عمر عبد العزيز
لندن ـ “القدس العربي”:
كشفت صحيفة “واشنطن بوست” عن تسجيلات صوتية عن محاولة النظام السعودي ملاحقة معارضيه، مشيرة إلى عمر عبد العزيز الذي سجل 10 ساعات من المحادثات حاول فيها عملاء سعوديون إقناعه بالعودة إلى المملكة من منفاه في كندا.
ويتذكر المعارض مقابلة في مونتريال مع مبعوثين سعوديين جاءا لمقابلته في مقهى بالمدينة وعندما سألهما عن سبب السفر الطويل لمقابلته أجاب أحدهما “هناك سيناريوهان” أحدهما عودته إلى السعودية، لأصدقائه وعائلته والثاني “عمر يذهب إلى السجن” وسألاه “أي منهما سيختار عمر؟”. وجلب الزئران معهما أحد أشقاء عمر الذي طلب منه الهدوء. وتكشف تسجيلات عمر عبد العزيز، المقرب من الصحافي المختفي جمال خاشقجي صورة عن الطرق التي استخدمها النظام السعودي لخداع معارضيه والعودة إلى البلاد بوعود المال والأمن. وقال عدد من أصدقاء خاشقجي إن مسؤولين بارزين في السعودية اتصلوا به في الأشهر الماضية وعرضوا عليه وظيفة مهمة لو عاد إلى المملكة، إلا انه قال إنه لا يثق بالعرض وخاف أنها مجرد حيلة. وبحسب مسؤولين في المخابرات الأمريكية فقد استمعت المخابرات لمحادثات بين المسؤولين السعوديين تكشف أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أمر باختطاف خاشقجي وإعادته قسرا إلى السعودية. ولم يعرف عن مصير خاشقجي منذ 2 تشرين الأول (أكتوبر) بعد دخوله القنصلية السعودية في اسطنبول. ويقول المسؤولون الأتراك إنه قتل داخلها وقطع على يد فرقة موت جاءت خصيصا من السعودية لتنفيذ المهمة. فيما نفت الحكومة السعودية أي معرفة بما حدث له.
وقال عبدالعزيز اللاجئ السياسي في كندا إنه كان يعمل مع خاشقجي على عدة مشاريع، وربما أعطى هذا المسؤولون السعوديون سببا لملاحقة الصحافي المعروف. وأرسل خاشقجي له مبلغ 5.000 دولار لمشروع أطلق عليه ” جيش النحل” وهي مبادرة لإنشاء جيش إلكتروني على الإنترنت لمواجهة الذباب الإلكتروني المؤيد للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال عبد العزيز إنهما كانا يعملان على انتاج فيلم قصير وموقع على الإنترنت لمتابعة حقوق الإنسان والمؤيدين للديمقراطية.
كان القحطاني هو من اتصل بخاشقجي قبل أشهر من اختفائه وحثه على إنهاء منفاه الإختياري في أمريكا والعودة
ومن المفترض أن العمل كان سريا إلا أن عبدالعزيز استهدف هذا الصيف بعملية تجسس على هاتفه. وقال “أصبح لديهم كل شيء” و “ورأوا المراسلات بيننا واستمعوا للمكالمات”. وفي المحادثات التي سجلها عبدالعزيز للمبعوثين السعوديين أكدا أكثر من مرة أنهما جاءا بناء على طلب من ولي العهد. وذكرا أنهما يعملان بناء على أوامر من سعود القحطاني المقرب جدا من محمد بن سلمان. وكان القحطاني هو من اتصل بخاشقجي قبل أشهر من اختفائه وحثه على إنهاء منفاه الإختياري في أمريكا والعودة.
وكان عبدالعزيز قد وصل إلى كندا عام 2009 للدراسة، وبنى شبكة معجبين له على تويتر خلال ثورات الربيع العربي. وبدأ أثناء دراسته بجامعة ماغيل برنامجا ساخرا على اليوتيوب وحصل على اللجوء في كندا عام 2014. وأقام عبد العزيز صداقة مع خاشقجي بعد مغادرة الأخير السعودية . لقد “كان وحيدا” كما يقول عبد العزيز، و “بدأنا بالحديث عن الحياة في الخارج بعيدا عن عائلاتنا، وعن الحياة والمشاريع التي سنقوم بها، وكان جمال بمثابة الأب والصديق“. وكانت فكرة “جيش النحل” من بنات أفكار عبدالعزيز وأعجب بها خاشقجي، خاصة أنه واجه اهانات وهجمات من المؤيدين للنظام السعودي الذين يطلق عليهم بالذباب الألكتروني. ويقول عبد العزيز “تعرض جمال للإهانة الشديدة من الذباب السعودي” و “ركزوا على جمال لأنه صوت في الإعلام الغربي”. واقترح عبد العزيز مواجهة الهجمات ولكنه كان بحاجة للمال لتنفيذ خطة ضدها، واقترح قائلا “نسميهم جيش الذباب فلنسم أنفسنا جيش النحل”. وكانت الخطة تقوم على شراء رقائق الكترونية- سيم كارد- بأرقام كندية وأمريكية يمكن لمن هم في السعودية استخدامها. فحسابات تويتر يجب التأكد منها. ويخشى الناشطون من ارتباط أرقامهم السعودية بحساباتهم وذلك خشية مراقبتهم واعتقالهم بسبب انتقادهم للحكومة. وخصصا 200 سيم كارد لهذا الغرض كما قال عبد العزيز. وطلب خاشقجي من عبد العزيز المساعدة في فيلم قصير يصور الطريقة التي تقوم فيها القيادة بتمزيق البلد وتقسيمه. وطلب أيضا المساعدة في تصميم شعار المؤسسة الجديدة التي يعمل عليها وهي “الديمقراطية في العالم العربي الآن”. وكان خاشقجي مترددا من فكرة سيم كارد و “قال لي هذا المشروع خطير”، وأضاف عبدالعزيز “طلب مني الحذر، فتويتر هو الشيء الوحيد الذي نملكه وليس لدينا برلمان”.
خاشقجي واجه اهانات وهجمات من المؤيدين للنظام السعودي الذين يطلق عليهم بالذباب الألكتروني
وفي 21 حزيران (يونيو) كتب خاشقجي لعبد العزيز “سأحاول توفير المال… ويجب أن نعمل شيئا وتعرف أنني أتتضرر أحيانا من هجماتهم”. وقام عبد العزيز بعد يومين بوضع طلب على موقع أمازون وعندما نقر على رابط للتعرف على وضعية الطلبية شعر أن هاتفه أصيب بفيروس. وفي آب (أغسطس) حذره “سيتزن لاب” (مختبر المواطن) وهو معهد في مونتريال يحقق في التجسس الرقم ضد المجتمع المدني من أن هاتفه ربما تعرض لقرصنة إلكترونية. وبعد اسبوعين توصل المعهد “وبثقة عالية” أن هاتفه تعرض لهجوم. وقال إنه يعتقد أن الهجوم مرتبط بالحكومة السعودية وأجهزتها الأمنية. وقال عبد العزيز إن أحد الرجلين الذي قابلهما كان يحاول منذ أشهر إعادته للسعودية. وقالا إنه سيبدأ حياة جديدة في السعودية وأنهما جاءا لتشكيل مجموعة على واتساب “نيو إيرا”. في تلك الفترة كان بن سلمان قد أنهى زيارة ناجحة لأمريكا قابل فيها النخب الثقافية ورجال الأعمال والنجوم. ولكن الناشطين والمعارضين شعروا بالخوف بعد اعتقالات ريتز كارلتون واعتقال الدعاة والمدافعين عن حقوق الإنسان. ولم يعد الناشطون في الخارج بمنأى عن القمع، فقد تم اختطاف الناشطة لجين الهذلول من شارع في أبوظبي بالإمارات ونقلت على طائرة خاصة إلى السعودية ومن ثم إلى السجن. وقال الأمير خالد بن فرحان، المعارض المقيم في ألمانيا إنه تعرض لنفس المحاولات حيث طلب منه السفر للقاهرة وتسلم صك مالي من القنصلية هناك. ولم يغادر ألمانيا منذ 7 أعوام خشية الإختطاف.
نصح خاشقجي عبد العزيز مقابلة الرجلين في مكان عام “لو كنت تريد المال فهذا قرارك لكن لا تعود ولا تثق بهم”
ونصح خاشقجي عبد العزيز مقابلة الرجلين في مكان عام وأن يرفض العودة. و”لو كنت تريد المال فهذا قرارك لكن لا تعود ولا تثق بهم”. وعندما بدأ الرجلان محاولتهما مع عبد العزيز في مقهى “جولييت إي تشوكلا” بمونتريال، يوم 15 أيار (مايو) قال أحدهما إن خاشقجي هو “صداع” ولكنه يفكر بالعودة وعلى عمر العودة أيضا. وقال الأخر “عمر، للتعامل معك لم نأت من وزارة أو سفير بل أردنا المجيء من رأس الهرم، الأمير” و “لا أحد يمكنه التعامل مع الموضوع أحسن من الأمير”. واستمعت الصحيفة لتسجيلات 10 ساعات سجلها عبد العزيز مع الرجلين على مدار أربعة أيام. وطلب عدم الكشف عن اسميهما لأنه لا يعرف إن كان من المخابرات أو أجبرا على المجيء. وحاولت الصحيفة الاتصال بهما حيث وعد أحدهما بإرسال رد مكتوب ولم يفعل. وكانت المقابلة مريحة حيث بدءأ “بجزرة” وأحضرا شقيقه لإقناعه العودة. واعتقد في نقطة أنهما يريدان عودته واستخدام المعجبين به على تويتر لدعم الدعاية السعودية. وفي أثناء الحديث طلبا منه الذهاب معهما إلى السفارة السعودية لأخذ جوازه. وصور أحدهما عودته بأنها ربح للجميع عمر مستفيد ورابح لأنه سيعود إلى البلد” و” الطرف الثاني، الدولة رابحة وهي سعيدة أيضا”. أما السيناريو الثاني فالخاسر هم الطرفان، خاصة ان المملكة أنفقت الملايين لتلميع صورة ولي العهد “عمر خاسر لأنه سيذهب إلى السجن” و “سيقبض عليه في المطار”. وستخسر الحكومة. ولكنه عبد العزيز ليس شخصية مهمة فالمعلومات التي ستحصل عليها منه لن تتأثر بـ “الدعاية” التي تقوم بها منظمات حقوق إنسان. وفي أثناء الحديث عرضا عليه المال وأجاب إنه مدين للدولة بـ 421.000 دولار لأنه قطع بعثته لكندا. وقال إنه سيأخذ المال ويفعل به ما يريد. وطوال الوقت ظل على اتصال مع يحيى العسيري الناشط في حقوق الإنسان بلندن. وفي النهاية قال إنه لم يكن راغبا بالعودة. وبعد محاولات من الرجلين غادرا كندا حيث تم اعتقال شقيقيه بالإضافة لثمانية من أصدقائه.