مخيم شاتيلا في لبنان: واقع مأساوي يسرق أحلام الأطفال الفلسطينيين

عبد معروف
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:الحياة داخل مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين قرب العاصمة اللبنانية بيروت، لا تشبه الحياة في أي بقعة على وجه الكرة الأرضية. حياة لا يعرفها ولا يتذوق مرارتها إلا من يسكن المخيم، ولا يستطيع اكتشافها من مر بجولة كزائر أو عابر سبيل.

أنشأ مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين عام 1949 مكانا لاستضافة مئات اللاجئين الفلسطينيين، ويقطن الناس منذ تلك الفترة في هذا المخيم، جيلًا بعد جيل، ومع مرور السنين تحوّل المكان من مجموعة خيم مؤقتة إلى حي فقير ومتداعٍ، يبعد أربعة كيلومترات فقط عن وسط مدينة بيروت.

يعيش اللاجئون الفلسطينيون في مخيم شاتيلا أوضاعاً صعبة للغاية، ناتجة عن الأزمات التي يعاني منها المخيم في النواحي الخدماتية والاجتماعية والاقتصادية، فارتفاع نسبة البطالة والنقص الكبير في الخدمات أنتج تردياً في الواقعين الصحي والبيئي، وخلق واقعاً تعليمياً ضعيفاً يهدد مستقبل الطلاب، وأصاب المخيم بمجموعة من الآفات الاجتماعية.‏

مرارة الحياة في شاتيلا ليس من السهل تحملها، فهي تختزن مشاهد ألم النكبة وذكريات المجزرة وحالات البؤس والفقر المدقع التي تسيطر على المخيم، ربما يكون للواقع المأساوي مؤشرات واضحة في الأزقة الضيقة وعيون الأطفال والتجاعيد البارزة على وجوه المسنين، إلا أن واقع الحياة داخل مخيم شاتيلا لا يمكن فهمه إلا عبر الحديث مع الذين يعانون المأساة داخل المخيم وخاصة الأطفال.

مرارة النكبة وبؤس الحياة

أطفال شاتيلا، لهم حياتهم الخاصة التي لا تشبه حياة أطفال العالم، أزقة ضيقة، وازدحام خانق، ومدارس يتكدس فيها التلاميذ كأنهم في يوم الحشر. أطفال يعيشون مرارة النكبة وبؤس الحياة، فهل يحلمون؟ وبماذا يحلمون؟ يركضون في الأزقة الضيقة طوال ساعات اليوم، بعضهم يذهـب إلى المدرسة قبل الظهر، وبعضهم الآخر يذهب بعد الظهر، والبعض الآخر ترك المدرسة ليبحث عن عمل لمساعدة أهله لمواجهة صعوبات الحياة.

دكاكين الحلاقين والصيدليات ومحلات السمانة، إما متلاصقة أو متواجهة وبطالة شبه عامة لدى جيل شاب.

اقتربنا من طفل بلغ من العمر حوالي عشر سنوات، يجلس على عتبة منزل أهله يحمل كسرة خبز بيد، وبالأخرى يداعب الأواني الصدئة، يحاول البقاء على قيد الحياة قنوعا بكل ما امتلكت يداه.

قال، تركت المدرسة العام الماضي وأبيع الخضار في سوق صبرا لإعانة أهلي. توفى والدي قبل عامين بسكتة قلبية لأنه لم يكن يملك تكاليف العلاج والعملية في المستشفى.

بماذا تحلم؟

ضحك فادي ولم يرد على السؤال. دخل بيت أهله وأغلق الباب بقوة.

من يتجول داخل أزقة مخيم شاتيلا يعلم لماذا ضحك هذا الطفل البائس، ويعلم أكثر لماذا صمت وتوقف عن الكلام. لأن أطفال شاتيلا كما قالت سمية أبو علي المسؤولة في جمعية لرعاية الطفولة، “لا يعرفون الأحلام، كما يعرفها الأطفال في مدن العالم”. وتساءلت أبو علي: “وكيف يحلمون وهم يعيشون بين أزقة ضيقة وجدران متفسخة ومنازل آيلة للسقوط، بماذا يحلمون وهم يداعبون التراب والأواني الصدئة والزجاجات الفارغة وخشب ما تبقى من أثاث بيوتهم”.

في مخيم شاتيلا، يشعر الأطفال الفلسطينيون باليأس ولا يحدوهم أي أمل في مستقبل أفضل من مستقبل آبائهم الذين نشأوا مثلهم في شوارع وأحياء المخيم الضيقة، وهو واقع يعززه زمن طويل من الإحساس بعدم الاستقرار في المخيم، لذلك يعاني من انتشار ظاهرة التسرب المدرسي وعدم متابعة تعليمهم لأسباب مختلفة أبرزها حالة اليأس والاحباط التي يعيشها الأطفال وأيضا بسبب الفقر ونزول الأطفال إلى سوق العمل من أجل مساعدة أهلهم في مصاريف الحياة واحتياجاتها.

التسرب المدرسي

وحسب دراسة نُشِرت في كانون الأول/ديسمبر 2010 أجْرَتها الجامعة الأمريكية في بيروت بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة “الأونروا” حول وضع الفلسطينيين في لبنان: تبيَّن أن الأطفال بعد سن الثالثة عشرة يتسرّبون من المدارس بوتيرة سريعة ومتزايدة، وأن النصف فقط مِمَّن تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً يذهبون إلى المدرسة أو يقومون بتدريب مهني.

هاني الخطيب (16 عاما) يعيش في مخيم شاتيلا، واحد ممن تركوا المدرسة منذ سنتين ليجد له فرصة عمل لدى حداد سيارات قرب المدينة الرياضية غرب شاتيلا، قال لماذا أتابع دراستي، وعندما أصل إلى المرحلة الجامعية، فهل باستطاعة أهلي دفع أقساط الجامعة ومصاريفها، وهم اليوم لا يستطيعون تأمين لقمة عيشهم.

وتابع قائلا، أحلم وأتمنى ان أغادر المخيم إلى أوروبا أو أمريكا أو أي مكان في العالم يبعدني عن هذا الجحيم الذي نعيشه.

كثيرة هي مشاهد البؤس داخل مخيم شاتيلا، طفل فلسطيني يحمل كيسا على كتفه، قال: أجمع فراغات العصير والمشروبات الغازية المعدنية لبيعها، وأجمع مبالغ بسيطة من المال أشتري بها الخبز والأكل لوالدتي وإخوتي، مضيفا، والدي عامل بناء، لكن ما يجنيه لا يكفينا.

ويتابع قائلا: لو كنت ابن مسؤول أو ابن قائد لما كنت هنا ولما كنت أجمع النفايات والعلب الفارغة لبيعها “لو أنا ابن مسؤول أو قائد كنت اليوم أتعلم في أحسن المدارس وأتناول الغداء في المطاعم وأنام في الفنادق وأسافر بالطائرة”.

وأضاف، لم يقدم أحد التضحيات أكثر مما قدم آباؤنا، وعائلتنا، ولكن للأسف هناك من قطف ثمار دم الشهداء وبقينا نحن تعساء وبؤساء نعيش حياة أقل ما توصف بأنها جحيم.

محمود الشاويش (13 عاما) بائع متجول، يبيع القهوة للمحلات والمارة، صرخ بأعلى صوته: تمر الطائرات من وإلى مطار بيروت فوق رؤوسنا، نحلم بالسفر والهجرة إلى دول ربما توفر لنا سبل الحياة من تعليم وطبابة بعيدا عن الخوف والقلق والحرمان الذي نعيشه.

الخوف والرعب

وتتحدث الناشطة الإعلامية نوال عرابي، التي تعيش أيضاً في مخيم شاتيلا عن هشاشة الوضع الأمني ​​في المخيم، وتقول: “إطلاق النار مستمر بشكل عشوائي داخل الأحياء السكنية في المخيم، ومعظم الأحيان يقف مدمن على المخدرات أمام منزله في شاتيلا ليطلق النار بالهواء بشكل عشوائي عند منتصف الليل، ما يخيف ويثير الرعب والهلع لدى الأطفال”. وأضافت، “حالات الخوف والرعب والقلق أصبحت جزءا من حياة الأطفال اليومية في مخيم شاتيلا”.

وتقول عرابي، الأطفال في شاتيلا يعيشون حالة غضب بسبب الفارق الذي أصبح بارزا بين أبناء المخيم الذين قدم التضحيات والشهداء على طريق الثورة، وبين أطفال المسؤولين والقيادات التي تنعم بأموال الشعب.

وأضافت، ربما يقارن الطفل الفلسطيني داخل شاتيلا حياته بحياة الأطفال اللبنانيين أو الأطفال الفلسطينيين ممن كسب أهله المال بعرق جبينه (ربما)، ولكن ما يغضب الأطفال في شاتيلا، ويثير الحسرة لديهم، هم أولاد القيادات والمسؤولين الذين يأتون لإلقاء الخطابات أمام الفقراء وأبناء الشهداء في المخيم، وأولادهم ينامون بالشقق الفخمة ويواصلون تعليمهم في المدارس رفيعة المستوى ويتعالجون في مستشفيات مشهورة، يسافرون وينامون في الفنادق، ويتناولون الغداء في أفخم المطاعم ويضحكون.

تقليص الأونروا لخدماتها

ويشير الناشط الاجتماعي ياسر داود إلى مُلصَقة ورقية مُعلـَّقة على حائط مكتبه مكتوب عليها قوانين حقوق الطفل في لبنان ويقول إنها لا تنطبق على جميع الأطفال الفلسطينيين في المخيم، لأن الحكومة اللبنانية لا تشعر بأنها مسؤولة تجاه اللاجئين الفلسطينيين وتعتبر أن المسؤول الوحيد عنهم هي وكالة الأونروا والتي، كما يقول، هي غير قادرة على الوفاء بالكثير واجباتها نظراً لنقص التمويل.

من جهتها، وصفت الناشطة في مركز أجيال، سميرة صلاح، الحياة التي يعيشها الأطفال الفلسطينيون داخل مخيم شاتيلا بالمأساوية ورأت أن ذلك ناتج عن عدة أسباب أبرزها، حياة اللجوء وتداعيات نكبتهم ونكبة شعبهم في بلدان الشتات منذ العام 1948 وثانيا تقليص الأونروا لخدماتها الطبية والتعليمية، لأن الأونروا تعيش حالة عجز مالي، ثالثا لأن المؤسسات الاجتماعية المعنية برعاية الطفل الفلسطيني لم تقم بمهماتها وواجباتها مع الطفل كما هو مطلوب منها.

وهناك ظاهرة تؤثر سلبا على حياة ونفسية الأطفال في المخيم وهي اكتظاظ الصفوف المدرسية بالتلاميذ حيث يوجد 40 طفلا داخل صف واحد مما لا يمنحهم حياة الفرح والأمل وهذا أيضا ما يساهم في قتل الإبداع عند الطفل.

وأشارت إلى وجود مدارس وروضات داخل المخيم، تعمل على رعاية الأطفال وتحاول أن تخفف عنهم مأساتهم وتعلمهم الرسم واللعب وتنظم لهم الرحلات الترفيهية، لكن ذلك لا يكفي ولا يغير من الواقع شيئا، لأن الطفل الفلسطيني يبقى في دائرة مغلقة، دراسة ومعلومات وربما لأن القيمين على هذه المؤسسات لم يعرفوا بعد بماذا يفكر الطفل الفلسطيني في شاتيلا وماذا يريد أو بماذا يحلم.

وأضافت سميرة صلاح، “الأمور صعبة جدا داخل مخيم شاتيلا، إلى جانب ضغط الحياة الاقتصادية واكتظاظ الناس في المخيم وضيق مساحته لا تسمح بإقامة ملاعب ولا حدائق ولا أمكنة للأطفال للتنفيس قليلا عن أنفسهم، فلا مساحات للعب الكرة أو نط الحبل وممارسة رياضة الركض داخل المخيم، فالمساحات ضاقت على البشر والبيوت المتهالكة ضاقت على سكانها”.

داخل الروضات والمدارس يجلس بعض الأطفال على مقاعد الدراسة، يكتبون ويرسمون ويحاولون التعبير عن آمالهم وأحلامهم. طفل يرسم آلة موسيقية يحلم بها ولا يستطيع شراؤها وآخر يرسم كرة قدم. تتنوع مواهب الأطفال، ولكن حين يعود الطفل إلى منزل أهله تتحول المواهب إلى كوابيس أمام واقع الفقر في منزل لا يصلح للسكن الإنساني، فيخرج من المنزل يركض في الأزقة رافضا القيد.

من جهتها، أشارت الباحثة الاجتماعية الفلسطينية غيدا ميعاري، إلى أن الأطفال الفلسطينيين في لبنان يعيشون حياة قاسية للغاية، ولا يملكون مقومات الحياة التي يتمتع بها أي طفل في العالم، وأطفال شاتيلا يتعرضون للقهر والحرمان والفقر، ويعيشون في بيئة ملوثة ويداعبون الزجاجات الفارغة والأواني الصدئة والأخشاب في أزقة تنتشر فيها النفايات ومياه المجارير. وهذا ما يعرض الطفل للعديد من الأمراض النفسية والجسدية ويعرض حياته لمخاطر الإصابات الصادمة والصعق الكهربائي في ظل تردي الرعاية الصحية والاجتماعية.

وتساءلت غادة سالم: أمام هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه الأطفال الفلسطينيون، بماذا يحلم الأطفال في المخيم؟

يترك الزائر المخيم ويعود إلى بيته، ويبقى أطفال شاتيلا بعذاباتهم وحرمانهم وكوابيس نومهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية