عمان-“القدس العربي”: بدا لافتا للنظر ان وزير الصناعة والتجارة الأردني الجديد طارق الحموري، قرر فجأة التشدد كما فعل صديقه والوزير السابق يعرب القضاة، ضد اتفاقية التجارة الحرة مع الجمهورية التركية بالرغم من ظهور ملامح نعومة وتسيير للخلافات الفنية بين البلدين في الأسابيع القليلة الماضية.
ويسعى رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز لمقاربة مختلفة عندما يتعلق الأمر بمصالح الأردن التجارية والصناعية مع دول الجوار. لذلك وبعد نحو أسبوعين على تصريح متشدد للوزير حموري، استقبل الرزاز وزيرة التجارة التركية دون الإعلان عن التوصل لأي جديد بخصوص الاتفاقية العالقة بين البلدين.
الرزاز متحمس لإعادة فتح وتشغيل معبر نصيب ويؤمن بقفزة على صعيد العلاقات مع السوق العراقية ويبدو مرنا جدا تجاه أي صنف من الشراكة مع تركيا خصوصا وان الأخيرة تظهر التزاما في التمسك بنقطة ارتكاز سياسية تدعم الخيار الملكي الأردني حصريا في الوصاية الهاشمية على القدس.
هنا لسبب أو لآخر يقرر الوزير الحموري، وبعد جولة مفاوضات فنية بدت معتدلة ومنطقية، التغريد خارج السرب والعودة لصيغة خبرية تتحدث عن التمسك بخيار إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا وبلغة لا تبدو دبلوماسية. حتى الفريق الفني العامل مع الوزير الحموري الذي ضجر بسرعة تشدد هو الآخر. لافت جدا أردنيا أيضا ان هذه النظرة في محاولة التمسك بإلغاء اتفاقية موقعة منذ سنوات تعتبر أم التفاهم والتقارب المصلحي بين البلدين، يحصل في الوقت الذي بدأ فيه تجاري عريق ومخضرم هو الحاج حمدي الطباع، وباسم تجار وصناع الأردن جهدا خاصا لتهيئة الظروف بصيغة تعيد الاعتبار للاتفاقية التي جمدتها أو ألغتها حكومة الرئيس هاني الملقي.
الحاج الطباع نفسه استمعت إليه “القدس العربي” وهو يتحدث لأحد أركان البرلمان الأردني عن عدم وجود مبررات قوية أو لا يمكن التفاهم عليها أو مخاوف على مصالح الصناعيين والتجاريين الأردنيين جراء الاتفاقية الموقعة والتي ألغيت لاحقا. الطباع طلب منه ملكيا إقامة حوار منتج يزيل الخلافات مع أنقرة حول تلك الاتفاقية.
بدأ الرجل اتصالاته مع كبار المسؤولين في بلده لكي يفهم السقف والحدود والملاحظات. بدت بالمقابل علامة فارقة ان يصدر تصريح الوزير الشاب المتشدد في الوقت الذي بدأت فيه جهود المخضرم الحاج الطباع باعتباره العلامة الأبرز لتمثيل المصالح التجارية الأردنية.
في كل حال حتى برلمانيون من وزن خليل عطية، لا يفهمون تكتيك حكومة بلادهم في هذا الإطار، مع ان ملف العلاقات مع تركيا يسجل حرصا مباشرا من الطرف الآخر على احترام المواقف السياسية الأردنية ودعمها كما يسجل احتفالات بمناسبة مرور 70 عاما على العلاقات الثنائية. ويسجل أيضا حضورا مميزا جدا وبأسعار معقولة للمنتجات التركية في الأردن وتسهيلات بالجملة تمنحها تركيا للأردنيين على صعيد السياحة والتعليم وحتى الإقامة والاستثمار، إضافة إلى ان الرئيس رجب طيب اردوغان قد يكون من الزعماء الأجانب الأكثر شعبية في الشارع الأردني حسب دبلوماسي أردني مطلع.
كل تلك الاعتبارات تسقطها وزارة الصناعة والتجارة في الوقت الذي يحاول فيه الطباع وعطية وغيرهما، فهم المقصود واللغز في مسألة تعليق اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين.
هو تعليق من الصعب هضمه سياسيا ولا فهمه مصلحيا وبالتالي وفي ضوء علاقات جيدة أصلا بين البلدين لا تقدم حكومة عمان للرأي العام المحلي ولا للأتراك تفسيرها المنطقي، الأمر الذي يعيد الكرة إلى مربعها الأول حيث هواجس أمنية الطابع تسيطر على القراءة الأردنية لمسار العلاقة مع تركيا ولا تريد الحكومة ان تقول ذلك بالرغم من حرص أطراف في الجانبين على تجاوز المربع الأمني في اتجاه السياسي والاستراتيجي.
بمعنى آخر، السياسي من الصعب ان يقطع شوطا طويلا أو يمضي في مساحة أوسع ما دام الهاجس الأمني يحكمه عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع تركيا اردوغان، بالرغم من ان المواقف التركية تجاه الملف السوري متقاربة إلى حد كبير. وبالرغم من ان موقف البلدين لا يختلف كثيرا فيما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين.
لذلك يبقى التفسير قاصرا عن الفهم والتحليل في حال رصد التشدد الغريب عند بعض المسؤولين لتعليق اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا لأن النقطة التي يبدو ان هؤلاء يريدون الوصول إليها هي تدشين مفاوضات على توقيع اتفاقية جديدة والمراوغة في قبول التعديلات التي تقترحها الاجتماعات الفنية. ذلك خيار صعب استراتيجيا على حكومة أنقرة حيث يقدر خبراء من بينهم الطباع وغيره ان الجانب التركي من الصعب ان يتقبل فكرة إغلاق وإلغاء الاتفاقية ثم البدء مجددا من النقطة صفر وبصيغة تهدر سنوات من العمل في الاتفاقية السابقة.
وكما تبقى أزمة إعادة فتح وتشغيل معبر نصيب مع سوريا هي العنوان الأعرض لأزمة ضمنية وباطنية تعرقل تقدم ونمو الاتصالات بين الأردن والنظام السوري وحتى بين عمان وبيروت، أيضا يمكن القول بأن الإصرار الوزاري الأردني على إلغاء اتفاقية التجارة الحرة بعد تعليقها سابقا تعبير عن مراوحة أردنية في المكان نفسه، تقول ضمنيا ان كلفة وتعقيدات العلاقة مع تركيا أكبر على حسابات الدولة الأردنية من عوائد ومكتسبات التعاطي مع الأتراك.
الحسبة الضمنية تقول ان وقف التحرش أردنيا باتفاقية تجارة حرة مع تركيا أمر لا يعجب أو يزعج، أربعة شركاء في المنطقة هم مصر والسعودية والإمارات وإسرائيل. وبالتالي الاستنتاج والخلاصة، ما دام وزير شاب وجديد حضر للقرار الرسمي منذ أسابيع فقط يستطيع ببساطة ممارسة الإفتاء ضد اتفاقية بالحجم المشار إليه فالفرصة متاحة لالتقاط ما هو أبعد في الرسالة.