سوزان مشير في “النقد السردي عند سعيد يقطين”: تنوع المناهج النقدية والمنطلق التاريخي

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

الناقد الأكاديمي المغربي سعيد يقطين، من الأسماء التي انفتحت على الدرس النقدي السردي الحديث منتهجا في مشغله مسارا حيويا تفاعل من خلاله مع المعطيات الحديثة للنقد، تنظيرا واشتغالا، حتى انه بات يمتلك خصوصية في تعمقه المعرفي، ومن هنا جاءت شهرته، خاصة بعد ان تعددت طروحاته السردية والممنهجة للسرد العربي. ولم يكن دافعه إلى ذلك سوى الوصول إلى تأسيس نظرية للسرد العربي. هذا ما يتم التأكيد عليه في كتاب د. سوزان مشير حمد الموسوم “النقد السردي عند سعيد يقطين” الصادر عام 2018 عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع. وأهمية هذا الإصدار تأتي من إحاطته الشاملة بمجمل ما كتبه يقطين في الرواية والسرد القديم ونظرية الأجناس.

نقد النقد

إذا ما أردنا توصيف هذا المطبوع فيمكن عدّه في خانة (نقد النقد) وبهذا الخصوص تؤكد سوزان مشير على انها “عملت على إضاءة مصطلح “النقد السردي” ومعالجة الاشكاليات المتعلقة به على صعيد المصطلحات والمفاهيم والإجراءات النقدية والتعمق في دلالتها والبحث عن منطلقاتها ومساراتها، فضلا عن بيان أهم المرتكزات المنهجية والنقدية التي تناولها الناقد سعيد يقطين في طروحاته ومعالجته للنصوص السردية القديمة منها والحديثة.

في مقدمة الكتاب هناك إشارة إلى ان الدرس النقدي لدى سعيد يقطين نتاج للتفاعل والانفتاح والتعمق المعرفي، ويمثل تعامله المتميز مع الميدان السردي خصوصية نقدية تجمع بين النظرية والتطبيق وبين التأصيل والتأسيس وبين التفاعل والتجاوز، وبين القراءة والإبداع، لذلك لن يكون مدعاة للاستغراب ان الناقد سعيد يقطين قد عرف بكثرة طروحاته السردية واشتهر بدراسات معمقة وجادة وممنهجة للسرد العربي وأنواعه وأنماطه في مجموعة مقالات ومؤلفات وحوارات كان يهدف من ورائها تكوين نظرية للسرد العربي بنصوصه المختلفة سواء أكانت شفاهية أم كتابية، الحديثة والموروثة.

ان المتابع لحركة النقد خلال العقود الأخيرة لابد له ان يكون لديه تصور عن حجم الدراسات النقدية وطرقها المختلفة والمتنوعة في إطار السرد والأساليب والأنماط السردية وكذلك في المعطيات الحديثة للمصطلح السردي.

النشأة الاشكالية

الكتاب في تبويبه تم تقسيمه إلى تمهيد وفصلين، هذا إضافة إلى ملحق تضمن جوانب أخرى تتعلق بالناقد سعيد يقطين، وقد حمل التمهيد عنوان “النقد السردي النشأة والاشكالية” وجاء على محورين اثنين، الأول تناول نشأة مصطلح النقد السردي في ميدان السرد الغربي والعربي، بدءا بجهود أبرز المنظرين الغربيين ومراحل تطور النقد السردي ومجالاته، حيث يشير الكتاب إلى ان “السرد موجود أبدا حيثما وجدت الحياة، ولكن الوعي به حتى في الغرب لم يتحقق إلا في ستينيات القرن الماضي مع تطور تحليل الخطاب السردي وظهور عِلمَين يهتمان به في الدراسات الغربية، هما السرديات والسيميائيات الحكائية”. وبهذا الشأن يتم التطرق إلى أولى ثمار القول في ميدان السرد الغربي عند الشكلاني الروسي فلاديمير بروب، في كتابه المعنون “مورفولوجيا الخرافة” الذي صدر عام 1928 وجوهر ما جاء في هذا الكتاب تركيز بروب على وظيفة الشخصية في النص الخرافي، بذلك استطاع أن يرفد النقد السردي بما يُعرف (بالتحليل الوظائفي). أما المحور الثاني من التمهيد، فقد تناول اشكالية المصطلح من حيث توضيح المفاهيم المتعلقة به والقريبة منه وبيان الأطر الدلالية النقدية المميزة له، وإلى تعدد المصطلح السردي وتنوعه تبعا لتنوع البحث السردي، وان النص السردي ناتج عن مسار نقدي سردي بوصفه جملة الإجراءات والقواعد المنتظمة للسرد أو فعل الحكي، وهذه القواعد تحدد الأساس الفعلي لإنتاج نص سردي عبر مستويين: الأول هو المستوى الملفوظي الذي يعود إلى القصة بوصفه مجموعة أحداث مترابطة في ما بينها، والمستوى الثاني هو المستوى التلفظي، حيث ان بناء أي نص سردي لا يقوم على وجود مادة حكائية جاهزة، بل ان الأمر يتطلب وسيطا تُعرض عبره المادة الحكائية لتدل المادة القصصية على التشكيل الذي تخضع له. أيضا يتطرق التمهيد إلى جملة قضايا واشكالات يشتغل عليها المصطلح النقدي السردي مثل الترجمة أو التأسيس النظري وعلاقة المنهج بالمصطلح إلى غير ذلك من القضايا.

المنطلق التاريخي

الفصل الأول تضمن ثلاثة مباحث تناولت منطلقات النقد السردي، الأول توقف عند المنطلق التاريخي سعيا إلى معاينة المسيرة التاريخية للإبداع السردي العربي، حيث يشير إلى ان السرد والتاريخ متلازمان، فالسرد هو الذي يظهر للتاريخ تطوراته وأحداثه ومدوناته، والتاريخ هو مادة السرد ومدونته في الوقت نفسه، فالرواية أو الحكاية هي التاريخ كما في حقلها اللغوي الدلالي، وفي بعض اللغات يطلق على التاريخ أو القصة  histoiri وهي الدلالة ذات الإبانة الجليّة في الصلة بين نصين يتبادلان الدور والفهم والتفسير. كما لا يفوت المؤلفة ان تعاين مرحلة تطور المنطلق التاريخي عبر مقاربات الناقد يقطين للسرد العربي القديم والبحث عن أبرز التحققات النصية السردية ثم البحث عن الأجناس السردية القديمة التي تناولها يقطين بالدراسة والتحليل كالخبر والرحلة والمجالس. ثم يأتي المبحث الثاني من هذا الفصل ليتناول المنطلق الموضوعاتي بحثا عن قضايا ورهانات يقطين للموضوعاتية السردية: الرواية، القصة القصيرة، وميتارواية، والبحث عن أبرز الأساليب الروائية وأبرز العوامل التي وقفت في طريق تحقيق رهانات الناقد والقارئ والكاتب السردي. أما المبحث الثالث فكان محوره العصر الالكتروني عبر التفاعل، حيث بحث عن أبرز المصطلحات والمفاهيم الجديدة للناقد يقطين المتولدة عبر تقنية الترابط والتفاعل للنص السردي، فتوقف عند مصطلحات “الرواية التفاعلية، والنقد التفاعلي، والمفاهيم والتواصل، والنص الالكتروني”.

مسارات النقد السردي

الفصل الثاني حمل عنوان “مسارات النقد السردي” حيث اعتمد دراسات تطبيقية في نصوص وأنماط سردية ضمن ثلاثة مباحث، الأول عنوانه النقد السردي للخطاب، ومصطلح الخطاب هنا يشير إلى “مجموعة من المفاهيم المتصلة به، ولطالما اشتغل النقاد مطولا على هذا المصطلح تعريفا وتأسيسا”، وجاء تركيز المؤلفة سوزان مشير على المصطلح كما ورد عند سعيد يقطين في إطار ميدان النقد السردي، خاصة وان يقطين كما تؤكد هي على ذلك، قد مكث طويلا عند المنظرين الغربيين في تحليل الخطاب حتى عُّدَّ عمله المعنون “تحليل الخطاب الروائي” جهدا تنظيريا مكتملا في الساحة النقدية العربية. وتمضي في هذا الاتجاه مشيرة إلى ان هاجس يقطين من انتهاجه الاتجاهات الجديدة لتحليل الخطاب كانت “محاولة منه للإمساك بروح الصرامة والبحث الذي انتهجه، من أجل الإسهام في بلورة سرديات تتأسس على قاعدة الحوار والانفتاح على ما تتم مراكمته من انجازات في تحليل المتن الغربي، وعلى قاعدة ما يمكن الإسهام في إضافته وإنضاجه من خلال قراءة إنتاجية للمتن العربي تنطلق من السؤال والسؤال النقدي”. وفي  إطار تحليل الخطاب الروائي لدى يقطين هناك تأكيد على انه قد دافع عن اختياراته المنهجية وهذا ما يبدو في جهده التنظيري بتفصيل القول في جملة من الثنائيات المتداولة في مجال تحليل الخطاب السردي الروائي وهي: القصة/الخطاب أو ما يعرف بالمتن الحكائي/والمبنى الحكائي. وبعد ان فصل يقطين في نقده للسرد الخطابي جملة من الثنائيات عند الشكلانيين الروس مثل (المتن الحكائي) و (المبنى الحكائي) وقف عند تمييز كل من تودورف، وجيرار جينيت، الذي يرجع انطلاقهم من البلاغة القديمة لأرسطو والشعرية الحديثة واستنادهما إلى تحديدات بنفنيست، في التمييز بين القصة والخطاب.

النقد السردي للنص

والمبحث الثاني من هذا الفصل حمل عنوان (النقد السردي للنص) مستعرضا مجموعة أسئلة مركزية طرحها سعيد يقطين في دراسته “انفتاح النص الروائي – النص السياق”: ما هو النص؟ وما دلالته؟ ثم ربطه للنص بالسياق، وما هو دور السياق في تلقي النص؟ وهنا تتطرق سوزان مشير إلى منهجية مجموعة باحثين غربيين نظروا إلى النص من زاوية مرونته ومنهم شلوميت، فاولر، ليتش، فان دايك، زيما، وكرستيفا، وكان سعيد يقطين قد استند على آرائهم في دراسته النقدية لسرديات النص وفي تقديم تصوره الخاص للنص والسياق من حيث تركيزه على الجانب الدلالي ودور السياق في تلقي النص وتأويله على مستوى الخلفية المعرفية سواء كانت لسانية، اسلوبية، وظيفية، تداولية، دلالية، تواصلية، على اعتبار ان كل هذه الخلفيات المعرفية تتكامل فيما بينها عبر التركيز على البعد الدلالي للنص. أما المبحث الثالث من الفصل الثاني، فقد تناول النقد السردي للحكاية مستعرضا أبرز المسارات النقدية لسعيد يقطين، في ميدان النقد السردي للحكاية عبر أبرز المقولات التي تحدد البنية الحكائية من الأفعال، والفواعل، والزمان، والفضاء الحكائي.

اختتمت سوزان مشير كتابها بمجموعة نتائج توصلت إليها منها: ان يقطين في دراسته للتراث والسيرة الشعبية دعا للابتعاد عن التمركز حول الذات وبالتالي الدعوة إلى الانفتاح على التراث الإنساني مراعيا خصوصية النص العربي، وفي ما يتعلق بمسارات النقدي السردي لدى يقطين فقد تحددت بثلاثة، بدءا من المستوى التواصلي للسرد المتمثل بالنقد السردي للخطاب ثم بالمستوى السطحي المتمثل بالنقد السردي للنص وانتهاء بالبنية العميقة للسرد والمتمثلة في النقد السردي للحكاية. وبخصوص منطلقات نقده السردي اتخذ الجانب التوسيعي للسرديات لاعتماده معالجة الخطاب من غير ان تغفل الأبعاد الدلالية للمادة الحكائية والبنيات النصية ولمستويات القصة ومادة الحكي.

كما تضمن الكتاب ملحقا ضم ثلاثة محاور الأول: السيرة الذاتية للناقد سعيد يقطين، والثاني حوارا أجرته معه، والثالث قائمة بالمصطلحات الخاصة بسعيد يقطين، منها على سبيل المثال: الأجناس الكلامية، الاستباق، الارجاع، اشتراك الاستراتيجية الحكائية، الأطراف المتفاعلة، الأفعال الحكائية…الخ.

سوزان مشير حمد: “النقد السردي عند سعيد يقطين”

دار نينوى، دمشق 2018

  491صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية