النقد البيئي والإمكانات الحضارية لتجديد الرؤى

رامي أبو شهاب
حجم الخط
0

تكمن قيمة الأدب في كونه يعدّ جزءاً بنيوياً من وجود الإنسان بحيث يتأثر بكافة العوامل، كما يؤثر فيها، بل إنه ربما يعيد صوغ وجودنا كما منظورنا في هذا الكون، من منطلق أن الأدب فعل تأملي للذات، سواء أكانت فردية أو جمعية. فالأدب لا يتوقف عن التقاطع مع العلوم، ضمن علاقة جدلية حيث يخضع لمنطق التبعية حيناً، وحيناً آخر لمنطق الريادة، أو القيادة، فضلاً عن ذاك النسق التفكيكي لعلاقة المعنى الماثل في النص من حيث كونه كياناً ثابتاً يتشكل في وعي النص، أو خارجه، علاوة على مرجعيته أثناء تخلله الواقع، أو مقاومته له، أو محاولة تفسيره.

 وفي تأملنا لوجودنا على هذه (الأرض) سنجد أن الأدب لا بد أن يتصل بما يطرأ على كوكبنا (الطبيعة) التي بدأنا نقترض من عمرها على حساب الأجيال القادمة نظراً لشيوع النمط الاستهلاكي، ومنطق الرأسمالية التي بدت قدراً حتمياً لا خلاص منه لشعوب هذه الأرض، مع سعي محموم لاستغلال الموارد الطبيعية، من أجل الإبقاء على عجلة الصناعة والاستهلاك، وهذا يأتي بالتزامن مع انطلاق وظيفة جديدة للأدب الذي بدا منشغلاً بتوصيف هذه العلاقة الجدلية مع الطبيعة والبيئة، بما فيها صحة كوكبنا، ومن هنا نعيد طرح سؤال تموضع أدبنا العربي في ما يتعلق بتوجهاته، وفي ما يتعلق النظر إلى أوسع مما يحيط به، بحيث يتحول إلى خطاب إنساني شمولي، يمكن أن يخرج من عباءة القيم الجمالية، أو فعل التوصيف للواقع أو الانحسار في القضايا الأيديولوجية، ما يعطل جدلية تقدمه، وتحوله، والأنكى من ذلك تخلفه عن قيم التحول والتجديد التي يمكن أن نجدها في جميع آداب شعوب العالم باختلاف حضورها وتموضعها.

ينظر للنقد البيئي Ecocriticism على أنه حقل نقدي بيني معرفي جديد، نشأ عبر الاستعانة بالدراسات العلمية المتصلة بالبيئة، ولاسيما تلك التي تشير إلى الآثار الكارثية التي يمكن أن تنشأ عن ارتفاع نسبة الكربون أو غاز ثاني أكسيد الكربون نتيجة العوامل الصناعية، ومخرجاتها التي بدأت تحدث تحولات واضحة على كوكبنا. هذا التوجه بدأ يتضح هذا الأثر على الدراسات الإنسانية، وبالتحديد قبل ثلاثين سنة، غير أن الأمر بدا في هذا الأيام أكثر حدة وخطورة، نظراً لتفاقم هذه الأزمة، بالتضافر مع تشكل وعي جديد، طفق ينتشر في جميع أنحاء العالم، ولا سيما لدى الدول التي تنتهج بعداً ثقافياً عالي المستوى، في قراءة العلاقة بين العوامل المناخية، وأثرها على حياة الإنسان من حيث تبدل واقعه، والنواتج المترتبة، وما ينجم عنها من مخاطر تدفع إلى إطلاق الكثير من الهواجس.

لقد بدأ هذا التيار النقدي بالظهور مع كتابات العديد من الكتاب، الذين تنبهوا إلى هذه العلاقة الجديدة، ولعل من أوائل الذين تنبهوا إلى ذلك هنري ديفيد ثورو (1817-1962)، ولورنس بويل (1939) ولاسيما في كتابه “الخيال روكيرت البيئي”. في حين أن دراسة ثورو، ركزت على العلاقة بين الطبيعة والإنسان كما شرحها كتابه “كتابة الطبيعة”، ولعلها تبحث – أيضاً- في دور الإنسان للإجابة عن تحولات الطبيعة، والتغيرات الناشئة فيها، غير أن دراسة وليم روكيرت، شكّلت مدخلاً منهجياً صلداً للنقد البيئي حيث حملت عنوان “الأدب وعلم البيئة”، في حين يشار إلى أنه أول من وضع مصطلح Ecocriticism   سنة 1978. وهو يعرّف هذا النقد بأنه محاولة وضع منظومة من القواعد للجمع بين المشكلة البيئية أو (الطبيعة) مع الأدب، ولا سيما عبر الصيغة النصية، وهنا يتم التأكيد على قيمة المكان، ومفهوم القطاعات الجغرافية، بما يتعلق بكتابة الطبيعة، وهذا ما يتقاطع مع خطابات ما بعد البنيوية، بوصفها منعطفاً في تطور الدراسات النقدية التي ترى في هذه الأدب، بأنه نص يتقاطع مع بعد أخلاقي، في ما يتعلق بالحيثيات التي تختبر حضور الطبيعة وتعالقها مع الوجود الإنساني في أكثر من مستوى.

إن الأدب في النقد البيئي يتحول إلى أداة لرصد العديد من الثيمات التي تشمل البعد اللوني معنى الاخضرار، والانعكاسات الرومانسية في القصائد، بالإضافة إلى الخيال العلمي والقصص والتلفاز وتوقعات المستقبل للكوكب، في حين يفيد من المقاربات العلمية والدراسات الاجتماعية، كما العلوم الأخرى، خاصة البيئة بوصفها حقلا علمياً، وهو يختص أيضاً بقراءة علاقة الأدب بالطبيعة أو البيئة بوصفها مادة، غير أن هذا لا يعني أن تبدو جامدة، إنما هي حيوية، كونها تبرز التزاماً تجاه الطبيعة من قبل الإنسان الذي تحتويه هذه الطبيعة، وهذا يأتي من تصورات جيدة لقراءة العالم، وفهمه من منظور جديد يتجاوز النسق التقليدي القائم على ثيمات أو موضوعات تختص بالإنسان، فثمة توجهات عميقة للنظر إلى البيئة، من منطلق أنها تعني فعل الاستمرار البشري، وأي خروج عن توازن الطبيعة فإن الإنسان سيفقد حضوره.

هذه التوجهات في صوغ الأدب وحمله على التقاطع مع أفكار جديدة، تنم عن جدلية الفعل الحيوي للتلفت إلى قضايا تبدو هامشية، وهذا ما يعاني منه الأدب العربي الذي يعيد إنتاج نفسه، ولا يتمكن من ابتكار صيغ جديدة تنطوي على إشكاليات القلق المعمق بالوجود، وهذا يأتي عبر التخلص من التمحور القائم على نزعات أيديولوجية انقرضت، أو بنى شكلية، ولا أدل على أثر المشكل البيئي من ذلك الأثر الذي يصيب الروح في فضاءات ومناخات ملوثة لا تستجيب لمعنى الحياة، وتنعكس على إطلاق مشاعر سلبية تجاه الحياة، وانسحاب الروح من الجسد في سعيها للتواصل مع الكون، والإنصات له. إن وجودنا لا يمكن أن يكتمل بدون ذلك المكان الذي يحتوينا، والذي يمكن أن يجعلنا نتساءل عن الدور الأخلاقي الذي ندين به للطبيعة وللحيز الذي نعيشه. إن فضاءات المدينة العربية كما تتجلى في السرد، تكاد لا تكترث للفضاء الخارجي، أو للقيم الجمالية التي تؤطر استمرارية الطبيعة بنسقها الصحي، وبالتحديد في خلق عالم أجمل، يخلو من العوامل المشوهة، وتلك الهواجس والقلق من تراجع العمر الافتراضي للوجود الإنساني، نتيجة جور الإنسان الذي يهدم حاضنته المادية، ولعل قراءة في تشكل المدن الأوروبية سيكشف عن ذلك التعلق بالإبقاء على الصّيغ الطبيعية كما كانت، وهذا يشمل أشكال المدن ومبانيها وحدائقها، ولعل نظرة تأمل على واقع المدينة العربية سيدرك أننا نعيش في عالم يخلو من الجمال، نظرا لأن البيئة التي نتعايش معها باتت تفتقر إلى الصيغ الصحية، وذلك التقدير لوجودها.

ومن القضايا التي يبحث فيها هذا النقد تلمس أثر النظام الطبيعي، واختبار قدرته على خلق صيغ من التخييل الأدبي في النصوص الإبداعية، ولعل هذا يقودنا إلى عقم الأدب العربي في إطلاق أعمال عظمية تتجاوز حدوده، كونه ما زال معنياً بتلك القضايا التي نتجت بفعل النكوص الحضاري للبنية العقلية العربية، التي ما زالت تبحث عن الأساسيات، التي تتمثل في الحرية والأمن، والاكتفاء الاقتصادي، فضلاً عن سلسلة الخيبات والهزائم السياسية التي شوهت الإنسان العربي الذي يعاني من تراكم منتجات التّخلف نتيجة فشل الحكومات العربية من لحظة الاستقلال.

 إن سعي الهجرات الجماعية من المشرق أو الجنوب إلى الغرب في شكل من أشكالها يهدف إلى البحث عن بيئة أفضل للحياة، وهنا تتسع كلمة البيئة لتشمل الطبيعة، كما البيئة الثقافية القائمة على الحرية والجمال، الذي تفتقر إليه كبرى المدن العربية التي تفتقد إلى التنظيم الهندسي والجمالي من حيث البنية المعمارية، وتوزيع الطبيعة، وطريقة تحقيق نظام معيشي صحي. لا شك أن الغطاء الأخضر سيعني المزيد من تقدير الحياة، والهدوء والجمال، ما ينزع عن الإنسان القساوة والعدوانية التي تنشأ من عالم فوضوي ملوث، لا روح فيه.

إن دراسات الأدب من منظور البيئة يفسر الكثير من العلاقات والسّلوكات البشرية، بما في ذلك العرق والجنس، والعنصرية، كونها تتصل بمعطى طبيعي بيئي، حيث تتأثر، وتؤثر… لا ريب أن أهم سؤال تنطلق من هذه الدراسات يتمحور حول الصيغة الأخلاقية عن مسؤولية الإنسان تجاه الطبيعة، ولكن أيضا التحولات التي تطال المكان عبر التاريخ وانعكاساته على الوجود.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية