حكومات لبنان بعد 2005: صعوبات في التشكيل وخلاف حول الأحجام

سعد الياس
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: خمسة أشهر أمضاها الرئيس سعد الحريري بعد تكليفه قبل أن يتصاعد الدخان الأبيض منبئاً بتأليف الحكومة بعد مخاض عسير مع القوى السياسية حول الأحجام والحقائب، وإذا كانت هذه المدة تُعتبر طويلة إلا أنها تعتبر معقولة أمام المدة القياسية التي استغرقها تأليف حكومة الرئيس تمام سلام وهي 11 شهراً. وبات طول التأليف سمة بارزة منذ عام 2005 في تشكيل الحكومات سواء حكومة فؤاد السنيورة أو الحريري الأولى عام 2009 أو حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2011 خلافاً لما كان واقع الحال في زمن الوصاية السورية حيث لم يكن التأليف يستغرق أكثر من 3 إلى 14 يوماً.

ولخّص النائب اللواء جميل السيّد، أحد أبرز وجوه الحقبة السورية بقوله “في الزمن السوري كان التأليف يسبق التكليف”. ورداً على سؤال “القدس العربي” قال “كان تأليف الحكومة يعمل حركة سياسية لكن الصعوبات لم تكن كما هي اليوم لأنه كان هناك ما يسمّونه المنظّم السوري لعملية التركيبة وهذا ليس سراً، وكان التأليف يحصل قبل التكليف بنسبة 90 في المئة من الوقت، يعني تتم معرفة بوجود ظروف سياسية لتغيير الحكومة وتتم مشاورات قبل استقالتها، تستقيل الحكومة، تمر 3 أو 4 أيام للاتصالات، وتكون الأمور راكبة، يعني التأليف قبل التكليف”.

وبين لـ “القدس العربي” دوره في عملية التأليف قبل عام 2005 وإذا كانت له اليد الطولى في الأمر فقال “حول كلمة اليد الطولى إن مدير عام الأمن العام جزء من اللعبة السياسية حسب نص القانون، يعني هو الذراع السياسية كونه المستشار السياسي لرئيس الجمهورية بالمفهوم العملي للكلمة منذ الاستقلال وبالتالي يكون له دور للتحرك بتكليف من رئيس الجمهورية بين مختلف الأفرقاء، وليس هو من يشكّل الحكومات. نتكلم عن الزمن السوري حيث القوى السياسية ما زالت نفسها، الرئيس نبيه بري، الرئيس رفيق الحريري الله يرحمه، النائب وليد جنبلاط، القوى السياسية نفسها زائد أو ناقص كم فريق”.

وعن قيامه باتصالات معينة أو وساطة على خط تذليل عقد؟ أجاب “في واقع اليوم في لبنان، لا أحبّ دور وساطة. الوساطة تتم بين شخصين أو طرفين مختلفين. في لبنان يكونون مختلفين في الصباح ومتفقين في المساء، على أساس أنهم متصالحون في الليل يستفيقون مختلفين. إذا كلمة وساطة مش مظبوطة، إنما من باب حرصنا على الدولة ومسيرتها بصرف النظر عن عاطفتنا تجاه الأشخاص إذا ارتأيت أنه في مكان ما يمكنني أن أقول كلاماً ما كجميل السيّد، من ضمن خبرتي ومن ضمن بعض المعطيات لأوضّح معطى معيناً أو نقطة معينة لشخص معين أياً كان موقعه، أسمّي هذا الأمر مساهمة وليس وساطة. لعلّ هذه العقدة بحاجة إلى فكرة معينة كي تُحلّ، وأنا لا أتبجّح حتى عندما كنت مديراً للأمن العام كنت أعمل من وحي واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، لأنه جزء من نجاح الشغل في لبنان”.

وفي مراجعة لحكومات ما قبل 2005 يظهر أن أقصر مهلة تشكيل هي حكومة الرئيس رشيد الصلح عام 1992 وأطول مدة كانت حكومة الرئيس رفيق الحريري عام 1996 التي استغرق تأليفها 14 يوماً. حينها كان العامل السوري حاسماً في اختيار رؤساء الجمهورية وتشكيل الحكومات، ولم يكن أحد من الأطراف السياسية يجرؤ على الاعتراض، وكان حلفاء سوريا ينالون ما يريدون حيث كانت دمشق تؤمن لهم مصالحهم ولو على حساب التوازن السياسي والوطني. وكانت القوى السياسية سلّمت قرارها في السياستين الداخلية الخارجية للنظام السوري خلافاً لما هو عليه الحال اليوم، حيث تنقسم الحكومة بين محورين سعودي وإيراني، ويختلف الأفرقاء على سلاح حزب الله وقرار الحرب والسلم ويهربون إلى النأي بالنفس الذي نادراً ما يتم احترامه.

في الحكومات السابقة قبل خروج الجيش السوري من لبنان، كانت هناك ثوابت في الحكومة أبرزهم وليد جنبلاط وأسعد حردان وسليمان فرنجية وميشال المر وايلي حبيقة وطلال ارسلان، وكانت كلمة عنجر حيث مقر رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية اللواء غازي كنعان، ومن بعده اللواء رستم غزالي، هي المسموعة خلافاً لما هو عليه الحال اليوم، وإن كان حزب الله بدأ يلعب في كثير من الأحيان دور البديل عن الوصاية السورية، إلا أن هامش التحرك يبقى أوسع وهذا ما جعل لبنان يشهد فراغاً رئاسياً امتد لأكثر من عامين إلى حين اقتناع الأفرقاء بأن لا مفرّ من انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية لملء الشغور الرئاسي وإلا فإن الأزمة ستطول. أما في الزمن السوري فكان يكفي تصريح للرئيس حافظ الأسد إلى جريدة “الأهرام” المصرية يقول فيه إن اللبنانيين توافقوا على التمديد للرئيس الياس الهراوي، كي يذهب النواب إلى المجلس ويمدّدوا الولاية الرئاسية أو ينتخبوا بشبه إجماع العماد اميل لحود رئيساً.

ونادراً جداً ما كان يحصل اشتباك بين رئيسي الجمهورية والحكومة على التشكيلة الحكومية خلافاً لما كان عليه الحال حول التعيينات في الإدارة كما حصل بين الهراوي والحريري. فيما المرة الوحيدة التي نشب فيها خلاف بين الرئيسين على التشكيلة كانت بعد التمديد للرئيس اميل لحود في أيلول/سبتمبر 2004 حيث كان الحريري يريد التأليف قبل التكليف لمعرفة ما سيكون عليه وزنه السياسي داخل الحكومة تعويضاً على التمديد للحود الذي كان محل اعتراض كبير. يومها لعب المدير العام للأمن العام اللواء جميل السيّد دور التواصل ما بين لحود والحريري ودمشق لايجاد مخرج قبل أن يتم تسمية الرئيس عمر كرامي لتشكيل الحكومة.

وإذا تمّت مراجعة حكومات ما بعد اتفاق الدوحة، يُلاحظ أنه دخل عليها الثلث المعطّل الذي أصرّ عليه حزب الله وقوى 8 آذار قبل أن يصبح التأليف يتوزّع ظاهرياً على ثلاث عشرات 10+10+10 في الحكومات الثلاثينية. أما قبل 2005 لم تكن سوريا في حاجة إلى ثلث معطّل، لأن الأكثرية كانت بيدها ولم تكن تسمح لأي طرف سياسي وخصوصاً المسيحي بنيل أي ثلث معطّل، وكان الحضور المسيحي غير وازن على مستوى الدولة خلافاً لما هو الواقع اليوم، حيث الرئيس ميشال عون يصرّ على أن يكون شريكاً في عملية التأليف وأن يمارس دوره في القبول والرفض قبل التوقيع على مرسوم الحكومة محصنّاً بكتلة نيابية إلى جانبه وبتحالف مع حزب الله على رغم التسوية السياسية التي عقدها مع الرئيس سعد الحريري.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية