الخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (4)

حجم الخط
0

الخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (4)

واشنطن تبحث منذ التسعينات عن سبب لضرب النظام العراقي وقدمت هجمات11/9 المبرر لبوشعدم شعبية الكويت واشارات محايدة من امريكا قادت لغزو الكويت.. وواشنطن دفعت السعودية لاستقبال الجيوشالخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (4)جورج ماكغفرن ووليام بولكتنشر القدس العربي بعض فصول الكتاب الذي سيصدر عن مركز دراسات الوحــــدة العربية في بيروت وضعه الباحثان الدكتور جورج ماكغــــفرن والدكتور وليام بولك، ويقترح الباحثان في كتابهما خطة عملية للانســـحاب من العراق الآن .آثـار الغـزو الأمريكـي للعـراقواحتلالـه علـي البـلاد بدأت العلاقة الأمريكية مع صدام بالانهيار في عام 1990، بمواجهة دبلوماسية غامضة بشكل يثير الفضول، وتمثّلت في اجتماعه مع السفيرة الأمريكية في بغداد. في ذلك الوقت كانت حكومة صدام قد أفلست، فنهاية الحرب مع إيران لم تأتِ بالفرج بل بالكارثة. كان العراق بحاجة إلي استئناف برامج الأعمال الاجتماعية والعامة الواسعة جداً، والتي كانت قد أنعشت المجتمع العراقي وأغنت مؤيدي صدام، ولكن ما إن هزمت إيران حتي فقدت الدول العربية التي أقرضته الأموال لقتالها الإرادة اللازمة للاستمرار، فالكويت لم تطالب بتسديد قروضها الحربية فقط، بل إنها عملت علي تخفيض سعر النفط وذلك بزيادة الإنتاج، فانخفض ذلك السعر من 21 دولاراً للبرميل الواحد في كانون الثاني (يناير) 1990 إلي 11 دولاراً للبرميل بعد ستة أشهر من ذلك. كان بوسع النظام العراقي أن يبقي علي قيد الحياة بالسعر القديم، ولكنه لا يستطيع ذلك بالسعر الجديد. كان عمل الكويت ذاك بمثابة تهديد بالقتل. وما إن انتشرت إشاعات التآمر للإطاحة بصدام حتي بدأ هذا بالخوف علي حياته. الكويت لم يكن هذا الإغراق للنفط الرخيص وحده هو الذي أدي إلي عدم شعبية الكويت لدي العراقيين. ولقد كان هؤلاء يعتبرون الكويت علي الدوام كمخفر متقدم للإمبريالية البريطانية، كما انهم يوجهون الاتهام بأنها انتزعت منهم من قبل الإمبرياليين الانكليز. وهم يرون أن الطريقة التي رسمت بها الحدود قد خنقت العراق ومنفذه إلي الخليج الفارسي. كان العراقيون كذلك يشعرون بالغيرة، فالكويت ـ وهي دولة بحجم ولاية كونتكت الأمريكية وعدد سكانها أقل من عدد سكان مدينة دالاس في تكساس ـ قد غدت ذات غني فاحش بعد أن بدأ إنتاج النفط فيها في الخمسينيات من القرن الماضي. لم تكن الكويت كما ينظر إليها من بغداد سوي أنها حقل نفطي ضخم تعلوه المصارف المليئة بالنقود. كانت هذه الموجودات جوهرية بالنسبة إلي بقاء العراق في الحرب مع إيران، كما إن صدام ظن أنها المفتاح لبقاء نظامه نفسه. ولغرض حل قضية الديون ومسألة مستوي إنتاج النفط اتجه صدام نحو الملك حسين عاهل الأردن وحسني مبارك رئيس جمهورية مصر والملك فهد ملك العربية السعودية. عرض هؤلاء الوساطة ولكن الكويت رفضت ذلك. كان صدام في وضع وكأنه يعدّ أيامه. سيطر عليه الغضب والخوف فقرر الاستيلاء علي حقول النفط ونهب البنك الذي يدعي الكويت.وقبل أن يقدم صدام علي ذلك أقدم بحصافة علي التعرف علي رأي الولايات المتحدة. كانت الإشارات التي تلقاها إشارات محايدة علي أقل تقدير، ففي واشنطن قال متحدث بلسان وزارة الخارجية: ليست لدينا أية معاهدات دفاع مع الكويت، ولا يوجد أي التزامات دفاعية أو أمنية خاصة تجاهها . وللتأكد من ذلك والاطمئنان بأن ما سمعه من هذه التصريحات كان صحيحاً قام صدام باستدعاء السفيرة الأمريكية في العراق، أبريل غلاسبي. كان الذي يريد أن يعرفه هو موقف حكومتها من القضية الكويتية ـ العراقية. ربما أن تصريحاً واضحاً وقوياً مفاده أن أمريكا ستحمي الكويت كان من شأنه أن يوقف صدام عند حده، ولكن السفيرة لم تقدم له هذا التصريح. والغريب أن رأي الحكومة الأمريكية كان يفيد بأن القضية هي ليست المال أو النفط وإنما هي شريط صغير من الصحراء مختلف عليه علي الحدود بين الكويت والعراق. قالت السفيرة الأمريكية لصدام وهي تتناول هذه القضية وتنفيذاً لتعليمات واضحة من واشنطن إن أمريكا لا تتخذ موقفاً بصدد منازعات الحدود بين الدول العربية. إن رسالة السفيرة هذه قد جري تأكيدها مجدداً من قبل مساعد وزير الخارجية الأمريكية في شهادة له أمام لجنة في الكونغرس بتاريخ 31 تموز (يوليو) 1990. ظن صدام أنه رأي ضوءاً أخضر فقام يوم 2 آب (أغسطس) بإصدار الأمر لجيشه بغزو الكويت، فتغلب هذا الجيش سريعاً علي القوات الكويتية، وأعلن صدام أن الكويت هي مرة أخري محافظة من محافظات العراق.كانت الاستجابة الأمريكية، العلنية في الأقل، هي الاستغراب. وفي تعليقها في ما بعد علي هجوم صدام قالت السفيرة غلاسبي إنه لم يكن هناك أحد في الحكومة الأمريكية يظن أن صدام سيستولي علي الكويت بأسرها، ولكنه سيأخذ فقط الشريط المتنازع عليه (والمفترض أن حكومة بوش الأب ستتيح له أن يأخذ ذلك الشريط فقط). ولكن صدام لم يسمع أي شيء يشير إلي هذا الموقف: لقد افترض أن الولايات المتحدة ستحتج ولكنه سيكون احتجاجاً شكلياً فقط؛ من ثم فإن أمريكا والدول الأخري ستقبل بالواقع الجاري علي الأرض.من المفهوم في الشرق الأوسط أن الدوافع تؤخذ علي أسوأ معانيها، لهذا ظن عدد من الناس أن حكومة بوش الأب قد نصبت فخاً لصدام. إن هذا الأخير كان مندهشاً بالتأكيد من سرعة رد الفعل الأمريكي ووضوحه. لا بل إن البعض رأي أن رد الفعل ذاك كان قد أعد سلفاً. لقد حصلت الولايات المتحدة في الحال علي قرار صدر من مجلس الأمن يطالب بانسحاب العراق. أما اشتراك الاتحاد السوفييتي مع الولايات المتحدة باستنكار الغزو الذي قام به صدام فكان نذيراً بشرٍ مستطير للعراق. من ثم تتابعت محاولات مرتبكة لتهدئة الأزمة، فقدمت مقترحات من قبل العراق وروسيا والدول العربية المختلفة وفرنسا ويوغوسلافيا لكي تُرفض جميعها من قبل الولايات المتحدة. وقد قيل في ما بعد إنّ الجنرال كولن پاول، وكان آنئذٍ رئيساً للأركان المشتركة، قد حبّذ إعطاء الحكومات العربية مهلة ستة أشهر لإعداد حل للأزمة العراقية ـ الكويتية. كان موقف كولن پاول هذا معروفاً لعدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، بضمنهم السناتور سام نن عن ولاية جورجيا وله نفوذه وكان رئيساً للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ. قام هذا بتقديم البديل الذي عرضه كولن پاول إلي المجلــــس المذكور في مقابل طلب الحكومة بالحصول علي تخويل بشن الحرب فوراً. وكانت نتيـــجة التصويت في المجلس الموافقة علي طلب حكومة بوش لصــــالح الحرب بأغلبــية صوت واحد فقط إلا إذا انسحبت القوات العراقية من الكويت في الحال.جعل السعودية تطلب تمركز القواتواستعدت الولايات المتحدة للحرب. كانت الخطوة الأولي خطوة لوجستية، وهي جعل السعودية تطلب تمركز القوات الأمريكية في بلادها (كان تطفل تلك القوات علي الأراضي المقدسة الإسلامية، كما شهدنا، هو العمل الذي أغضب الإسلاميين الأصوليين مثل أسامة بن لادن ووضع الأساس لتصاعد الإرهاب الأصولي الإسلامي). عند نهاية السنة كانت أمريكا قد حشدت ربع مليون جندي تقريباً، وألف طائرة في الأقل، وثلاثين سفينة بحرية مزودة بالصواريخ علي مقربة من العراق. وتم إلزام الحلفاء ـ بضمنهم دول عربية أخري وتركيا ـ بالمشاركة، أو جري إقناعها أو رشوتها. وفي 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1990 وبمطالبة من الولايات المتحدة أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً يخول اتخاذ كل الوسائل الضرورية لإجبار العراق علي الخروج من الكويت، ووضع تاريخاً محدداً هو الخامس عشر من كانون الثاني (يناير) 1991 للامتثال للقرار. رفض صدام الإذعان لذلك. ربما كان يرجو أن الائتلاف البغيض الذي رصفته أمريكا رصفاً سيأخذ بالانفراط. إنه كان يعتقد اعتقاداً جازماً أنه إذا استسلم فسيطاح به ويقتل من قبل جيشه.بدأ الهجوم الأمريكي في 17 كانون الثاني (يناير)، وكان أكبر ضخامةً من أي عملية عسكرية سابقة في التاريخ. لقد قصف العراق بثمانية وثمانين ألف طن من القنابل التي أسقطت بموجة علي أثر موجة من الطائرات التي قامت بمئة ألف طلعة جوية، إضافةً إلي نحو ثلاثمئة صاروخ. لم يكن الجيش العراقي قادراً حتي علي حماية نفسه بوجه القوة الأمريكية الماحقة. كانت المقاتلة أشبه بـ الرمي لصيد الديك الرومي ـ كما كان الوصف السائد آنئذٍ ـ منها بحرب. قام العراقيون، وهم في غمرة غضبهم العقيم، بالتنفيس عن إحباطهم وغضبهم من الكويت بإشعال النيران في حقول النفط فيها. ولكن ذلك التحويل عن مجري المعركة لم يوقف الأمريكيين عن القتال. وهكذا استسلم صدام في 27 شباط (فبراير)، وأمر الرئيس بوش بوقف إطلاق النار، الأمر الذي أثار حفيظة مستشاريه من المحافظين الجدد.ظروف حرب اهليةأنهي قرار صدام تلك الحرب الأمريكية ـ العراقية، ولكن ذلك خلق كذلك ظروفاً لنشوب حرب أهلية فظيعة. قام الشيعة من سكان جنوب العراق الذين خضعوا للقمع طويلاً بثورة بتشجيع من الولايات المتحدة. ولأسباب لم تزل غير واضحة، قامت الولايات المتحدة، بعد تحريضها الشيعة علي الانتفاض، بالسماح لجيش صدام بمهاجمة الشيعة بالسمتيات الحربية ومرور أرتاله المدرعة من خلال الخطوط الأمريكية، وليس هذا فقط بل إنها عملت علي حماية أكداس السلاح من الوقوع بأيدي الثوار الذين كانوا يحاولون الحصول علي وسائل للدفاع عن أنفسهم. كانت النتيجة حدوث مذبحة شنيعة. وبحلول نهاية شهر آذار (مارس) كان آلاف الشيعة قد قتلوا ودمرت ممتلكاتهم وقمعت انتفاضتهم. والأنكي، إن كان هناك ما هو أنكي، أن صدام قرر تنفيذ خطة طالما جرت دراستها من مختلف الحكومات العراقية: وهي تجفيف الأهوار والتي تقع في منطقة بحجم ولاية نيو جيرسي، وتتكون هذه الأهوار من مياه نهري دجلة والفرات بالقرب من شمالي البصرة. كان الغرض من ذلك في الظاهر هو توسيع الزراعة وتحسين الصحة، ولكن دوافع صدام الحقيقية كانت بلا شك هي حرمان الشيعة من ملاذهم الأخير. كان تجفيف الأهوار يماثل عملية نزع أوراق الأشجار في فيتنام. لقد كان ذلك كارثة بيئية وإنسانية.أما في شمال العراق فقد انتهز الأكراد كذلك فرصة حرب الكويت للقيام بانتفاضتهم. كان هدفهم الأهم هو حقول نفط كركوك التي ظنوا أن بوسعهم استخدامها كورقة للمساومة لتحقيق حكم ذاتي لهم. ولكن صدام بادر إلي مواجهتهم بأسرع مما تصوروا. ومع أن جزءاً كبيراً من جيشه مع كامل قوته الجوية كان قد دمِّر تماماً قام صدام بضرب الأكراد بقوة ساحقة. وحين حاولت المليشيا الكردية ذات الأسلحة الخفيفة أن تتراجع أغلقت تركيا الحدود بوجهها. إن تركيا قد اتفقت مع صدام علي الأقل بشأن القضية الكردية، ومبرر الاتفاق هو ضرورة سحق رغبات الأكراد بالاستقلال. ما إن شعر الأكراد باليأس حتي انسحبوا من كركوك نحو جبالهم، ليظلوا هناك خلال العقد التالي من القرن العشرين. كيف يعاقب العراق؟كان السؤال الذي طرحه المنتصرون هو: كيف يعاقب العراق وكيف يجري إضعافه؟ وللإجابة عن ذلك رتّب المنتصرون بقيادة الولايات المتحدة أن يفرض مجلس الأمن في نيسان (إبريل) 1991 برنامجاً للعقوبات. وبموجبه كان علي العراق أن يتخلي عن برنامجه لإنتاج أسلحة الدمار الشامل وذلك تحت رقابة مفتشين دوليين، علي أن يدعم عمل هؤلاء بالتهديد بضربات جوية عند عدم الامتثال. والأهم من ذلك من حيث آثاره علي المجتمع العراقي أن البرنامج قضي بتجميد موجودات البلاد في الخارج، وبمنع الاستيراد (بما في ذلك الأغذية والدواء) ومنع التصدير (بما في ذلك النفط). إن الأمريكيين الذين حبذوا فرض العقوبات قالوا إن فرضها علي العراق سيحول دونه ودون استرداد قدرته علي شن الحروب وأنه قد يؤدي بالشعب العراقي أو بالجيش إلي الإطاحة بنظام صدام البغيض. أما المنتقدون للعقوبات فقالوا إنه أشد نظام عقوبات قسوةً يفرض علي دولة منهزمة منذ أن هزمت روما قرطاجنة، لا بل إنها عقابية بدرجة أشد من العقوبات التي فرضت علي ألمانيا أو اليابان المهزومتين في نهاية الحرب العالمية الثانية. وسرعان ما اتضح أنه لم يبق لدي العراق قدرة عسكرية يعتد بها دولياً، لذلك ربما لم تكن للعقوبات صلة ذات بال بقوة العراق، ولكن، وبما أن نظام الحكم كان من القوة والتصميم بما يكفي لحماية نفسه ولحماية منتسبيه، فإن آثار العقوبات ستقع علي أفراد المجتمع الأضعف حالاً. إن نظام العقوبات، وإن خُفِّف بعض الشيء في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، قد ظل نافذاً حتي الغزو الأمريكي في عام 2003، وأثر تأثيراً بالغاً علي صحة جيل كامل من العراقيين.وعلي الرغم من تطبيق نظام العقوبات فإن المؤن الغذائية قد تضاءلت بحيث إنّ ربع أطفال العراق ما بين الستة أشهر والخمس سنوات كانوا يعانون من سوء التغذية المزمن. إن هذا المعدل يقارن بمعدل بوروندي، البلد الإفريقي الذي خربته حرب دامت أكثر من عقد من الزمان. إن سوء التغذية المزمن يتجلي علي الأخص في ما يسمي بـ التأقزم (أي أن الطفل لا ينمو بشكل يتناسب مع عمره) وفي ما يسمي بـ التبدد (أي أن يكون الطفل قليل الوزن بشكل مفرط قياساً إلي طوله وعمره). إن التأقزم والتبدد قد أصابا ربع أعداد الأطفال العراقيين. وبحلول عام 1993 أدت العقوبات إلي وفاة ما يقدر بنصف مليون طفل عراقي.وفي برنامج ستون دقيقة للأخبار التي تبثها فضائية CBS قيل لسفيرة أمريكا إلي الأمم المتحدة، مادلين أولبرايت، إن هذا العدد هو أكثر مما قتل في هيروشيما، وسئلت هل هذا ثمن جدير بالدفع؟ ، فأجابت: إننا نظن أن الثمن جدير بالدفع .إضافةً إلي سوء التغذية الواسع الانتشار أصيب عدد كبير آخر من العراقيين بشيء آخر من آثار الحرب. إن قنابل اليورانيوم المنضب التي استخدمتها القوات الأمريكية تركت آثاراً مميتة تتجاوز آثار القتال، ألا وهي زيادة عدد الإصابات بالسرطان زيادة كبيرة. وفي عام 1994 هوي العراق إلي القعر. إن الاقتصاد الحديث الذي أقامه صدام قبل الحرب المدمِّرة مع إيران وغزو الكويت الطائش قد أخذ بالتلاشي، إذ لم يكن بإمكان العراق أن يبيع منتجاته في الخارج، ولم يكن لديه المال لشراء ما يحتاج إليه من أقطار أخري. لم يعد لدي المستشفيات حتي الصابون اللازم لغسيل أغطية الأسرّة ولم يعد من الممكن استعمال أجهزة التشخيص والعلاج المتقدمة جداً لعدم توافر قطع الغيار. وصار من غير الممكن الحصول علي الأدوية المضادة للجراثيم كالبنسلين ولا علي مواد التخدير لإجراء العمليات. حتي الضمادات بات يعاد استخدامها مراراً. إن أخباراً مفزعة عن هذه الظروف المريعة أخذت تنتشر في أوساط المنتصرين. وبدأت آثار سوء التغذية بشكل خاص تأخذ طريقها إلي العلن، وسوء التغذية هذا بالمعني الحرفي هو مجاعة الشعب العراقي. وسرعان ما غدت هذه الأنباء شيئاً مريعاً بحيث تصاعد الضغط الشعبي من أجل إلغاء العقوبات. وكانت النتيجة برنامج النفط مقابل الغذاء في عام 1995.فقد سُمح للعراق، تحت إشراف صارم من لجنة يترأسها عضو أمريكي تابعة للأمم المتحدة، أن يصدّر كميات قليلة من النفط لغرض شراء الأغذية والأدوية التي توافق علي شرائها اللجنة. في البداية كان أثر هذه السلع المستوردة محدوداً. وقد أشارت دراسة دقيقة أجراها برنامج الأمم المتحدة للإنماء أنه بحلول عام 1996 كان ما يقرب من ثلث أسرّة المستشفيات قد ألغيت، وأن أكثر من نصف معدات المستشفيات لم تكن تعمل، كما إن عدداً من الدوائر كانت حماماتها عاطلة . ان برنامج العقوبات علي كونه قد خفِّف بعض الشيء سيبقي نافذاً في العراق حتي الغزو الأمريكي، أي بعد سبع سنين من صدوره.النظام يحمي نفسهوبما أن الغرض المعلن للعقوبات هو تحطيم نظام الحكم العراقي، فقد عمل ذلك النظام علي محاولة حماية نفسه وذلك بالتهرب منه من جهة، وباستخدام ما يتيسر لديه من أموال لبناء قواته الأمنية من جهة أخري. ولئن ساورت حكومة صدام أية ظنون بشأن نيات الدول الغربية فإنها كانت تذكَّر بها بين الحين والآخر وذلك بتحليق طائراتها باستمرار فوق أراضيها، وبمنع طائراتها من التحليق إلا فوق شريط في وسط البلاد، وكذلك بالقصف بالقنابل وبالهجمات الصاروخية بين الفينة والأخري. كانت هذه الأعمال المنفصلة مثيرة للقلق ولكنها لم تسفر عن ظهور سياسة متماسكة وفعالة: إن نظام الحكم العراقي لم يسقط، والشعب العراقي عاني ما عاناه (ففي خلال مرحلة العقوبات وفي عموم مسائل الصحة والتعليم والتنمية فإن العراق وفقاً لمعلومات منظمة اليونيسيف قد هبط في قائمة الأقطار البالغ عددها (130) قطراً من مرتبة (50) إلي مرتبة (126)، كما ان الأقطار المجاورة له، وهي من حلفاء الولايات المتحدة، قد خسرت مصادر رئيسية لمواردها حين انقطع مرور النفط في أراضيها، ولم يستطع العراقيون شراء بضائعهم. جري تخفيف العقوبات بشكل غير رسمي وبصورة سرية بقيادة الولايات المتحدة. وفي حقيقة الأمر، ووفقاً لتقرير مجلس الشيوخ الأمريكي، كان المشترون الكبار للنفط العراقي المخفّض سعره كثيراً هم شركات النفط الأمريكية والتي كانت مشترياتها تسهَّل أحياناً من قبل الحكومة الأمريكية. إن هذه المشتريات بما تنطوي عليه من تقديم عمولات سرية لنظام صدام حسين من شأنها أن تشوّه السياسة الأمريكية المعلنة.في نهاية عام 1996 سُمح للعراق بتصدير النفط. وفي عام 1998 كان العراق قد صدّر ما قيمته عشر بلايين ونصف المليار من الدولارات. كانت السيطرة علي ذلك قد رُفعت بالكامل حينئذٍ بحيث كان العراق بحلول عام 2000 يدخله أكثر من ثلاثين مليار دولار من صادراته النفطية. بدأ الاقتصاد يسترد عافيته، ودمار الحرب يجري إصلاحه: كان العراقيون فخورين بأنهم أعادوا بناء الجسر المعلق عبر دجلة في بغداد وهو الجسر الذي يعتبر رمزاً لحداثتهم. وتم إصلاح شبكة الكهرباء التي أصابها دمار شديد في حرب 1991، بحيث صار ماء الشرب النظيف متوافراً وغدا من الممكن معالجة نفايات المجاري. أما صدام الذي عادت ثقته بطاقته المتنامية، فقد انغمس مرة أخري بشغفه بالأعمال المعمارية العظمي، فعجت بغداد بالأقواس والتماثيل بما يذكّر كثيراً بموسوليني وهتلر.ولكن، وتحت هذه المظاهر من سلطة نظام البعث الباقية ثمة ما ينذر بضعفها. ولعل أهم هذه الأمور هو الهجرة المتواصلة للنخبة المتعلمة من السكان. إن عشرات الآلاف من الذين يحتاجهم العراق أمس الحاجة تركوا البلاد. خرج بعضهم لأن نظام العقوبات قد خرّب مجال المزاولة لمهاراتهم، ويصدق هذا بالأخص علي الأطباء والمهندسين، في حين أن البعض الآخر لم يعد لديهم أمل بحياة كريمة في عراق يحدق به الأجانب ويحكمه طاغية مستبد. وقد أُغلقت المدارس وتشتَّت المدرسون وتدهور معدل الأمية بالنسبة إلي الجيل التالي. لقد أصاب التأثير حتي حزب البعث الذي كان حتي ذلك الحين قاعدة السلطة لصدام، فما أن بلغت مسامعه إشاعات التذمر حتي باتت ثقته بالحزب أضعف فأضعف. وهكذا ولغرض رفد الحزب بشيء جديد أو لإحداث توازن فيه، أو إبداله، قام صدام بإحياء النظام البريطاني السابق الخاص بـ ترفيع رؤساء العشائر. كان هؤلاء يعتبرون قديماً أعداء للتقدم ولنظام الحكم، فإذا هم يُخطب ودهم وتُبذل لهم الأموال ويملَّكون المزيد من الأراضي ومنها ما كان مؤمماً سابقاً. وفي ليلة وضحاها صار أولئك الذين كانوا يعاملون وكأنهم أشياء عتيقة يحوزون علي الحظوة مرة أخري من جديد. أما الأمر الذي كان له مغزاه سياسياً فهو أن صدام بعد أن شعر بالتهديد من قبل المجتمع بأسره تقريباً قد عاد إلي الاعتماد علي نظام القربي الذي كان موجوداً قبل الإسلام. بعبارة أخري لم يعد يعتمد علي منظمته السياسية التي هي حزب البعث، ولا علي التوازن الذي خلقه بين الدوائر الأمنية المختلفة، ولا علي الدائرة الواسعة من مؤيديه الذين أغدق عليهم المقاولات الحكومية، بل بات يعتمد فقط علي أقربائه الأقربين من آل المجيد بصفتهم عشيرته. إن صدام بصفته وريثاً لتقليد عربي سحيق القدم كان ينظر إلي العشيرة علي أنها مستودع الولاء: إن أعضاءها كلهم مسؤولون عن أعمال بعضهم تجاه البعض الآخر، كما إن كل عضو منهم يطلب منه بشكل مطلق أن يحمي جميع الأعضاء أو يثأر لهم. إن هذا التقليد هو أحد التقاليد التي ظلت كما هي طوال تاريخ العراق، وهو لم يزل قوة علي أمريكا أن تحسب له الحساب اليوم. بالنسبة إلي صدام كانت عشيرته تمثل حصنه الأخير.صدام والعودة للعائلةوهكذا، وبعد أن حُصر صدام في زاوية ضيقة جراء هزيمته في حرب الكويت، وبعد أن تضعضع جراء الانتفاضتين الشّيعية والكردية، وبعد أن وجد نفسه غير واثق حتي من منظمته السياسية نفسها، فقد قام بإحياء الفكرة السياسية العربية الأكثر بدائية، ألا وهي فكرة علاقة القربي الوثيقة. بدأ في الحال بتطبيق هذه الفكرة في حكومته وفي الأجهزة الأمنية والجيش. ومنذ ذلك الحين فصاعداً كانت علاقة القربي هي التي تأتي في المقام الأول وليس الكفاءة. لهذا كانت صدمة عميقة جداً لصدام وعشيرته حين هرب في عام 1995 صهراه من العراق مع اثنتين من بناته وهما زوجتا الصهرين. وكان الأكثر إقلاقاً لصدام أن أحدهما هو الجنرال حسين كامل الذي كان رئيساً للتصنيع العسكري في العراق. وبهذا كان حسين كامل يقوم من حيث لا يدري بدور أساسي في التهيؤ للهجوم الأمريكي عام 2003. جري استجواب حسين كامل من قبل وكلاء الاستخبارات الغربيين وهو في الأردن الذي لجأ إليه. ومن هناك نُقل عنه زعمه أنه كان لدي صدام برنامج كبير لتطوير أسلحة دمار شامل. كان لهذا الكلام أثر كبير لأن قضية الأسلحة آنئذٍ كانت قد أصبحت نقطة أساسية في العلاقات العراقية ـ الأمريكية. كان رجال الاستخبارات الأمريكيون و الخبراء غير الحكوميين، ولا سيما من حركة المحافظين الجدد ذات النفوذ الكبير، يعتقدون أن صدام كان يحاول في الخفاء أن يمتلك أسلحة دمار شامل، أو أنهم في الأقل يتهمونه بذلك. وفي هذه التهمة منطق معين: إذ، وعلي حد كلام أحد كبار رجال الاستخبارات الإسرائيلية، سيكون صدام مغفلاً إن لم يفعل ذلك، لأن الحكومة الأمريكية كانت في عام 1991 تبحث علناً في كيفية قتله. إن كلاً من الرئيس بوش الأب والرئيس كلينتون كان يبحث بتوق شديد عن برهان يثبت أن صدام كان ينتهك القيود المفروضة علي أسلحة الدمار لكي يكون لديهم العذر للإطاحة به. وما لا شك فيه أن صدام كان سيرغب بالحصول علي الأمن الذي يوفره امتلاك ذلك السلاح، أي القنبلة النووية، ولكنه كان بما يكفي من الذكاء لكي يعرف بأن نظام حكمه سيكون خلال محاولة الحصول عليها معرضاً جداً للهجوم عليه. وعليه فإنه قرر علي ما يبدو أنه لن يستطيع، في ذلك الوقت في الأقل، المخاطرة بإجراء المحاولة. والواقع، وكما جري الإقرار لاحقاً، أن حسين كامل كان قد قال لوكلاء الاستخبارات الغربيين فعلياً أن برنامج الحصول علي تلك الأسلحة قد جري التخلي عنه.عند التمعّن بعمق في أحداث تسعينيات القرن الماضي، تتضح بجلاء سلسلة من المحاولات الرامية إلي إدانة صدام بأي شيء يبرر هجوماً علي نظام حكمه. إن إحدي الحوادث التي وقعت في عام 1993 كان لها أن تظهر من جديد بعد عقدٍ من الزمان حين قال الرئيس بوش إن صدام يحاول قتل والدي . إن الذي حدث لم يفسّر تفسيراً مقنعاً قط، ولكن التفسير الأكثر قبولاً هو أن تلك المؤامرة ربما كانت من صنع الخيال، إن المهم بشأن ذلك، ومحاولة استخدام صهره حسين كامل للشهادة ضده، هو أن صدام كان قد اقتنع بأن أمريكا عازمة علي تدميره مهما عمل أو لم يعمل. كان المبرر لديه لحصول هذه القناعة عنده قد قدمه له جهازه الأمني الذي اخترق جماعة منشقة تمولها وكالة الاستخبارات الأمريكية. تلك الجماعة العراقية هي جماعة الوفاق الوطني ، وكانت تتلقي الأموال للقيام بهجمات مسلحة وباغتيالات للرجال البعثيين وعلي رأسهم صدام (كانت تلك الجماعة برئاسة بعثي سابق هو إياد علاوي، الذي أصبح في ما بعد أول رئيس وزراء عراقي معين من قبل أمريكا).بعد هذه السلسلة الطويلة علي مدي ذلك العقد من الزمان، سلسلة التهديدات وبرامج الزعزعة ومحاولات الاغتيالات السرية والهجمات الجوية، جاء أخيراً الحدث الذي برر الغزو في عام 2003، وهو الهجوم علي مركز التجارة العالمي وعلي وزارة الدفاع الأمريكية، والذي لم يكن للعراقيين أي صلة فيه، إنما المفارقة تكمن في وجود الكثير الكثير مما يلام عليه نظام صدام حسين.جاء الهجوم الأمريكي ـ البريطاني علي العراق في عام 2003 أوسع كثيراً وأشد تدميراً من غزوة 1991 في عهد الرئيس بوش الأب. سميت هذه الحملة الجديدة باسم الصدمة والترويع وهو اسم يلخص بشكل مناسب المعني المطلوب. بلغ عدد الطلعات الجوية 37 ألف طلعة قامت بها القوة الجوية الأمريكية وأسقطت ثلاثة عشر ألفاً من الذخائر العنقودية التي انفجر منها مليونان من القنابل العنقودية، فأزالت مناطق بأسرها من الوجود. وأطلقت الطائرات 23 ألف صاروخ، كما أطلقت السفن 750 صاروخ كروز انفلق منها مليون ونصف المليون باوند من المتفجرات. أما القذائف المدفعية فلم يسجل عددها، ولكن مجموع الضربات الجوية والبرية أحدثت ما يقدر بمئة مليار دولار من الأضرار المادية. أما الخسائر في صفوف المدنيين التي لن تعرف أعدادها بالضبط، فقد بلغت عشرة آلاف مدني في الأقل بضمنهم نحو ثلاثة آلاف طفل، كما قتل عشرات الآلاف من الجنود العراقيين في الواحد والعشرين يوماً الأول من القتال.إن الإحصاءات هي حيلة من حيل الحرب. إنها لا تصور الشقاء ولا تفسر مدي الضرر. في الماضي كان وصف الحروب يؤكد علي الحيوية والافتخار والبسالة التي يبديها الجنود. لقد قدم لنا الشاعر تنيسون والشاعر كيلنغ صورة عن الحرب تكاد تكون جذابة. أما في الحروب الحديثة حينما يكون المتقاتلون متباعدين جداً أحدهما عن الآخر ولا يرون أهدافهم إلا نادراً، فإننا لا نسمع سوي عبارات مثل عبارة ضربات جراحية ولكن شهود العيان يكشفون لنا أحياناً البعد الإنساني للحرب. في حرب العراق عام 2003 كانت أكثر التقارير النابضة بالحياة هي التي كتبها الصحافي البريطاني روبرت فيسك، إن الحرب التي كتب عنها هذا الصحافي ليست حرباً من نوع الضربات الجراحية، بل حرباً فيها أناس يعانون الشقاء وأجساد فتك فيها التشويه. كان هذا الرجل يكتب عما رآه الكثير من العراقيين رأي العين، ففي ذلك القطر الصغير كان لدي كل أسرة قريب أو جار أو صديق كان قد جرح أو قتل. وبعد أن عاد التلفزيون العراقي إلي البث أخذ يظهر علي شاشاته مشاهد الرعب التي أحدثتها المعارك الكبري في مدن العراق. أما التلفزيون الأمريكي فكانت المشاهد التي يعرضها كأنها عن وقائع أخري لحرب مختلفة ليست كالتي يعرضها التلفزيون العراقي.في ذلك القتال كان التفوق علي العراقيين ظاهراً في الميادين جميعها من حيث الأسلحة وفنون الحرب والقيادة، إلي درجة أن لم تكن لديهم أية فرصة للقتال الحقيقي. لقد تحطم جيشهم. جاء في دراسة قام بها برنامج الأمم المتحدة للإنماء في عام 2005 أن ربع مليون شخص عراقي قد أصيبوا بمشكلة صحية مزمنة سببتها الحرب بشكل مباشر.. إن عدد الأطفال والشيوخ والنساء الذين أصيبوا بإعاقة كان أكثر من أعدادهم في الحروب السابقة . أما محطات الكهرباء فكانت هدفاً رئيسياً، فأصابها العطل جراء صدمة الهجوم. وما يدعو إلي السخرية أن سبب تعرض الكهرباء إلي ذلك هو أن البنية التحتية في العراق صارت متقدمة ومركزية وحديثة في حكم صدام! تعرضت أجزاء كبيرة من البلاد إلي العيش في الظلام ومن دون مجال للحصول علي مياه شرب نظيفة، إذ تقدر دراسة برنامج الأمم المتحدة للإنماء أن نحو ثلاثة أرباع مليون بيت عراقي فيها ماء شرب غير صالح ومتقطع. ولم يكن لدي عدد كبير من السكان في المدن وسيلة آمنة للتخلص من النفايات. إن هذه الآثار مجتمعةً سرعان ما تسببت بموت ما يتراوح بين 20 إلي 40 في المئة من الناس لإصابتهم بالإسهال. لم يكن هناك الكثير من المجال لإسعاف المرضي، فالمراكز الصحية التي دمرت خلال الغزو بلغت تسعمئة مركز ظلت تعمل منذ حرب 2001 ومنذ مرحلة الحصار، ولم يكن الدواء متوافراً، كما توقفت المعدات الطبية عن العمل وفقدت قطع الغيار، كما توقف تزويد الطاقة الكهربائية. وهكذا بلغت نسبة احتمال وفاة الأطفال العراقيين ثلاثة أضعاف النسبة في قطرٍ مجاور هو الأردن.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية