ظروف الخوف

حجم الخط
4

كان يا ما كان، في قديم الزمان، منذ ستين سنة لا أكثر، ترسخت عند الفرد السوري حقوق معينة اعتبرها حقوقاً لا يمكن التفريط بها مهما حدث. حق التعبير عن الرأي الحر. حق الكتابة في جرائد ومجلات متمردة صاخبة، متنوعة الفكر واللون السياسي. حق شرائها وامتلاكها وقراءتها بدون رعب. حق التظاهر، حتى قيل ان المظاهرات قد استهوت المراهقين لدرجة أن الصغير منهم عند انضمامه لها قلما أدرك ماذا كان يهتف في الصفوف الأمامية. ومن هنا جاءت النكتة الشامية أن هتافات «يسقط وعد بلفور» في أول سوق الحميدية، قد صارت «يسقط واحد من فوق» في أواخر السوق نفسه. النشوة جاءت من كثرة المظاهرات وعدم انضباطها أو ضبطها من أية جهة حكومية، حتى لو كانت تطالب بإسقاط الحكومة بأكملها!
حق الاجتماع الحر في الأماكن العامة مثل قهوة البرازيل الشهيرة، أو في باحات «أرض الديار» القديمة في البيوت الوطنية حقاً، في حمص أو حماة أو حلب أو دمشق، ومن جملتها ليوان بيت جدّي الصناعي العصامي توفيق القباني، أحد مؤسسي ومموّلي «الكتلة الوطنية». وتلك الكتلة، التي ولد عنها فيما بعد «الحزب الوطني» و»حزب الشعب»، ذاقت «الليمونية» الشامية ـ المفروكة بقشر الحامض البلدي، والمعطرة بماء الزهر من تكرير المنزل ـ التي كانت تصنعها جدّتي فائزة أقبيق، وتجعلها مثلجة لكي تبرّد بعض الشيء الدماء الحامية في عروق ضيوف زوجها في دارهما القديمة بحيّ «مادنة الشحم»، عند استماعهم إلى خطب نارية من خطباء بقامة شكري القوتلي وفارس الخوري وفوزي الغزي وجميل مردم بك وسعيد الغزي وعبد الله الجابري وهاشم الأتاسي.
كان هؤلاء العمالقة ينظمون الشعب ضد احتلال فرنسا لبلدنا، في الوقت الذي كان فيه جدّ بشار الأسد يتوسل المستعمر أن يقطع من لحم سوريا، ليؤسس في ساحلها دولة علوية، تكون تحت حماية فرنسا، التي أخذت تحبس وتنفي وتقتل ضيوف جدّي، وتضرب بيوتهم بقنابلها، في المنطقة التي ما تزال حتى اليوم تُسمى «الحريقة»، حيث ارتفع صوت أهل دمشق في شباط/فبراير من العام 2011، وهم يهتفون: «الشعب السوري ما بينذل». ولكي تجبرهما فرنسا على الخضوع، حُبس جدّي مع جاره وصديق عمره شكري القوتلي، ولم يخرجا إلا بعد أن عُذبا وبُعثرت أرزاقهما. أغلى ما أملك في الدنيا هو صورة فوتوغرافية تُظهرهما أمام صندوق للاقتراع في حي الشاغور، يرتديان بدلتين ناصعتي البياض، وكأنهما ذاهبان إلى عرس الديمقراطية الوليدة، التي طالما ناضلا من أجلها.
فهيهات، بين هذا الجدّ وذاك، في مجرى التاريخ السوري الحديث!
أيامها، كانت كل منطقة، وكل حارة، وقبل شهر من موعد الانتخابات، تعلّق لوائح بأسماء من لهم الحق بالانتخاب، في المركز المعني. الغرض من هذا كان السماح للمواطن أن يحتج، لدى وزارة العدل، أذا ظهر اسم شخص من منطقة أخرى لا يمت إلى الحي بصلة، أو للتنبيه لأخطاء من نوع آخر، مثل ظهور أسماء لاشخاص قد تركوا الحيّ أو تركوا الحياة. وهذه اللوائح كان لها بالغ الأهمية في ضبط العملية الانتخابية، والإصرار على شفافيتها قدر الإمكان. هكذا لم يختلط الحابل بالنابل، ولم يُسمح لـ «أزعر»، كائناً من كان، أن ينتخب أكثر من مرة، كما صارت الحال بعد أن ألغى حافظ الأسد ذاك التراث السياسي المتين للوائح الانتخابية، واقتلع أصلاً مفهوم الانتخاب الحر من الوجدان السوري بأكمله، وصار صندوق الاقتراع الحبيب على قلوبنا مجرد مستحاثة من المستحاثات في تاريخ بلدنا، فاستبدله بحيوان غير أليف وغير مألوف اسمه «الاستفتاء»، الذي أعطى للمرشح الوحيد الواحد الأوحد (الذي جاء إلى كرسي الرئاسة من الثكنة العسكرية، ببدلته الخاكي القميئة، بدون أدنى مفهوم لحرفة السياسة أو حتى لمعايير الأخلاق) فرصته الدموية في أن يخيّر الفرد السوري، عن طريق المسدس والكلاشنكوف، بين كلمة نعم أو كلمة لا. وهكذا بات المواطن سجين الظروف، بالمعنى الحرفي لكلمة «ظرف»، المرقم عند فروع المخابرات، والتي كان شغلها الشاغل أن تسجل فقط اسم ذلك المجازف الأرعن، الذي انزلق قلمه امام كلمة «لا»، ربما لأنه قد ظن ان الخيارات ما زالت مفتوجة أمامه للتعبير عن سخطه إزاء إلغاء الاحزاب والحقوق واللحمة الوطنية، ولم يدرك بعد بأن الخيار الوحيد الذي يقي مفتوحاً منذ مجيء «الحركة التخريبية» (التي سُميت، بسخرية القاتل، بعكس ما كانت عليه)، هو بوابة السجن الذي أخذ يكبر ويكبر، ليصبح قادراً على ابتلاع بلد بأكمله، كما ابتلع الحوتُ يونس، في ليلة غاب عنها القمر.
ولكن رغم التشبيح والتشويه والتعذيب والإرهاب والإرغام والأرقام المزورة في «سفارات» الاستبداد الأسدي، نقول لا. معاً نقول لا.
لا، ثمّ لا، ثمّ لا.
لا لحفيد الوحش، وابن الوحش، والوحش بنفسه الدنيئة السادية الطائفية، التي قطعت أرجل أطفالنا بعشرات الآلاف، ولكنها لم ولن تقطع أملهم في مستقبل نكنس به الخونة من الوجود، وننسى الاستعمار الفارسي والروسي كما نسينا الفرنسي وغزوات هولاكو من قبله.
معاً، معاً نقول لا.

رنا قباني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية