لندن – “القدس العربي”:
ما هي الخطوات التي ستتخذها السعودية لكي تقوم بالسيطرة على الأزمة التي اندلعت بسبب اختفاء الصحافي البارز جمال خاشقجي؟ وكيف ستقوم بالحد من الأضرار؟ ففي 13 تشرين الأول (أكتوبر) نشرت الصحف السعودية تذكيرا للمواطنين بأهمية الوعي بقانون الجرائم الألكترونية خاصة البند السادس والذي ينص على غرامة بثلاثة ملايين ريال سعودي (800.000 دولار أمريكي) لمن ينشر بالمشاركة في الشائعات التي تخرق النظام العام والقيم الدينية والأخلاق العامة والخصوصية. وعرف الجميع ما هو الغرض من التنبيه ولمن وجه: أي التكهن بشأن مصير الصحافي خاشقجي الذي دخل قنصلية بلاده في 2 تشرين الأول (اكتوبر) ولم يخرج منها. وهي دعوة للإمتناع عن تفسير أو البحث عن دور الحكومة في اختفائه.
وجاء في تقرير نشره موقع “بلومبيرغ نيوز” وأعدته دونا أبو ناصر وفيفيان نيريم أن الرواية السعودية حاولت في البداية رفض الإتهامات الموجهة لها باعتبارها نوعا من التشهير نظرا لقوتها وتأثيرها بالمنطقة، حتى مع تصريحات المسؤولين الأتراك الذين قالوا إن السعودية هي التي امرت بقتل خاشقجي. وفي المملكة التزمت الصحافة والمسؤولين بما قاله الأمير محمد بن سلمان في مقابلته “لبلومبيرغ” بعد يوم واحد من اختفاء خاشقجي”: دخل الصحافي القنصلية لتسلم اوراق تتعلق بزاوجه وخرج بدون أن يمسه أي أذى”. ولكن الجدل الغاضب لم يتلاشى بل وصل ذروته في تصريحات السناتور الجمهوري ليندزي غراهام الذي قال “طوال الوقت كنت على أرضية الكونغرس أدافع عن السعودية لأنها حليف جيد”. وكان يتحدث في برنامج “فوكس نيوز أند فريندز” البرنامج الذي يتابعه الرئيس دونالد ترامب يوميا. وأضاف واصفا محمد بن سلمان “هذا الرجل كرة/معول هدم وهو من أمر بقتل الرجل في القنصلية بتركيا وأن تتوقع مني قبول هذا فإنني اشعر بالإنتهاك والإستخدام ولن يكون أبدا زعيما عالميا”.
هذا الرجل معول هدم وهو من أمر بقتل خاشقجي في القنصلية ولن يكون أبدا زعيما عالمي
وفي جنيف أصدرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليت- الرئيسة السابقة لتشيلي- “الإختفاء القسري والقتل خارج القانون هي جرائم خطيرة ويجب أن لا تمنع الحصانة من التحقيق فيها”. ويحاول الملك سلمان التحكم بالضرر سواء في داخل السعودية أو خارجها وعلى وضعية ابنه كوريث له الذي قدم نفسه كمصلح يريد تحرير البلاد من اعتمادها على النفط.
وبحسب رجل أعمال سعودي “أرتجف الآن، حقيقة” حيث عبر عن حالة رعب من إمكانية لجوء بلاده إلى نفس الأساليب التي استخدمها نظامي صدام حسين ومعمر القذافي ضد المعارضين لهما. وعلق الموقع أن رجل الأعمال طلب عدم الكشف عن هويته، وهو أمر عادي في بلد عبر في ولي العهد عن استعداده لاعتقال الأمراء والميارديرات لتحقيق ما يريد. ومن هنا فمزيد من القمع هو المفتاح. وقال شاب سعودي عاد للتو إلى المملكة بعد انتهائه من الدراسة إنه عاش نزاعا داخليا بشأن الطريقة التي سيتعامل فيها مع اختفاء خاشقجي قبل أن يتوصل لنتيجة وهي الدفاع عن بلده فوق كل شيء. ويجب على السعوديين الوقوف مع الحكومة مهما كان الأمر.
وقد أصبح الكثيرون في الرياض واعين لما يعبرون عنه في خارج بيوتهم. وقال أكاديمي سعودي “الكلام يكلفك غاليا الآن” حيث رفض الحديث مع الموقع. أما من وافقوا على المحادثات فقد اعترفوا أنهم يتركون هواتفهم مغلفة في غرف أخرى حتى لا يتم استخدام سماعة الهاتف النقال كأداة تنصت. وفي بعض الأحيان يهمسون لبعضهم البعض في داخل بيوتهم.
وفي مقابلته مع “بلومبيرغ” رفض ولي العهد الكلام حول أجواء الخوف في المملكة قائلا” قد تعرفين بعض الأسماء من 20 مليون شخص وأنا لا أعرف هؤلاء ولا أعتقد أنك ستعطيني الأسماء” وكان يتحدث ضاحكا حيث أضاف “لو كنت تعتقدين أن هؤلاء الناس سيواجهون مشاكل لو تحدثوا للإعلام كما حدث للآخرين فهذا الكلام غير صحيح”. وتعارض البرفسور مضاوي الرشيد، الأستاذ الزائر في مدرسة لندن للإقتصاد والباحثة في العلوم السياسية والناقدة المستمرة لسياسات ولي العهد قائلة: “في السعودية لا توجد أصوات تقدم منظورا مختلفا حول أي نوع من السياسة”. وتضيف “تغيرت قواعد اللعبة الآن ولا أحد يشعر بالأمان”. وما يشير لهذا الوضع هو أن عدد طالبي اللجوء السياسي من السعوديين في الخارج زاد من 575 في 2015 وهو العام الذي بدأ فيه نجم ولي العهد بالصعود إلى 1.256 عام 2017 حسب أرقام الأمم المتحدة. في الخارج، فاتجاهات قضية خاشقجي مختلفة عنها في الداخل وهي مكلفة للمملكة. فقد قاد ولي العهد حملة علاقات عامة وتحسين صورة لكي يحظى بالدعم الدولي لسياساته الإصلاحية في المجالين الإقتصادي والإجتماعي خاصة خططه لتنويع الإقتصاد. ورأى البعض فيه أميرا إصلاحيا وثوريا. فالسعودية القديمة مرتبطة كما يقول استاذ العلوم السياسية بجامعة بو بباريس، ستيفان لاكرو بأنها “لاعب دبلوماسي حذر، واللاعب الذي يحب السرية وعدم اتخاذ مواقف راديكالية” مضيفا أن الوضع الحالي هو “ديكتاتوري وقمعي أكثر”. وألغت عدة شركات كبرى مشاركتها في مؤتمر استثماري بالرياض من المقرر عقده في 23 تشرين الأول (أكتوبر) وبحسب الدبلوماسي الأمريكي السابق والزميل الحالي في المجلس الأطلنطي نبيل خوري “من الواضح أن تظاهر الأمير بالإصلاح كان سطحيا” و”أثبت أنه طاغية هدفه الأول هو السلطة وبأي ثمن” مشيرا أن التداعيات من اختفاء خاشقجي من الصعب الحد من تداعياتها.
عدد من السعوديين عبروا في أحاديثهم الخاصة عن مخاوف من صراع داخل العائلة المالكة بسبب خاشقجي
وأضاف “عندما يبدأ وول ستريت بالتشكك او يشعر بموقف أخلاقي، فهذا يعني أن العالم سيفقد الثقة للإستثمار في السعودية. فالسحر والعلاقات العامة لا يكفي حيث خسر ولي العهد في الأسابيع الماضية أصدقاء أكثر مما عقد من صداقات في العامين الماضيين. وأصبح النقاش بشأن خاشقجي كبيرا ودوليا بدرجة يحتاج فيها لتدخل الملك سلمان الذي ترك معظم شؤون الدولة لابنه كي يديرها. وكان الرئيس دونالد ترامب قد اقترح أن هناك “قتلة مارقون” ربما قاموا بقتل الصحافي فيما أرسل وزير خارجته مايك بومبيو للإجتماع مع الملك سلمان وولي عهده وقال إن حكومة السعودية وعدت بتحقيق عميق. ويرى خوري إن تحميل عناصر تصرفت بناء على نفسها وليس بناء على أوامر ولي العهد في قضية خاشقجي، هو حل ولكن هناك حل جذري يمكن للملك اتخاذه وهو التفكير باستبدال ولي العهد بآخر. ومع أن استبداله غير قائم إلا أن عدد من السعوديين عبروا في أحاديثهم الخاصة عن مخاوف من صراع داخل العائلة المالكة بسبب خاشقجي. ويتداول المعارضون في الخارج قصصا عن محاولات النظام السعودي إغراء نجل الداعية سلمان العودة بالعودة إلى المملكة. وقال عبدالله العودة، 34 عاما: “حاولوا أن يدفعوني للعودة بطريقة أو بأخرى ومن الواضح أنها كانت خدعة”. وبعد أن انتهت صلاحية جوازه تقدم بطلب تجديده إلى السفارة في واشنطن حيث قيل له إن خدمته “مجمدة” ويجب عليه العودة للمملكة كي يحصل على جواز جديد. وقال العودة إنه حافظ على إقامته في الولايات المتحدة بسبب عمله الأكاديمي. وعلق على اختفاء خاشقجي بالقول: “الرسالة التي يحاول المنفذين إرسالها هي اننا نستطيع الوصول إليك ولن نخف عملنا”. و”سنقوم بعملنا والعالم يتفرج ولا أحد سيحتج لأننا أقوياء”.