بعد مرور سنتين منذ انتخاب ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، بالإمكان القول إن سياسة إدارته بالنسبة لإسرائيل والنزاع مع الفلسطينيين يشكل دافعًا، ويمنح المظلة السياسية لثورة يمكن أن تؤثر على إسرائيل.
إننا نشهد توجهين متناقضين يميزان نشاط حكومة نتنياهو في عهد ترامب: الأول التعاون مع جهود غرينبلاط وجاري كوشنر لبلورة «الصفقة النهائية» لتسوية النزاع الذي، حسب ترامب، سيكون «بتفضيل حل الدولتين». ويأتي التوجه الثاني معاكسًا، وهو جهود الوزراء في الحكومة وأعضاء الكنيست من الائتلاف لتشجيع وتطبيق حلم الضم لأجزاء من الضفة الغربية أو كلها.
مؤيدو الضم، وعلى رأسهم نفتالي بينيت، واييلت شكيد واوري اريئيل، وأعضاء الكنيست من «أعضاء لوبي أرض إسرائيل»، الذين غالبيتهم من البيت اليهودي والليكود، وكذلك اورلي ليفي ـ ابكاسيس، ومؤيدون أقل نشاطًا مثل جدعون ساعر، وتسيبي حوطوبيلي وغيرهم، كل أولئك يرون في الوضع الراهن فرصة سياسية تاريخية، بحيث تمكن من نقل إسرائيل من حلم الدولتين إلى حلم أرض إسرائيل الكاملة، على خلفية ثلاث خواص خارجية لإسرائيل.
تتمثل الخاصية الأولى بضعف العالم العربي الذي شهد أربع حروب صعبة وتتوجب التعاون مع إسرائيل أمام التهديد الإيراني وتهديد الإسلام السياسي.
أما الخاصية الثانية فضعف الفلسطينيين في تجنيد المجتمع الدولي والعالم العربي لخطوات فعالة ضد إسرائيل، والانقسام المدمر ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة الواقعة تحت سيطرة حماس. وإلى هاتين انضمت خاصية ثالثة وحاسمة، وهي سياسة الإدارة الأمريكية التي تجري صياغتها على يد رؤية مسيحانية للسفير الأمريكي في القاهرة، ديفيد فريدمان، وبمساعدة السفير الإسرائيلي رون ديرمر، اللذين حولا منظومة العلاقات ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى موضوع حزبي للأولى.
عندما وجدت البيئة الخارجية المناسبة حسب فهمهم، فإن مسيحيي الضم في المنظومة الداخلية يمهد الأرض للانتقال المطلوب من سياسة «الضم الزاحف» إلى ضم قانوني. أي، الانتقال من مرحلة الكبح إلى مرحلة الحسم، كما أعلن بينيت في تشرين الثاني 2016.
لم يعد هناك نضال على كل بؤرة استيطانية غير قانونية أو البناء في شرق القدس، بل تحويل كل هذه إلى قانونية وإلى جزء من الرواية والإجماع الوطني. من أجل تنفيذ هذه الاستراتيجية، فإنهم يعملون في المجال القضائي والعملي في ثلاثة مجالات أساسية. الأول، إيجاد القاعدة لتفضيل اليهود بواسطة قانون القومية، والمس بقدرة وشرعية حراس العتبة عن طريق الالتفاف على قدرة المحكمة العليا في إلغاء القوانين التي تعارض قيم الديمقراطية الليبرالية، وروح وثيقة الاستقلال والقوانين الأساسية (فقرة الاستقواء)، وعن طريق إضعاف المجتمع المدني (قانون المقاطعة وقانون الجمعيات).
على الذين يؤيدون حل الدولتين أن يتراصوا للوقوف أمام الخطر القادم في دولة واحدة
المجال الثاني، شرعنة عمليات توسيع وسيطرة المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية (قانون التسوية) وإعداد مشاريع قوانين لضم أجزاء واسعة من يهودا والسامرة (هناك 10 مشاريع قوانين كهذه). والمجال الثالث، خلق مناخ عام بواسطة نشاطات تستهدف اعتبار المستوطنين سكانًا قانونيين يخدمون الحلم الصهيوني ابتداء بقرار اللجنة الوزارية للتعامل المطلوب مع القوانين الجديدة للإسرائيليين الذين يعيشون في يهودا والسامرة، مرورًا بتعيين قضاة، وانتهاء بقرار وزيرة المساواة الاجتماعية بتخصيص 1،5 مليون شيكل لتوثيق تاريخ المستوطنين كخطوة قبيل ضم يهودا والسامرة».
مشاريع القانون الذي قدم من قبل «لوبي أرض إسرائيل» ينقصها أي عمل تحضيري وليس بها أي خرائط. لقد أوقف تقدمها في هذه المرحلة على يد نتنياهو، وحسب ادعائه ليس هذا هو الوقت المناسب بسبب منظومة العلاقات مع الإدارة الأمريكية، وكذلك كان مطلوبًا مشروع قرار حكومي للتغيير الدراماتيكي في سياسة إسرائيل ـ من ضم زاحف إلى ضم قانوني. بالرغم من نية طرح مشروع الضم في دورة الكنيست القادمة، فإنه حتى اليوم لم يجد رئيس الحكومة أن من الصواب أن يلقي على جهة مهنية فحص مجمل التداعيات السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية والقانونية لخطوة وحيدة الجانب ودراماتيكية كهذه على أمن ونظام وهوية دولة إسرائيل.
عمليات الضم تقودها أقلية من أعضاء الكابينت، وموجهة نحو المطامح والتطلعات الدينية ـ المسيحانية لجزء صغير من الجمهور الإسرائيلي. تعود الاستطلاعات وتبين أن معظم الجمهور يعارض الضم ويفضل الانفصال عن الفلسطينيين حتى وإن كان ذلك بخطوة وحيدة الجانب. إن مخططات مفصلة كهذه توضح كيفية القيام بذلك، للحفاظ على الشروط لحل الدولتين، نشرتها منذ مدة حركة «قادة من أجل أمن إسرائيل»، والآن ينشرها «معهد بحوث الأمن القومي».
تشكيلة الائتلاف الحالي والمبادئ الأساسية لتشكيله، وكذلك التهديد الذي يواجه استقرار ولاية نتنياهو، مكنت الأقلية هذه من إيقاع الائتلاف في شرك المجموعة المؤيدة للضم، حتى وإن كان ذلك ضد موقف أغلبية الجمهور. عقيدتهم المسيحانية تشمل أيضًا الادعاء بأنهم انتخبوا على يد البطولة «لقيادة شعب إسرائيل»(حتى رغمًا عنه)، كما صرح بذلك بتسلئيل سموتريتش.
الأقلية المسيحانية المؤيدة للضم هذه، معنية في المرحلة الأولى بضم الضفة الغربية كلها، بيد أنها ترى أن بمقدور إسرائيل أن تضم فقط مناطق «ج» وإبقاء الحكم الذاتي الفلسطيني في مناطق «أ» و «ب» تحت المسؤولية المدنية للسلطة الفلسطينية. أي، ليس فقط احتلال رفاهي «ديلوكس» كما يجري اليوم، بل ضم رفاهي «ديلوكس». كل مقاومة فلسطينية عنيفة تقمع سريعًا وبنجاعة، وثمة من يرون في ذلك فرصة لطرد جماعي في أوار الحرب (خطة الحسم)، بافتراض أنه حتى ذلك الوقت فإن جهودهم في زرع روح «جيش الله» في أوساط قادة وجنود الجيش الإسرائيلي ستؤتي أكلها.
إذا حظيت مشاريع قوانين الضم بالطرح للتصويت في الكنيست القادمة ومررت كما ينبغي، فإنه من المتوقع أن تشهد إسرائيل انهيارات ثلجية سياسية، وأمنية، واجتماعية، واقتصادية وقانونية، من شأنها أن تقود إلى انهيار الدولة بإطارها الذي نعيش فيه اليوم، وأن يقود ذلك إلى إقامة دولة واحدة ذات أغلبية عربية، أغلبهم ليس لهم حقوق. إذا كان الأمر كذلك، يمكن القول إن إسرائيل الآن في عملية تغيير تاريخية ودراماتيكية في حلم وفي أهداف الحركة الصهيونية: اختيار القيادة الصهيونية منذ لجنة بيل في 1937، لدولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية تحدد هويتها، وتفضيله عن «أرض إسرائيل الكاملة»، يستبدل بخيار «أرض إسرائيل الكاملة»، بدلاً من أغلبية يهودية ونظام ديمقراطي.
هذا التغيير الدراماتيكي سيسرع زيادة التوتر الذي تواجهه الأقسام الليبرالية في الجمهور اليهودي في إسرائيل وفي الجاليات اليهودية. هؤلاء وأولئك سيكون عليهم أن يقرروا إذا كانوا سيدعمون هيمنة يهودية تستند إلى نظام تمييزي أو إبقاء ولائهم لقيم الديمقراطية الليبرالية وروح وثيقة الاستقلال. يمكن الافتراض أنه شبيه بالجيل الشاب في الولايات المتحدة، الذي تحول إلى غير مبال بدولة إسرائيل ولا بهويته اليهودية لصالح قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهكذا يمكننا توقع انفصال أغلبية اليهود من تدخلهم واهتمامهم بمستقبل دولة إسرائيل، ولترك الذين يعيشون فيها للمشروع الصهيوني المنهار، حسب اعتقادهم.
التصريحات الواضحة التي تسمع في أوساط مؤيدي الضم بشأن المستقبل غير الديمقراطي لدولة إسرائيل، يجب أن تعتبر دعوة للاستيقاظ. إذا كانت أغلبية الجمهور تعارض الضم وتؤيد الانفصال، فإنه لا يستطيع أن يصب غضبه على الصفقة النهائية لترامب، التي لا يعرف أحد مضمونها وموعدها. رغم أن نشرها قبل الانتخابات في إسرائيل يمكن أن يضعها في قلب الحسم المطلوب في الانتخابات. يمكن الافتراض أن نتنياهو الذي هو غير معني بأي فشل إضافي قبل الانتخابات، سيثني ترامب عن طرح الصفقة التي يمكنها أن تؤدي إلى مواجهة شديدة جدًا في الائتلاف الحالي.
في الوقت الذي تغرق فيه البلاد في بحر الكراهية والقومية المتطرفة والعنصرية، وفيها جزء من الأشخاص، ومن بينهم سياسيون قدامى وجدد يفضلون ارتداء ملابس البحر والسباحة مع التيار، فإنه على من يخافون على مستقبل هذه الدولة البدء في بناء سد وتشغيل المضخات. على الجمهور الداعم للانفصال أن يتخلى عن اللامبالاة واليأس، وأن يطالب بأن يأتي مع الانتخابات القادمة تغيير جوهري في سياسات إسرائيل. أولها، تنقية الأجواء المسمومة التي خلقها نتنياهو وأتباعه بالنسبة للفلسطينيين وبخصوص عرب إسرائيل ومؤيدي التسوية الدائمة. وبعد ذلك، تطبيق حلم الدولتين.
شاؤول اريئيلي
هآرتس 17/10/2018