صعود اليمين مؤشر للأيام الصعبة في أوروبا

حجم الخط
4

لندن – «القدس العربي»: هل علينا النظر لما حدث في انتخابات البرلمان الأوروبي الإسبوع الماضي، والإنتخابات البلدية البريطانية والتي عكس فيها اليمين البريطاني بزعامة «حزب الإستقلال» نظرة خوف من أن أوروبا تتجه نحو اليمين، خاصة أن الأحزاب التي فازت في مقاعد البرلمان الأوروبي معظمها من اليمين، في فرنسا مثلا «الجبهة القومية» بزعامة مارين لوبان. وقد يبالغ التحليل بالقول أن القوى التي تعارض الوحدة الأوروبية هي التي تتصدر المشهد، وأن فوز الجماعات ذات البنية والأجندة المتطرفة هي التي ستفرض حضورها على السياسة في هذه الدول وستؤدي لتغيرات في شكل الحكم في ظل تراجع أداء القوى والأحزاب التقليدية. وهل لنا أن نقلل من حجم الإنتصار الذي وصف في بعض البلدان بالهزة بأنه مجرد «فقاعة» ستنفجر عاجلا أم آجلا؟ لنا أن نقول أن ما جرى في أوروبا هو نتاج لتحولات في الخطاب السياسي وعدم قدرة الأحزاب التقليدية على مواجهة التحديات التي باتت تفرضها الوحدة على المجتمعات المحلية، حيث وجد الخطاب الشعبوي الطابع نوعا من التقبل وسط القوى المتوسطة والبعيدة عن المركز، وهذا هو الملاحظ في رحلة نايجل فراج، زعيم «حزب الإستقلال» البريطاني الذي لم يكن قادرا على اقناع ابناء لندن بالتصويت له، ولأجندته المعارضة للهجرة. ومفهوم الهجرة غامض، فالذين باتوا يهددون ويلقون أعباء شديدة على الإقتصاد البريطاني ليسوا من أبناء الأقليات أو الجماعات التي تأتي نتيجة للحروب والكوارث الطبيعية من دول العالم الثالث، بل من القادمين من أوروبا من العمال البولنديين والرومانيين والمجريين. فالجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين إما تم دمجهم في المجتمع أو تطبعوا على الحياة التي نشأوا فيها، ولم يعد بالإمكان الحديث عن هجرات جديدة نظرا للقيود المفروضة على أبناء العالم الثالث.
ولهذا جرى جدل كبير قادته الصحف المعادية للهجرة- التابلويد- مثل «دايلي ميل» و»دايلي إكسبرس»، فهذه الهجرات الجديدة متحركة وعادة ما لا ترغب في الإقامة الطويلة، وتضيف أعباء جديدة على النظام الصحي والتعليمي والرفاه والسكن، حيث تجد السلطات المحلية نفسها مغمورة بأعباء كبيرة. ولهذا السبب علينا أن لا نبعد في قراءة الحدث على أهميته بل فهمه من خلال الديناميات السياسية المحلية لكل بلد، ففي بعض الدول مثل اليونان حقق «حزب سيرازا» وحزب النازيين الجدد «الفجر الذهبي» 36 مقعدا معا، وجاء فوزهما نتاجا للأزمات الإقتصادية التي يعاني منها البلد وسياسات التقشف. وفي فرنسا حققت «الجبهة القومية» تقدما نظرا لفشل الحزب «الإشتراكي» والأمر نفسه يقال عن حزب «الإستقلال البريطاني» الذي أدى فوزه لأزمة حادة في حزب «الليبراليين الأحرار» شريك حزب «المحافظين» في الحكم حيث خسر كل نوابه باستثناء نائب واحد، مما أدى لأزمة داخل الحزب ومطالبة برأس زعيمه نيك كليغ الذي خسر الرهان مع «فراج» في مناظرتين عامتين وخسر رهان الإنتخابات البلدية والأوروبية. كما يجب قراءة النتائج التي حققها اليمين في سياق المشاركة الإنتخابية الضئيلة كون الناخبين لا يشعرون بالإندفاع للمشاركة فيها قدر المشاركة في الإنتخابات العامة ولعب دور في تقرير شكل الحكومة التي ستحكم البلاد. وفي سياق ما حدث في بلدان أخرى ففي إيطاليا حقق حزب رئيس الوزراء ماتيو رينزي الحزب «الديمقراطي» انتصارا على حركة الخمس نجوم المتطرفة. وبالتأكيد فصعود اليمين في أوساط القرار المحلية والاوروبية، خاصة في ثاني وثالث أكبر دول في القارة الأوروبية مثير للقلق، لأن الرسالة التي تبشر بها هذه الأحزاب عادة ما تكون مغلفة بالرهاب من الأجانب- زينوفوبيا- وتحمل نزعة فاشية وتجد في الإسلام والمسلمين» المختلفين» هدفا دائما لها. كما وتتغذى هذه النزعة عادة بحس عدم الرضى، الجمود والأزمة التي تمر بها المجتمعات الأوروبية، ففي دراسة مسحية أجراها مركز اوروبي في شهر آذار/مارس الماضي تبين أن 49٪ من الأوروبيين يشعرون أن الحياة ستكون «أكثر صعوبة» لابنائهم مقارنة بالخيارات التي توفرت لآبائهم، وكانت نسبة الخوف عالية في فرنسا 63٪ فيما اعتبرت نسبة 47٪ في بريطانيا أن بلدهم سيكون في حال أحسن خارج أوروبا. وهنا لا بد من التعليق على أن بريطانيا ظلت خارج وداخل أوروبا، خاصة أنها رفضت الإنضمام لمحور اليورو وحافظت على عملتها، الجنيه الإسترليني.
كل هذا يدعونا للقول إن ما جرى يوم الأحد الماضي كان تصويتا احتجاجيا، ضد الأحزاب الرئيسية ولا بد لهذه الأحزاب أن تفهم الرسالة جيدا في ظل تزايد تعقيدات الحياة والظروف المعيشية الصعبة وارتفاع أسعار السكن، ونسب البطالة. وكما علقت صحف، فتوجهات الناخبين الأوروبيين يجب أن تدفع القادة الأوروبيين للتفكير مليا بماهية اوروبا، اي هل نريد أوروبا اكثر تماسكا أم إصلاح فكرة أوروبا بشكل يستجيب للظروف الواقعية التي تمر بها مجتمعات القارة والحراك السكاني والأزمات الإقتصادية؟ مع أن فكرة أوروبا واحدة لا تزال تحظى بدعم الأوروبيين. ومن هنا فصعود اليمين المتطرف في القارة هو إنعكاس لغضب هذه الأحزاب على الواقع في بلادها، فكل هذه الأحزاب هي أحزاب هامش احتجت على المركز واستجاب لها الناس الغاضبون على سياسة حكومات بلادهم. ومن هنا فمن الحماقة أن تتجاهل هذه الحكومات نتائج الإنتخابات وتتصرف كأن شيئا لم يحدث. وسواء ارتبط مزاج الناخب الأوروبي بالإقتصاد او الغضب من المهاجرين، فهناك حاجة لدراسة أزمة السياسة المحلية في البلاد وقراءة الظروف التي تدعو لصعود اليمين ولماذا فشلت الأحزاب الرئيسية، لأن الإنتباه للمخاطر في البداية يحمي ما حققته أوروبا الموحدة حيث جاء إنشاء الإتحاد الأوروبي من اجل إنهاء التنافس بين الدول التي سببت الحروب خاصة بين فرنسا وألمانيا، وقد تم تحقيق هذا الأمر حيث استفاد الأوروبيون من منافع دمج اقتصاديات أوروبا- تدفق البضائع ورأس المال والناس- مع أن العملة الأوروبية الموحدة وتدفق المهاجرين من دول أوروبا الفقيرة جلبت معها تحديات جديدة. وما عزز من هذه التحديات هو توسع البيروقراطية وفقدان الهدف الأكبر، حيث باتت الدول الأعضاء تتعامل مع الإتحاد الأوروبي كنهاية للهدف. ما سينتج عن الإنتخابات الأوروبية الأخيرة هو أن البرلمان الأوروبي سيصبح أكثر صخبا وتشوشا ومن الصعب التحكم فيه والتعامل معه مما يعني أسابيع من الجدل حيث سيحاول أعضاء المجلس المنتخبين عقد تحالفات مع زملائهم فيما ستحاول الأحزاب الكبيرة الكفاح للحصول على الغالبية من أجل تحديد من سيقود المفوضية الأوروبية. كما أن مشكلة الأحزاب المعارضة لاوروبا تنبع ليس من إمكانية إحداثها تأثيرا على سياسات البرلمان، بل لكونها حفنة من الجماعات المتفرقة لا يجمعها رابط. وفي النهاية يمكن القول إن فكرة أوروبا ليست مهددة بقدر ما تهددها السياسات التي تمارسها أحزاب الدول وتؤدي إلى ولادة النزعات الفاشية والحنين للنازية والوطنية المحلية مما يجعل من المهاجرين هدفا وكبش فداء، هذا إذا علمنا أن النزعات اليمينية لا تبرز إلا في الأزمنة الصعبة.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية