الناصرة ـ «القدس العربي»: تواصل إسرائيل التزام الصمت رسميا حيال جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي، لكن أوساطا مقربة من مؤسستها الحاكمة تبدي قلقها على مصير ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فيما تبدي أوساط أخرى خيبة أملها من «الأمير الشاب الإصلاحي»، وصديق إسرائيل الذي اعترف «بحق اليهود في أرضهم» وتعهد بتمرير «صفقة القرن» على حساب الفلسطينيين، وتراه حليفا لتل أبيب ضد إيران.
وبذريعة الانشغال بمشاكل كثيرة اعتذر وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، أمس عن الرد على سؤال صحافي حول اغتيال خاشقجي، فقال «هناك مشاكل كثيرة لدى إسرائيل، دع هذا للمجتمع الدولي».
وبلهجة خائبة قال محرر الشؤون العربية في القناة العاشرة حيزي سيمنطوف إن بن سلمان ظهر الآن كشخص عديم المسؤولية ومتهور ومصاب بجنون العظمة ولا يردعه أي شيء.
وقالت المتخصّصة في الشؤون العربية، شيمريت مئير، في صحيفة «يديعوت أحرونوت» عندما تحدث بن سلمان مع الأمريكيين، وبينهم الكثير من اليهود والإسرائيليين، عن الإصلاحات والانقلاب الاقتصادي والحرب بواسطة التربية ضد التطرف والكراهية، فقد سمعوا أمورا لم تُقل من قبل مثل حقوق الإنسان، وحرية التعبير والمساواة للنساء».
ديكتاتور خطير على المنطقة
هذا في الهواء، أما على الأرض حيث تضيف «بنظره، اقتصاد حي يمكن أن يسير في موازاة حكم استبدادي يلائم الثقافة السياسية المحلية. مقابل خصومه، أثرياء فاسدون وأبناء عم منافسون في القصر وناشطو حقوق إنسان أو صحافيون نقديون مثل خاشقجي، يستخدم بن سلمان القوة بلا حدود، بهدف كسر المعارضة أو ردع آخرين». وتتساءل «ربما طريقة العمل هذه ستنجح، أو ستحقق الهدف المعاكس، مثلما نرى هذه الأيام»، في اتهام مباشر لبن سلمان عن مقتل خاشقجي. وتقول إن بن سلمان يعتبر «فتى» بمفاهيم سعودية، وتشير إلى أصوات تتعالى داخل القصر الملكي أن «ولي العهد يلحق أضرارا أكثر من الفوائد التي يجنيها، وبتهوره يشكل خطرا على استقرار المملكة». وتكرر التساؤل بقول ما لا تقوله إسرائيل رسميا والسؤال هو ما إذا ستكون لديهم القوة والشجاعة للعمل ضده طالما تقف الإدارة الأمريكية إلى جانبه؟ وتتابع ساخرة « ربما شاهد بن سلمان أفلاما أمريكية كثيرة، ولعب كثيرا بألعاب الفيديو، لكن انعدام خبرته لم تمكنه من التقدير بشكل صحيح التحولات الإعلامية في الغرب. نشهد اليوم سقوطه، من فتى الغلاف في العالم الغربي، إلى تصويره في الأيام الأخيرة كديكتاتور وكخطر على سلامة المنطقة».
إسرائيل وحيدة مقابل إيران
وتؤكد مئير أن بن سلمان كان غارقا في التطبيع والتآمر مع إسرائيل، فتقول «لقد تعين على المحور الإسرائيلي – السعودي أن يغير النظام العالمي في المنطقة، إن كان ذلك في سياق الجبهة ضد إيران أو في سياق التطبيع، الاقتصادي على الأقل، بين الدولتين. وفعلا، بن سلمان أثار انطباعا هائلا لدى الإسرائيليين واليهود الذين التقوه. وينبغي القول لصالحه، إنه خلافا للعادات الإقليمية التي بموجبها يتفق العرب مع الإسرائيليين في الغرف المغلقة وينفلتون ضدهم في العلن، فإنه في حالته باتت اللهجة تجاه إسرائيل في الإعلام السعودي والميديا الاجتماعية ناعمة بصورة ملحوظة».
وتعبر عن خسارة إسرائيل من هذه الفضيحة وتكشف عن هيمنة حسابات الربح والخسارة وفقدان المعايير الأخلاقية من هذه الحسابات الإسرائيلية بالقول إن «بن سلمان لن يكون بعد الآن المحرك الذي سيفرض «صفقة القرن» على الفلسطينيين». معتبرة ان إخفاقاته، وبينها التنفيذ الفاشل في «إخفاء «خاشقجي، ستبقي إسرائيل فعليا وحيدة في الحرب ضد الإيرانيين. وتخلص للقول إنه في جميع الأحوال، فإن التعبير العلني عن العلاقات مع الدول العربية، الذي تحدث عنه نتنياهو سيؤجل على ما يبدو حتى يستقر عرش بن سلمان».
أما المستشرق المحاضر في قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، البروفيسور أيال زيسر فقد أبدى حسرة وهو يرثي الزعيم السعودي الشاب الذي سقط. في مقال نشرته صحيفة «يسرائيل هيوم» قال زيسر»كان يبدو أن السعودية تحولت إلى دولة المحور التي تستند إدارة دونالد ترامب عليها لتنفيذ سياستها في الشرق الأوسط، لكن الكثير في الغرب تفاجأوا من ولي العهد السعودي بن سلمان، المتورط حتى عنقه بقتل الصحافي في تركيا. وهذه القضية حطمت بالكامل صورة الزعيم المتطور والمتنور، وطرحت علامات استفهام ثقيلة حيال رجاحة الرأي ومدى الحنكة لدى الرجل الذي يقود السعودية اليوم».
وعن تحطم الصورة والمكانة يقول زيسر إن النضوج والخبرة تقتنيان بالعذاب، وقد تبين أكثر من مرة أن ولي العهد متهور وغير متزن “في حربه على اليمن واختطاف سعد الحريري، على سبيل المثال”. ويتابع « ظهرت الآن قضية تصفية الصحافي السعودي، لعب بالنار، فمن يدعي أنه ينتمي إلى العالم المتنور عليه أن يتبنى جزءا من قواعد اللعبة وعالم القيم الغربية. والأهم من ذلك أن عليه إبداء الحذر الزائد والحنكة. ولم يحدث شيء من هذا في القنصلية في إسطنبول». ويرجح زيسر إزالة القضية عن الأجندة العالمية، لكنه يقول إن حلفاء السعودية الذين يريدون الخير لها، وبينهم واشنطن وتل أبيب، الذين توقعوا الكثير من بن سلمان، خائبو الأمل الآن».
أمير متهور وفاشل
وتجلت خيبة الأمل لحد الحسرة من فقدان صديق وحليف لإسرائيل لدى محلل الشؤون الدولية في موقع «واللا» ، أورِن نهاري، ففي مقال خاطب فيه بن سلمان بشكل مباشر، قال إنه «ليس لديك من يمكن اتهامه (بقتل خاشقجي)، فأنت وجه النظام. والسعودية هي الحالة الوحيدة التي فيها الملك يعرف أقل من ولي العهد. أنت تقود الدولة والمقرر. هكذا يؤمن العالم كله على الأقل، وهكذا أنت أقنعت الغرب، وحصلت على رصيد. وهكذا أنت تبعثره. الثقة تتلاشى بسرعة، وعندما يحل انعدام الثقة مكان الثقة لا توجد طريق للعودة».
وأضاف نهاري مخاطبا بن سلمان «خلال سنة واحدة فقط، نفذت خطوات كثيرة ومتناقضة… المرجل يغلي فوق جميع ألسنة اللهيب في المواضيع الداخلية والخارجية في السعودية. وفي هذا التوقيت بالضبط جاءت قضية خاشقجي، الذي اختفى في قنصليتك في تركيا. وتبدو هذه كأنها عاصفة في فنجان ستتلاشى بسرعة، وجزء من لعبة تجسس، لكنها وحشية وإشكالية. هذه ليست عملية تسميم ذكية بمادة مشعة خلال وجبة عشاء في لندن، وإنما خلية أرسلت على عجلٍ من أجل قتل إنسان وتقطيع جثته داخل مبنى القنصلية».
مغامرة زائدة
بيد أن نهاري من أولئك المراقبين الذين يتوقعون رغم الفضيحة أن المصالح بين أمريكا والسعودية لن تتغير، وإنما «صورة بن سلمان ستتغير».
ويضيف «بعد عقود كانت فيها الرياض حليفة مخلصة وشرعية، والسنوات التي خُيّل فيها أن السعودية في الطريق الطويلة لملكية دستورية مع حقوق للنساء، تلاشى هذا الحلم… فالتصفية في القنصلية تبدو كحدث آخر، في سلسلة طويلة، من اتخاذ قرارات متهورة، من دون حساب النتائج الممكنة».
ويخلص للقول «خلال سنة واحدة تحولت، سيدي ولي العهد محمد بن سلمان، من الواعد الأكبر في العالم العربي إلى شاب متهور. شاب متسرع يرأس مصلحة تجارية عائلية قد يسبب إفلاسها. وهامش المناورة آخذ بالانتهاء، والشرق الأوسط ليس متسامحا تجاه حكام فاشلين».
واستذكر محرر صحيفة «معاريف» بن كسبيت، ما كان قد نقله قبل عام عن مسؤول أمني إسرائيلي رفيع قوله «نتعامل هنا مع أميرين شابين نسبيا (في إشارة إلى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد). وقتها قال «يُظهر بن سلمان جرأة غير مألوفة، وربما مغامرة أكثر مما ينبغي، وهو يتخذ قرارات كانت تعتبر قبل سنة أو اثنتين قرارات جنونية، ويطيح بالدبلوماسية السعودية إلى مستويات مختلفة تماما. وإنه لأمر مثير كيف سينتهي هذا الأمر».