هل سيتغير الواقع في القطاع؟

حجم الخط
0

الصاروخ الذي أصاب المنزل في بئر السبع هو حدث مغير للواقع يستوجب من إسرائيل وحماس اتخاذ قرارات حاسمة في أي اتجاه تسيران بعد الآن. فحقيقة أن سكان البيت أنهوا ليلتهم وهم على قيد الحياة، بفضل يقظة الأم، هي موضوع للمعجزات أو لكراس الإرشاد للسلوك المناسب الذي أصدرته قيادة الجبهة الداخلية. أما عمليًا، فيفترض أن تكون عديمة الأهمية. ففي سلاح الجو درج على استخدام الاصطلاح المتشدد «كاد يصاب» على أحداث وقعت ولم تنته بحادثة أو بمصيبة: هكذا فقط سيكون ممكنًا التعلم والتحقيق واستخلاص الدروس منعًا للأحداث المشابهة في المستقبل.
هذا هو السبيل الذي ينبغي من خلاله أيضًا فحص إصابة الصاروخ في بئر السبع: وكأنه قتل. هكذا فقط تمنع إسرائيل الصاروخ التالي، الذي قد يقتل. لنضع جانبًا موضوع الاستخبارات ـ لمَ لم يقدر أحد بأن صواريخ ستطلق إلى قلب إسرائيل. ولكن السؤال المقلق هو سؤال آخر. فقد نصب الصاروخان مسبقًا وهما موجهان للإصابة ـ الأول في بئر السبع، والثاني في مدينة وسط البلاد. ويفترض بحماس أن تحافظ كما ينبغي على صواريخها، وبالتأكيد على تلك التي تعد استراتيجية. وإذا لم تكن فعلت ذلك (ويبدو أنها كذلك)، فإنه واحد من اثنين: إما أن تكون غلطة النظر بالغمز، الأمر الذي يبدو أنه لم يحصل، أو أنها لا تتحكم برجالها.
هذه وضعية مقلقة، لأن فرضية السياقات الجارية في الأشهر الأخيرة حيال غزة هي أن حماس هي رب البيت الحصري..إذا أراد تتصاعد النار، وإذا أراد تنخفض. أما الحدث الأخير فمن شأنه أن يفيد بأن حماس تفقد السيطرة؛ وإذا كان كذلك ـ المعضلة الإسرائيلية تصبح ظاهرًا أسهل، لأنه لن يكون هناك من يعتمد عليه لتنفيذ الاتفاقات المستقبلية إذا ما تم التوصل إليها.
إن السبيل إلى فحص ذلك هو في الميدان. فأمام إسرائيل كانت أمس ثلاث إمكانيات للرد: الأولى، مهما تبدو سيئة، فهي ألا تعمل شيئًا: أن تواصل الوضع القائم والأمل بالخير.
الثانية، إشكالية، ولكنها تحظى بمزيد، فمزيد من التأييد (وبالأساس من جانب وزير الدفاع، ولكن أيضًا من وزراء آخرين ومسؤولين كبار في الجيش الإسرائيلي)، وهي الخروج إلى معركة واسعة تغير الوضع حيال غزة.
الثالثة، التي تبدو كمفضلة على رئيس الوزراء، هي محاولة تغيير الوضع بوسائل أخرى ـ دبلوماسية في أساسها.
حماس، كما تعطي الانطباع، تستعد للخيار الثاني، ولكنها تفضل الثالث. فقد فوجئت من إلغاء وصول رئيس المخابرات المصرية (بناء على طلب إسرائيل)، ونقلت جملة رسائل بأنها ستعمل على التهدئة. على إسرائيل أن تضع أمامها الاختبار الوحيد الهام: اختبار النتيجة. أن تطالب بوقف تام للإرهاب على الجدار بما في ذلك الطائرات الورقية والبالونات. وإذا التزمت حماس بذلك على مدى الزمن، فسيكون ممكنًا الحديث عن عما سيأتي ـ تسهيلات إنسانية، وفتح معابر، وغيرها.
مثل هذه الخطوة ستنقل المعضلة إلى غزة. إذا اختارت حماس الحرب، فإنها ستعد مذنبة في بدئها بخلاف كل الاتفاقات المتحققة، وستفقد مسبقًا تأييد مصر والدول العربية. البديل من ناحيتها هو ابتلاع الضفدع وطأطأة الرأس ـ كي لا تفقد الرأس. هذا هو الخط الذي يتصدره السنوار في هذه اللحظة، مع نجمة: قتلى كثر في غزة سيلزموه برد من شأنه أن يجر سلسلة نهايتها التصعيد.
في الماضي فضلت إسرائيل أن تبدأ الحملات بخطوة بدء مفاجئة، خطوة تعطيها تفوقًا من اللحظة الأولى. وفي ظل التأهب العالي في القطاع سيكون من الصعب إنتاج مثل هذه الخطوة الآن، ما يعني أن الحملة ـ إذا ما قررتها إسرائيل ـ من شأنها أن تراوح في المكان، وأن تستمر لزمن ما، وأن تنجر إلى الشتاء، وبالطبع أيضًا تسفر عن مصابين كثيرين، في الجبهة الداخلية وفي الجبهة مما سيجر انتقادًا على خلفية الميل الجماهيري الطبيعي لتحويل التأييد للحرب إلى نقد على خطواتها.
هذه معضلة غير بسيطة للقيادة السياسية لسنة الانتخابات. فوقوع قتلى في بئر السبع كان سيستوجب قرارًا من نوع واضح جدا؛ فلو أن المجندة التي تجلس في غرفة قيادة الجبهة الداخلية وتتابع الصواريخ قررت تشغيل الصافرات في غوش دان (لم تفعل ذلك، لأن الرادار يبين أن الصاروخ سيسقط في البحر) لكان من المعقول أن نكون استيقظنا أمس إلى صباح آخر. الدرس هو أنه من غير المناسب أن تتخذ القرارات اضطرارًا، بل اختيارًا. هذا لا يزال ممكنًا، ولكن يخيل أن ساعة الزمن تنفد بسرعة.

يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 18/10/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية