خلال 18 يوما، كان حديث العالم، بشكل استثنائي، يتناول أبعاد اختفاء غامض لصحافي سعودي بارز، كان يكره أن يوصف بأنه “معارض”.
اختار المنفى ليستكمل نهجا إصلاحيا وطنيا، لكنه قتل داخل قنصلية بلاده في إسطنبول على يد من لم يتحملوا تطلعاته الإصلاحية. جمال أحمد خاشقجي، الصحافي السعودي الستيني، الذي قال عنه المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية محمد البرادعي، إن التفاعل العالمي مع اختفائه “أيقظ ضمير العالم”.
“قل كلمتك وامشٍ”، شعار رفعه خاشقجي، عبر منصته على تويتر، كان صوتا جريئا بمنفاه الاختياري قبل عام، ومشى مجبرا من الدنيا حسب الرواية الثانية للمملكة فجر السبت، التي أعلنت مقتله داخل القنصلية، إثر “شجار” وتشابك معه بالأيدي، متهم به 18 سعوديا.
خاشقجي برحيله الذي زلزل العالم، فيما يبدو سيستمر اسمه جزءا لا يتجزأ من مواقف وتفاعلات الدول الكبرى والمنظمات والهيئات، لاسيما الغربية التي طالبت الرياض بتحقيقات شفافة وأعلنت مقاطعتها لمؤتمر استثماري هام في السعودية “دافوس الصحراء”.
وصف خاشقجي نفسه عام 2017 قائلاً: “أنا سعودي ولكن مختلف”، ووصفه الكاتب البريطاني المخضرم ديفيد هيرست، في مقال بأنه “كان مشغولا بالقيم المطلقة، مثل الحقيقة والديمقراطية والحرية”.
ولد عام 1958 بالمدينة المنورة، ودرس الصحافة بجامعة أمريكية، وفي الثمانينيات، التحق بصحف سعودية منها “عكاظ” و”الشرق الأوسط” و”الحياة اللندنية”، ونجح في إجراء مقابلات مع زعيم تنظيم القاعدة السعودي، الراحل أسامة بن لادن.
تزوج من آلاء نصيف، وبرز من أبنائه عبد الله وصلاح، وكان يعتزم الزواج من التركية خديجة جنكيز.
والثلاثاء الماضي، أصدرت عائلته بيانا طالبت فيه بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة لكشف حقيقة ما حدث لابنهم.
وبرز اسم خاشقجي في تغطية أحداث أفغانستان والجزائر والكويت والشرق الأوسط في تسعينات القرن الماضي، ليصبح أحد أشهر إعلاميي بلاده.
وترأس الإعلامي السعودي، صحفًا محلية منها صحيفة “الوطن” اليومية عام 2004، قبل أن يقال منها، وبعدها عمل مستشارا إعلاميا للأمير تركي الفيصل، سفير بلاده لدى لندن وواشنطن.
عاد إلى “الوطن” مجددًا في 2007، قبل أن يقال في 2010 دون سبب معلن.
ودوّن خاشقجي، أفكاره في كتب أبرزها “علاقات حرجة – السعودية بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001″ و”ربيع العرب – زمن الإخوان المسلمين” و”احتلال السوق السعودي”.
ومع توقيفات طالت رموزًا ببلاده وبعد وقت ليس بطويل على اندلاع الأزمة الخليجية، ومنع مقالاته بصحيفة “الحياة” اختار المنفى عام 2017، ليعبّر عن استقلالية آرائه، واتجه لواشنطن ومنها للعالم مخاطبًا الملأ عبر “تويتر” ومقالاته في “واشنطن بوست”.
وكان ملف الحريات والاندفاع نحو الحرب في اليمن، و”الخضوع” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أول شرارات انتقاداته لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، رغم إقراره بإيجابيات الانفتاح بالمملكة، وبالتراجع عن التشدد الديني وقيود مست المرأة لاسيما في قيادتها للسيارة.
وفي السياسة الخارجية، كان على عكس توجه المملكة، يدعو للرجوع السعودي عن خلافها المستمر مع قطر ومتفقًا مع سياساتها، وهاجم إيران وحليفتها جماعة “أنصار الله” (الحوثي) في اليمن، جار المملكة.
ومع اعتراضه على ما يحدث لقادة الرأي في السعودية، كان يدعو إلى التمسك باستقرار المملكة والإصلاح الديمقراطي، ويدعو لعدم إفساد حلم الآباء السعوديين بالوحدة بـ”خطاب تفريقي إقليمي دخيل”.
في الثاني من تشرين الأول/اكتوبر الجاري، اختفت آثار الصحافي السعودي، عقب دخوله قنصلية بلاده في إسطنبول، لإجراء معاملة رسمية تتعلق بزواجه.