، والنكبة التي يجب أن تُقرأ ككتاب مفتوح». ثمة آراء جريئة وردت في متون الإجابات التي قدمها إلياس خوري على أسئلة الحاضرين، فهو يرى أن رواية «أولاد الغيتو» ليست عن الفلسطينيين فقط، وإنما عن كل الضحايا في العالم، وإنها ضد التفرقة، والتمييز العنصري، ومصادرة حقوق الناس.
وأشار إلى أننا يجب أن نتعامل مع اليهود أو الإسرائيليينK كبشر حتى إن كان بينهم وحوش، لأن بيننا كفلسطينيين وعرب هناك وحوش أيضا، لذلك يجب أن نؤمن بحق الآخر في أن يعيش حياة حرة كريمة مثلما نتمناها لأنفسنا بالضبط. وعندما ندافع عن حقوق الآخر وإنسانيته فإننا في واقع الحال ندافع عن أنفسنا وإنسانيتنا، وحقنا في العيش الكريم.
وهو لا ينكــر عنصرية بعض الإسرائيليين، فهناك متشددون في الطرف الآخر، خاصة ضمن الشرائح المثقفة التي تصور الفلسطيني، مع الأسف الشديد، كبدوي متنقل لا ينتمي إلى أرض محددة، أو كظل لإنسان، أو كشخص طارئ على المكان. وقد توصل إلى هذه الاستنتاجات من خلال تدريسه لمادة الأدب المقارن الإسرائيلي والعربي على مدى سنوات طويلة. بينما يرى أن احترام كيان الآخر وإنسانيته هو دليل دامغ على احترام لنفسك أيا كان مصدرك أو منبعك الأول.
لم ينبثق الإبداع السردي للقاص والروائي والناقد اللبناني إلياس خوري من فراغ، فهو مثل العديد من الكُتاب والمثقفين العرب له مُلهموه، ورموزه، وأيقوناته الأدبية الخاصة به فهو يقرأ لنجيب محفوظ، ومحمود درويش، وغسان كنفاني، وأميل حبيبي وعشرات، وربما مئات الأسماء الإبداعية العربية والعالمية، ومن حقه أن يعتبر صديقه محمود درويش الذي تعرف إليه منذ عام 1972، وعمل معه في أكثر من مجلة، أكبر شاعر في العالم، فهو مبدع حقيقي له صوته الخاص وبصمته المميزة.
لم ينقص هذه الأمسية الاحتفائية سوى حضور المترجم المعروف همفري ديفيز ليحدثنا عن الصعوبات والمشاكل التي واجهها، أثناء ترجمة هذه الرواية المهمة، ويبدو أن مشاغله الكثيرة، وإقامته الدائمة في القاهرة حالت دون حضوره، وحرمت محبيه ومتابعي ترجماته من فرصة اللقاء به وجها لوجه، خصوصا أنه ترجم أكثر من رواية لإلياس خوري كان آخرها «باب الشمس» التي نال عنها جائزة بانيبال للترجمة الأدبية العربية.
جدير ذكره أن هذه الرواية حُولت إلى فيلم سينمائي ملحمي من إخراج يسري نصرالله وبطولة الفنان باسل خياط، ونادرة عمران، وعروة نيربية، إضافة إلى مشاركة عدد كبير من الفنانين السوريين واللبنانيين.
وفي الختام لابد من الإشادة بدور كلية سواس للدراسات الشرقية والإفريقية في التعريف بالأدب العربي المُترجم والترويج له بين صفوف القراء والمثقفين البريطانيين على اختلاف أصولهم ومشاربهم الثقافية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية