يقول الشاعر الأمريكي إزرا باوند، أفضل النقاد هم الشعراء. وباوند ذاته كان ناقداً رفيعاً وذا حس خاص في تذوق الشعر، ومما نعرفه عنه هو إعمال قلمه الشاعري والنقدي والفني في نسيج وتضاعيف وتفاصيل القصيدة الملهمة “الأرض الخراب” لإليوت، الشاعر الإنكلو سكسوني. وإليوت كتلميذ من جبلة مختلفة، متمتعة بموهبة كبيرة، رأيناه ناقداً أيضاً لا يضاهى في آرائه النقدية والفنية، وفي دراساته وتحليله للشعر عامة .
وهكذا فإن شعراء كثيرين مارسوا التجارب النقدية، كالشاعر ستيفن سبندر، وأودن، وبريتون. وفي العربية هناك الكثير، وهؤلاء الشعراء مارسوها كعامل جمالي يأتي على حافة الشعر، ويأتي كداعم وسند ومؤازر لرؤى الشاعر. فالشاعر مهمته الأولى هي الشعر وعملية الخلق، أما النقد الذي يكتبه الشعراء فيأتي في الدرجة الثانية، كمكمل لذائقة الشاعر، معززاً المسار الشعري لدى الشاعر، وكاشفاً عن حس إضافي يتمتع به الشاعر، حصل عليه من خلال ثقافته ومعرفته واطلاعه المعرفي على أسرار العملية الشعرية، كون هذا الفن أي الشعر، نابعاً من دواخل وأعماق الشاعر وهواجسه الداخلية، ذلك أنه العارف والمُلم بكل ما يحيط بهذه الصناعة من فن، والمثال الأنصع القادر على تفنيد الجوانب الفنية والنفسية المختصة بحالات الإلهام والمعطى الجمالي. بيد أن ذلك لا يعني أن الشاعر هو الناقد، أو هو البديل للناقد ودوره الكبير في تتبع مسار العملية الشعرية لكل شاعر، فالنقد أيضاً علم جمالي يُدْرَس ويُدرَّس في الجامعات والمعاهد العليا، وله شهادات عليا وكبيرة، ينالها الناقد لكيما يكون الطليعة لنائليه ودارسيه ومحبي هذا الفن، وهو لا يقل إبداعاً عن المبدع نفسه، أو الشاعر ذاته، فهو العارف بخبايا النقد ومدارسه ونظرياته وتياراته، تلك التي لا يستطيع الشاعر الجمع بينها وبين مهمة الشاعر المنوطة به، فالاختصاص يحتاج إلى تفرّغ ودراسة وكدح قرائي في سياق البنى النظرية للمدارس النقدية العربية والعالمية .
في ظل هذا المسعى، وتحت أفق هذا النشاط المعرفي، ظهر النقاد الشعراء، هؤلاء الذين سعوا إلى الارتقاء بهذا الفن، وسد النقص والثغرات في بنية هذا المعمار، فالنقاد العرب وهم قليلون، ونادرون، لا يستطيعون الإلمام ورصد كل الظواهر الشعرية العربية، متسارعة الوتيرة والإنتاج، في ظل ظهور الرواية العربية، التي رآها النقاد المأوى والملاذ الجديدين لتجاربهم ومشاريعهم ودراساتهم النقدية والنظرية والعلمية في هذا الحقل الجديد .
وبما أننا في سياق النقد، وحديثنا ينصب عليه، فلقد صدر للشاعر العراقي فوزي كريم كتاب نقدي، هو دراسة يتناول فيها تجارب شعراء عراقيين من جيل الرواد ومن تلاهم من جيل الخمسينيات، كسعدي يوسف وحسين مردان ومحمود البريكان، وبعض الشعراء الستينيين كسامي مهدي وحسب الشيخ جعفر وياسين طه حافظ وفاضل العزاوي وسركون بولص مثالاً، ينضاف إليهم الرواد، وهم نازك الملائكة، بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري .
يدرس كريم الشعراء الآنفين حسب منظور ذائقته الجمالية، ولكن الذكية والعارفة والملمة بنتاج وإبداع هؤلاء الشعراء مجتمعين، فهو الشاعر النافر بطبيعته من المدارس النقدية الأوروبية، والمُشيح عنها، وهذا من حقه كمثقف ومتتبع لبعض الدراسات الأوروبية، ولا سيما الفرنسية التي يعطي ظهره لها، كونها لا تقدم علماً، بل تقدم مسوغات وألغازاً وأحجيات، يتم تعريبها في الغالب من مترجمين عرب مولعين بأفكارها ونظرياتها النقدية .
يُنسِّب فوزي كريم الشعراء الذين تم تناولهم إلى شعراء تاريخ وشعراء واقع، أو واقع أرضي وحياتي، وهناك من يدخل في الحالتين، أو كيف يفيد واحدهم من التاريخ بطريقته كسعدي يوسف مثلاً ، مقارنة بالبريكان، متناولاً قصيدة للبريكان بعنوان “قصيدة حب من معقل المنسيين”، وهي قصيدة جميلة، تحمل غموضها الآسر، ولا تفصح عن سجناء عراقيين شيوعيين في سجن “نقرة السلمان” التاريخي. فشاعر مثل سعدي يوسف حسب فوزي، لم ترق له قصيدة كقصيدة البريكان تتجنب العقيدة السياسية للمعتقلين، فهي قصيدة “معنية بموضوع العزلة والفراق أكثر من القضية الملتهبة لتحرير العراق من ملوكه ووزرائه الفاسدين”، لأن القصيدة لا تتحدث بلغة ثورية وحماسية كما يراها بعض الشعراء، كونها تقدم عالمها الفني وفق هذا السياق الجمالي :
” في أقبية المنسيين، لا صوت هناك، وما الليلُ سوى الحزن،
نام السجناءُ، ونام أخوكِ، ولكني أرِقٌ أتأمّلُ أغلالي
وأصارعُ أبعدَ آمالي
وأفكرُ فيكِ، وما أصنعُ بعد سنين،
إذ أنزع أثواب السجنِ، أأحبك جداً أم ألهو؟
ثم أتبقينَ كما أهوى
وكما أتصورُ يا سلوى” .
وحسب فوزي كريم فالقصيدة “لا بد أن تكون مفزعة في عين شاعر قضية ساخنة كسعدي يوسف، فهي خالية من نبرة الخطابة التي تدفع دم قارئها إلى الغليان” .
ثم يستمر كريم في تبيان موقفه النقدي العميق والبارع عبر تحليله وكشفه وبأداة الناقد المتمكن والحصيف ماهية الشعراء المنضوين ما بين التاريخ والواقع، والمنتفعين كل حسب طريقته، من هذين الأقنومين، هذا ناهيك عن إبراز وتسليط الضوء النقدي البليغ على شعراء الراية وشعراء المتاهة. فشعراء المتاهة حسب كريم، هم الشعراء المغلوبون والخاسرون والمنزوون والهاربون إلى مناسكهم وذواتهم الجريحة، يعرضون “حيرة وتساؤل وضعف البشر الفانين” مثل المعرّي والسياب وصلاح عبد الصبور ومحمود البريكان، بينما “شعراء الموقف العقائدي وشعراء الأغراض، الذين يشبهون رجل الدين، فيقفون أمام البشر الفانين يعرضون ملكوت وجبروت الله، أو الفكرة المتعالية أو التاريخ مثل، البياتي، أدونيس، نزار قباني، سعدي يوسف، فهم ممثلون أوفياء لذلك التاريخ حدثاً، غرضاً، أو فكرة، وشامخون كشموخه، إن شعرهم يتحدث عن القلق، الحزن، الحب، الثورة، الرفض، الموت، بطلاقة نبي، ومهارة لاعب سيرك، ولكنهم لا يقلقون، لا يحزنون، لا يحبّون، لا يثورون، لا يرفضون، ولا يموتون، إن قراءهم يتكفلون بذلك عنهم” .
في الفصل الأول يتناول كريم شعراء المتاهة الرواد، بادئاً بنازك الملائكة، دارساً بعض قصائدها التي تهتم بالبعد الذاتي والإنساني، أو القصيدة التي تتمتع بالخاص المطل على العام، ويفرد حيزاً لا بأس به لقصائد مثل “وجوه ومرايا” و”مرّ القطار” و”الشخص الثاني” التي يدرجها ضمن صنف القصائد المفكرة، تلك التي “تليق بعمق معتركه الداخلي، وبالتباس متاهته، قصيدة تأخذ جذوة التفلسف، وتحلق بها في أفق المخيلة الواسع” .
ومن ثم يتناول السياب ومحنته الوجودية، فهو حسب المؤلف، “طراز من الشعراء خاص”، مستعرضاً بذلك حياته وتقلباته السياسية، وما كان يظهر منه في سياق السياسة حين كان شيوعياً من ردود أفعال وليس أفعالاً، وعلى القارئ هنا أن “يفهمه عبر شعره وحده، فشعره يفيض برقة طبعه، وبضعفه وسرعة تهيّجه بصورة ملفتة”. ثم يتناول بعد السياب الشعراء بلند الحيدري وحسين مردان ومحمود البريكان الذي يعطيه مكانة خاصة بين “شعراء المتاهة” .
أما فصل “شعراء الراية” فهو الفصل الأكثر إثارة، وفيه يتم تناول تجربة الشاعر عبد الوهاب البياتي، ليدرجه تحت عنوان “الراية الأممية”، وفي عناوين أخرى السعي العضلي للشهرة”، مشيراً إلى مجمل دواوينه التي حملت هذا النفس الجديد للكراهية، فهناك “رغبة لدى البياتي في رؤية نفسه أكبر بكثير من حجم الحياة، هذه الرغبة انعكست على لغته المتطرفة في توهم قدراتها في تجاوز الممكن.. إنه ضرب من الوهم يبلغ حد الصلف ويتجاوزه، ومن يقرأ سيرته الذاتية ليشعر ذلك … نزعة الشتائم بدأت من (أباريق مهشمة)، والأبارق قبيحة وترمز إلى أشباه الرجال، وعور العيون، خفافيش، أقزام، تافهون، جيف معطرة، خائنون، عواهر، ملعونون، خصيان، مخبرون، جرذان، القواد العجوز، المخنثون، الوغد الزنيم، الجرذ الحقير، الشعاعير، القياصرة الصغار، إلى آخره من الشتائم التي تفنن البياتي في رصفها وبصورة لم يألفها شعر المرحلة”، حسب المؤلف .
وحين ينتهي من البياتي يبدأ بالشاعر سعدي يوسف الذي وضعه تحت عنوان “الراية القومية”، بالطبع هنا المؤلف يراعي جانباً من شاعرية الشاعر وتأثيره وموهبته الحقة، ولكنه يرى قصائد سعدي يوسف و”الحماس الذي تثيره أنما تصب باتجاه ـ البغض والكراهية ـ المتحفزة لدى العراقي والعربي عموماً، بفعل التأليب السياسي العقائدي الذي يحيطه من كل جانب، والشاعر يعرف هذه الحقيقة، ويفخر بتوليع مزيد من النيران في العقول والقلوب البائسة”.
في الفصل الرابع بينما يلتفت فوزي كريم إلى جيله من “شعراء المتاهة”، وهم كل من حسب الشيخ جعفر، ياسين طه حافظ وسركون بولص،يقف في الضفة الأخرى من الجيل ذاته تحت مسمى “شاعر الراية” الشاعر سامي مهدي، معززاً نصه هذا عن الشاعر بشواهد كثيرة استلها من شعره وجعلها محوراً لـ “شاعر الراية”، ولا يستثني كريم من ذلك حتى الشاعر فاضل العزاوي الذي يصفه بالأنا المتضخّمة “الهوائية واللفظية واللصيقة بأهواء الفانتازيا اللازمنية التي يتصف بها شخصه وشعره”، وعند سامي مهدي “دنيوية، فعلية، لصيقة بالزمن التاريخي التي هي فيه، وقد عزز صلابتها انتماؤه السياسي لحزب انفرد بالحكم في العراق على مدى ثلث قرن، واحتل سامي مهدي فيه مواقع رسمية في مؤسسة الدولة” .
فوزي كريم: “شاعر المتاهة وشاعر الراية”
دار المتوسط، ميلانو، إيطاليا 2017
260 صفحة.