رون لاودر، 74 سنة، هو ملياردير أمريكي، رئيس الكونغرس اليهودي العالمي، مجمع قطع فنية مهم، مالك سابق للقناة 10، صديق ومحسن لرؤساء ورؤساء وزراء. وهو في أثناء ولايته الأولى، في نهاية التسعينيات، بعث به نتنياهو سرا إلى دمشق للتفاوض مع الأسد على اتفاق سلام يتضمن انسحابا إسرائيليا من كل هضبة الجولان. لم يتحقق الاتفاق، ولكن لاودر تورط مرتين: مرة مع نتنياهو، الذي تنكر بأثر رجعي لعرضه، ومرة أخرى، أخطر، مع القانون الأمريكي الذي يحظر على المواطنين الأمريكيين إجراء اتصالات سياسية من خلف ظهر الإدارة.
في بداية الأسبوع كان لاودر في عمان، عاصمة الأردن. التقى سرا صائب عريقات المسؤول عن المفاوضات في السلطة الفلسطينية، ومع شخصيات فلسطينية أخرى رفيعة المستوى. بعد اللقاء تحدثت هاتفيًا مع المساعد الشخصي للاودر، ومع الناطق بلسانه، ومع مساعدته الكبرى، ومع مندوبه في إسرائيل. وأربعتهم أوضحوا لي، كل واحد بطريقته، بأن لاودر لن يتحدث معي عن مضمون اللقاء أو اللقاءات التي أجراها في عمان. وإذا كنت فهمت الأمر على نحو صحيح، فإن الحساسية تنبع من مكانته كمواطن أمريكي: فهو لا يسارع إلى التورط مرة مرة. وطار مباشرة من عمان إلى نيويورك: هذه المرة تجاوز القدس.
عدت واتصلت بصائب عريقات في عمان. لم يرد. أول أمس، يوم الأربعاء، كان يفترض بأبو مازن أن يسافر إلى الأردن. وكان عريقات ينتظره هناك.
يقاطع أبو مازن إدارة ترامب وجارد كوشنير وجيسون غرينبلت، مبعوثي ترامب إلى الشرق الأوسط. منذ القرار للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل عنوان السفارة إلى القدس، يشجب أبو مازن ترامب ومبعوثيه بلغة فظة. فقد وصف ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي في إسرائيل بـ «ابن الكلب». هذه الشتيمة تساوي كل شيء. أما الأمريكيون فيعرفونها بصيغتها الأنثوية: Son of a Bitch.
تفيد مصادر دبلوماسية ببوادر ندم في رام الله. فأبو مازن يفهم أنه بقي وحيدا دون سند خارجي. فقد اعتمدت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ ولادتها على مصدر خارجي يلقي برعايته عليها: ولم تكن مختلفة عن الحركة الصهيونية في ذلك. وأدى المصريون دور السيد بشكل عام. ولكن مصر السيسي لا تتجند لقضية السلطة. في حرب الوجود بين فتح وحماس أخذت لنفسها مكانة الوسيط. أما الدول الأخرى فمنشغلة في الصراع ضد إيران، الذي يقربها من ترامب وإسرائيل أو في قضاياها الداخلية. تحظى حماس في غزة بالدعم من قطر وإيران. فماذا يتبقى لأبو مازن؟ الأردن. هذا لا يكفي.
منذ التسعينيات والفلسطينيون مقتنعون بأن إسرائيل تسعى إلى تقطيع أوصال المناطق. ليس الفصل بين الضفة وغزة فقط، بل الفصل بين محافظة وأخرى في الضفة. وهم يرون المستوطنات التي تتسع في قلب الضفة تقطعها عرضًا ـ القاطع الشمالي، قاطع الوسط وقاطع الجنوب. ويستنتجون أن هذه ليست مجرد أمنية لليمين الاستيطاني ـ بل حقائق على الأرض. وإذا لم يفعلوا شيئًا الآن، سيفوت الأوان.
ناهيك عن أنه حسب الشائعات التي وصلت إليهم من واشنطن، فإن خطة السلام الأمريكية أو ما يسميه ترامب «صفقة القرن» تتحدث عن القدس كعاصمة الدولتين. لا أبو ديس، لا العيزرية، لا رام الله ـ بل القدس. هذا ما ألمح به ترامب حين قال بعد أن نقل السفارة إلى القدس، حان وقت إسرائيل لتقديم تنازلات. يحتمل أن يكون رهان أبو مازن على ترامب رهانًا يصفع به الشارع الفلسطيني وجهه كل يوم، وسيتبين في نهاية المطاف كالرهان الصحيح. وحده ترامب، بطريقه المتذبذبة ـ يوم ما يهدد وفي الغداة يعانق ـ وحده ترامب يستطيع. اسألوا كينغ يونغ اون، اسألوا أردوغان.
هنا يدخل إلى الصورة صديقنا رون لاودر، وهو يهودي أمريكي محترم، ابن بيت في البيت الأبيض، هو الرجل السليم لنقل الرسالة. في السنة الماضية، حين كان أبو مازن لا يزال ضيفًا مرغوبا به في واشنطن، أجرى لاودر استقبالاً على شرفه. وحسب التقارير في ذاك الوقت، فإن نتنياهو غضب. الإعلام الإسرائيلي وصف ولا يزال يصف أبو مازن بعدو مرير، ولاسامي، وناكر للكارثة، وإرهابي سياسي. وهذا لا يستوي مع استقبال فاخر يجريه رئيس الكونغرس اليهودي العالمي، ولا مع اللقاء السري مع مبعوثي أبو مازن في عمان.
انعقد الكابنت مساء أول أمس ليقرر ما يعمله في غزة. تأجلت الجلسة إلى الثامنة والنصف مساء كي لا يسمح للوزراء بإطلاق التسريبات إلى أخبار التلفزيون. تجري مثل هذه المداولات بشكل عام بعد أن يكون رئيس الأركان بلور تقويمًا للوضع مشتركًا مع وزير الدفاع، الذي يجلب خطة العمل للمداولات مع رئيس الوزراء، ويعرض الثلاثة جبهة موحدة في الكابنت. أما الخلافات بينهم، إذا كانت هناك خلافات، فتحسم قبل عقد الكابنت.
لم يكن هكذا هذه المرة. فليبرمان والجيش جلبا إلى الكابنت توصيات متضاربة. ليبرمان اقترح الشروع في حملة واسعة في غزة، بما في ذلك دخول بري، حملة تؤدي بزعمه إلى هدوء لخمس سنوات على الأقل. كان هذا ليبرمان المتجدد؛ إن شئتم، صيغة محسنة من ليبرمان القديم، ذاك الذي وعد بتصفية إسماعيل هنية بعد 48 ساعة من تعيينه وزيرًا للدفاع. لثلاث سنوات ساند ليبرمان الجيش الإسرائيلي وصد النقد لمن يسارعون إلى المعركة من اليمين، ولا سيما بينيت وعصبته في وسائل الإعلام. ولكن موسم الانتخابات بات هنا، وليبرمان يكافح في سبيل حياته السياسية. قاعدته تناديه.
وقف الجيش الإسرائيلي في مواجهة وزير الدفاع. يمكن التعايش مع الوضع الحالي، هذا ما سمعه الوزراء في تقويم الوضع العسكري، أما البدائل فأكثر خطورة.
قال ـ وليس أحد الوزراء بعد ذلك ـ إن «الجيش الإسرائيلي يعرض دومًا إمكانيتين: إما عرض اقتراحه او أنهار من الدم. لا يريد أحد سفك أنهار من الدم، وبالتأكيد ليست أنهار دم الإسرائيليين، وهكذا ينتصر الجيش الإسرائيلي».
سعى بعض من الوزراء إلى موقف وسط: لا حملة عسكرية واسعة، بروح ليبرمان: نعم لتغيير قواعد اللعب التي تقررت على الجدار. وزير الإسكان، غالنت، قائد المنطقة الجنوبية سابقًا، صاغ القرار بتعابير تكتيكية. إذا استمر إطلاق البالونات سيتعين على الجيش الإسرائيلي أن يرتفع درجة. الهدوء يستجاب بالهدوء، والجيش الإسرائيلي لن يعمل متجاوزًا الفاصل الأمني، إذا ما حوفظ على الهدوء، وتعطى بوادر طيبة إنسانية مثل توسيع مجال الصيد وإدخال الوقود إلى القطاع.
بعد كل الخطابات الحماسية عن إسقاط وسحق وتصفية حماس ـ عاد الوزراء إلى نقطة المنطلق: إذا احتلت إسرائيل غزة فإنها ستعود بالغداة إلى الحدود الدولية وإلى ذات المشاكل الأمنية. لا منفعة من الاحتلال. وكانت النتيجة التي توصلوا إليها هي نوع من الإنذار: إذا حاولت الجماهير بعد ظهر اليوم مرة أخرى اقتحام الجدار، وإذا أطلقت البالونات ووضعت العبوات، لن يكون مفر من السير خطوة واحدة إلى الأمام نحو الحرب. العنوان هو حماس، ولكن الإنذار هو لأنفسنا نحن أيضًا.
مشكلتكم
«انسوا الهدنة، انسوا التهدئة»، قال للإسرائيليين نيكولاي ميلادينوف، مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط. «في أفضل الأحوال ستحصلون على هدوء لزمن قصير، قد يتطور إلى تهدئة لزمن أطول قليلا».
ميلادينوف، سياسي بلغاري متقاعد، ألغى سفره إلى غزة، ورئيس المخابرات المصري تصرف مثله، وجاءت خطواتهما منسقة، فكلاهما فضلا الانتظار لرؤية ما تقرره إسرائيل وكيف ترد حماس. لم يرغبا في أن يعلقا في غزة تحت النار.
واصل ميلادينوف يقول إن «الوضع الإنساني في غزة خطير للغاية. لم يعد الحديث عن توريد الكهرباء من إسرائيل، بل عن الوقود التي تنقص المولدات. ثمة نقص خطير في الأدوية. وعلى إسرائيل أن تجد السبيل للسماح للسكان لرفع الرأس. هكذا فقط يكون احتمال أن يتمرد السكان على حماس؛ هكذا فقط يكون احتمال لإبعاد الجمهور عن الجدار.
«غزة هي مشكلة إسرائيل، ومشكلة إسرائيل وحدها. فهي لا تعني العالم. المصريون مشاركون، ولكن مشاركتهم محدودة. وهي تنبع من رغبة في تحقيق تأييد إسرائيل أو تأييد الفلسطينيين. فهم يريدون فقط إثارة انطباع الأمريكيين.
«انتم تعتقدون بأن الوضع اليائس في غزة قد يدفع الجمهور نحو الحدود المصرية: فيصبحون مشكلة المصريين. ولكنكم مخطئون: المصريون سيطلقون النار عليهم ولن يهم هذا أحدًا».
ناحوم برنيع
يديعوت 19/10/2018