هل تمتلك تركيا أدلة تمكنها من نسف الرواية السعودية لمقتل جمال خاشقجي؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
1

إسطنبول-“القدس العربي”: كما كان متوقعاً، أعلنت المملكة العربية السعودية روايتها حول مقتل الصحافي جمال خاشقجي، الذي اختفى في الثاني من الشهر الجاري عقب دخوله قنصلية بلاده في إسطنبول، وهي خطوة فتحت الباب واسعاً أمام التساؤلات عن مدى تقبل وتصديق العالم لهذه الرواية لا سيما تركيا التي وقعت الحادثة على أراضيها وتتكفل أجهزتها الأمنية والقضائية التحقيق فيها.

ويدور السؤال الكبير حول ما إن كان سيتم إثبات وجود علاقة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وعملية قتل خاشقجي، لكن أنقرة وعلى الرغم من عملها ضمن خطة منظمة لإثبات ذلك من خلال التسريبات الإعلامية، إلا أنها لا ترى أن هذا الأمر يقع على عاتقها بشكل مباشر، وإنما هي مسؤولية المجتمع الدولي أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الدرجة الأساسية.

في المقابل، يقع على عاتق تركيا بدرجة أساسية تقديم الرواية النهائية انطلاقاً من نتائج التحقيقات الجنائية والقضائية لما حدث مع جمال خاشقجي، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام السؤال الأهم في هذه المرحلة، وهو عن مدى توافق التقرير الجنائي التركي النهائي مع الرواية السعودية.

وتحكم هذا الأمر ثلاثة عوامل أساسية، أولها متعلق بمصير الجثة والحال الذي وصلت إليه، والثاني مرتبط بالقدرة على تقديم بعض الأدلة التي تمتلكها السلطات التركية، والثالث تحكمه المباحثات السياسية المتواصلة بين الرياض وأنقرة ومدى رغبة الأخيرة نسف الرواية السعودية.

جميع التسريبات التركية التي أوصلتها الجهات الرسمية لوسائل الإعلام التركية بشكل مباشر كانت تجمع على وجود نية مسبقة للقتل، وتجهيزات مختلفة لتحقيق هذا الهدف، وهو ما يتعارض مع جوهر الرواية السعودية الرسمية التي قالت إن خاشقجي “توفي عقب شجار بالأيدي” مع وفد سعودي وصل لمحاولة إقناعه بالعودة إلى السعودية.

أكثر ما يمكن أن يثبت عكس الرواية السعودية هو جثمان خاشقجي، الذي ما زال مصيره مجهولاً، وتؤكد جميع التسريبات أنه جرى تقطيعه ليسهل نقله والتخلص منه، لكن من غير المعروف حتى الآن ما إن تبقى بالفعل بقايا جثمان لخاشقجي أم لا؟

فإذا تمكنت الجهات التركية من الوصول إلى جثمان خاشقجي كاملاً أو مقطعا لأجزاء كبيرة، يقول المختصون إن الطب الجنائي يتمكن من خلالها من الإثبات بالأدلة الطريقة التي تعرض فيها للقتل، وما إن جرى تعذيبه قبيل القتل أم لا، وغيرها من التفاصيل التي يمكن أن تكون بمثابة أدلة قطعية على عدم دقة الرواية الرسمية السعودية.

لكن وفي حال أنه قد تم بالفعل تقطيع الجثمان إلى أجزاء صغيرة أو تذويبه باستخدام مواد كيميائية كالأسيد، فإن إثبات الطريقة الدقيقة التي جرى فيها قتل خاشقجي ستكون مهمة صعبة جداً على الجانب التركي الذي تتضاءل آماله باحتمال وجود جثة لخاشقجي.

هذا الأمر ينقلنا للخيار الثاني، وهو التسجيلات التي قيل مراراً إن الجهات الرسمية التركية تمتلكها ويمكن من خلالها إثبات أن خاشقجي قد قتل نتيجة خطة مبرمجة وبطريقة مقصودة وليس بفعل “شجار بالأيدي” كما قالت الرياض.

المصادر التركية الخاصة التي تحدثت لـ”القدس العربي” عقب أيام من اختفاء خاشقجي، أكدت أن هذه الأدلة متعلقة بـ”تسجيلات صوتية” تشرح كل ما حصل داخل القنصلية، جرى الحصول عليها من خلال تنصت مسبق كانت تقوم به الجهات الاستخبارية التركية على القنصلية السعودية.

وبينما لا تصلح مجرد تسجيلات صوتية لتكون دليلاً جنائياً أو دليلاً قطعياً للإثبات للعالم بأن خاشقجي قتل بطريقة مخالفة للرواية السعودية الرسمية، فإن المشكلة الأكبر تتمثل في أن الجهات الرسمية التركية لا يمكنها نشر أو توزيع هذه التسجيلات كون الاعتقاد الأكبر يقول إنها جاءت نتاج عملية تنصت غير شرعية للقنصلية لا يسمح بها القانون الدولي.

وفي حال تمكنت تركيا من الحصول على أدلة جنائية، يأتي هنا دور الإرادة السياسية التركية ومدى رغبتها في الصدام المباشر مع المملكة وتعمد تكذيب روايتها وإثبات عدم مصداقيتها، أم اكتفاء أنقرة بالإجراءات والمحاكمات التي أعلنت عنها السعودية وترك الجانب المتعلق بمتابعة المحاكمات للمتهمين في السعودية وإثبات أو نفي علاقة محمد بن سلمان، بالعملية للمجتمع الدولي ليقرر في هذا الإطار على اعتبار ان هذا الأمر يمثل مسؤولية عالمية وليس تركية فقط.

ويبدو أن السعودية ما زالت تعمل بقوة من أجل اقناع تركيا بالاكتفاء بما أعلنت مؤخراً والتي تبرأ تركيا من أي تقصير وربما تشمل اعتذارا سعوديا رسميا في وقت لاحق، وظهر ذلك واضحاً في اتصال الملك سلمان مجدداً بالرئيس التركي رجب طيب اردوغان قبيل دقائق مع إعلان الإجراءات السعودية الأخيرة والتي شملت الاعتراف بمقتل خاشقجي.

لكن تركيا وفي أول رد فعل رسمي على الإعلان السعودي، أكدت أنها “تقوم بتحقيقها المستقل”، ووعدت بالإعلان عن نتائج التحقيقات كاملة للعالم أجمع، وذلك في تصريحات للناطق باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم عمر جليك، السبت، بانتظار ما تحمله الأيام المقبلة من تطورات في هذا الإطار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية