الكوميديا السياسية… لغة مسرح وعبقرية أداء

■ كثيرة هي التجارب المسرحية المصرية والعربية التي يمكن القياس عليها من حيث الخصوصية ولغة التعبير ومنهجية الخطاب الثقافي والإبداعي، فعلى سبيل المثال يحُضرنا دريد لحام الذي انتهج نهجاً فريداً مزج فيه بين الكوميديا والسياسة، وناقش من خلاله جُل القضايا العربية المُلحة على خلفية ما يطرأ ويُستجد من أحداث، ولهذا تظل مسرحياته كلها وأشهرها «كأسك يا وطن» نموذجاً للنقد الساخر، وحالة تراجيدية خاصة للغاية، ولو أننا نظرنا لمسرح عادل إمام سنجد أن من بين ما أبدع كانت هناك علامات لفكر سياسي ونقدي مهم، تمثل في مسرحيات معينة كانت هي الأوضح في هذا المجال مثل «شاهد ما شافش حاجة» و«الزعيم»، وهما المسرحيتان اللتان كشفتا عن أبعاد مختلفة لأدائه الكوميدي بعيداً عن تجارية السوق ومغازلة شباك التذاكر.
وقد تبلورت التجربة السياسية تماماً في مسرح محمد صبحي، إذ نتج عنها العديد من أوجه النقد والمكاشفة، في مسرحيات أحدثت دويا وصدى بالغين مثل، «وجهة نظر» و«تخاريف» و«الهمجي» و«بالعربي الفصيح» و«ماما أمريكا»، والأخيرة على وجه التحديد كانت الأكثر مباشرة وجرأه في رفض الهيمنة الأمريكية وشجب وإدانة سياسة الترغيب والترهيب وأساليب التهديد، وقد حقق صبحي في هذه المسرحية ما كان يصبو إليه من رجرجة الذاكرة الجمعية للجمهور المصري والعربي، كي ينتبه لما يحاك ضده من مؤامرات ودسائس تستهدف استقراره وأمنه وحريته ونهوضه.

لم ينفصل المسرح المصري في أي مرحلة من مراحله عن الواقع المعاش، فدائماً ما كان محاذياً وموازياً للقضايا الكبرى والمهمة ومعنياً في المقام الأول والأخير بحياة المواطن وظروفه وكينونته.

وفي اتجاه مماثل قدم سعيد صالح الذي استغرقته السينما ولم تترك له غير اليسير من الوقت للإبداع المسرحي، أعمالاً مهمة لم تخرج عن الإطار السياسي، بل إنها اعتنت كثيراً بالمضمون والخلفيات الدالة على نبرة المعارضة في حدودها المعقولة حيناً، وبشكل متطرف ومبالغ فيه أحياناً أخرى، فكان الثمن الذي دفعه سعيد وحده متحملاً مسؤوليته وتبعاته عنواناً يوازي عناوين مسرحياته مثل «عبلون وأبو نضارة»، ورغم ندرة الفرص التي لعب فيها صالح أدوار البطولة المطلقة، إلا أنها تظل علامات تشير إلى موهبته الكبرى وتوجهه الفكري والسياسي، الذي يؤكد انحيازه للبسطاء والقاعدة العريضة من الشعب، وأيضاً ينم عن وطنيته وانتمائه ونزوعه لتقديم فن هادف ومفيد، حتى إن بدا مُسرفاً ومبالغاً في ما يطرح.
ويقودنا الكلام عن المسرح إلى تجارب فنية لنجوم كبار آخرين مثل يحيى الفخراني، وهو من نحا نحواً تاريخياً، واتجه لما يُسمى بالريبورتوار وهو، إعادة النصوص المسرحية القديمة برؤية عصرية حديثة تلائم الجديد والراهن، وتحتمل أن تكون إسقاطاً على الواقع بكل تفاصيله وجوانبه، وقد كشفت مسرحية «الملك لير» كمثال عن قدرة الفخراني الفائقة في إحياء الشخصية التراثية وإعادة تقديمها بمعطيات جديدة، وفق رؤية ذكية تجعل من النص الكلاسيكي العالمي مادة حية تنسجم مع المزاج العام للجمهور المختلف ثقافياً ومعرفياً عن سابقيه من رواد المسرح في العقود الفائتة.
وبالطريقة نفسها كتب الشاعر فاروق جويدة مسرحيته «دماء على ستار الكعبة» التي قدمتها سميحة أيوب قبل سنوات، ثم قدم في موسم لاحق مسرحية «الخديوي» ليجسد فيها دوري البطولة كل من حسين فهمي وعزت العلايلي وهي من إنجازات المسرح القومي وأيقوناته الإبداعية الخالدة، ولم تكن هذه هي التجربة الوحيدة المعتبرة والفارقة، وإنما جاء العرض المسرحي «الحسين ثائراً» للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي داعماً للحركة المسرحية المصرية بعمقها وتاريخها وأصالتها وفعلها التنويري الأهم.
ولو عددنا ما تم تقديمه مسرحياً لنجوم كبار قطعاً سيكون لنور الشريف في هذا المقام إشارات كثيرة لها أهميتها فهو من قدّم، «يا مسافر وحدك» لصلاح عبد الصبور و«الأميرة والصعلوك» و«كنت فين يا علي» و«كاليجولا»، وكلها أطروحات نوعية لمسرح جاد جعل الثقافة والسياسة وجهين لعملة واحدة، والتزم بحدود اللياقة وآداب التعبير في ما يتعلق بأساليب النقد الاجتماعي والنقد العام والنقد الذاتي، حيث لم ينفصل المسرح المصري في أي مرحلة من مراحله عن الواقع المعاش، فدائماً ما كان محاذياً وموازياً للقضايا الكبرى والمهمة ومعنياً في المقام الأول والأخير بحياة المواطن وظروفه وكينونته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية