■ على الرغم من كون الدافع المبدئي لتحويل فعل السفر إلى محكي، هو أن يتحدث لنا الرحالة عن لقائه مع الآخر المختلف، نجد في كثير من محكيات السفر المعاصرة، الكتّاب يتحدثون عن الأنا انطلاقا من الأثر الذي سببه لقاؤها مع هذا الآخر، وبالتالي تصير الرحلة عبورا وسفرا من الغير نحو الأنا، عبر وساطة الغير، من خلال جسر المقارنة الذي لا مفر منه أثناء الكتابة.
يفرض محكي السفر، إذن، على الرحالة فعل المقارنة، حينما يتحدث عن صفات الآخر وما يوجد لديه، يجد نفسه مضطرا إلى ذكر ما يوجد لدى الأنا وما لا يوجد من قيم وخصوصيات ثقافية، في إطار التصادم الحضاري.
إذا كانت المقارنة في الرحلات القديمة والقروسطية والحديثة قد قامت على تفضيل الأنا على الغير، انسجاما مع السياق التاريخي والثقافي الذي جرت ودونت فيه، ونتيجة لتحول هذا السياق وتغير موازين القوى صارت المقارنة، في أغلب الرحلات المعاصرة، ترتكز على نقد الذات، مقابل تمجيد ما يوجد لدى الغير من قيم تعدمها الذات في مجتمعها وفي ثقافتها، الأمر الذي يسمح بحضور مساحة كبيرة من النقد الموجّه إلى عدم مهادنة كل ما يوجد من مظاهر سلبية في بلد الرحالة، ولا يعد هذا النقد غاية وإنما الهدف منه إبراز مكامن الخلل والعطب في تلك المظاهر، على أمل تغييرها إلى الأفضل، انطلاقا من مرجع، وهو ما يوجد من قيم إنسانية وحضارية لدى الآخر، ودائما بدافع محرك هو الرغبة في رؤية الذات ومجتمعها على وجه أحسن مما هما عليه، وكأن الرحالة يدعوها، بطريقة غير مباشرة، إلى تحسين حالها، وينير لها الطريق انطلاقا من مشاهداته وما خبره أثناء فعل السفر واللقاء مع الآخر لعلها تتجاوز حاضرها المتعثر والمرفوض من قبل الرحالة.
في هذا المنحى يندرج محكي الروائي المصري سعد القرش «سبع سماوات» الذي هو ثمرة حضور الكاتب لمجموعة من المهرجانات السينمائية في مجموعة من البلدان (العراق، المغرب، الجزائر، الهند، هولندا) بالإضافة إلى أسفار داخل مصر، إذ يسافر الكاتب ويحمل معه هموم بلده مصر وظواهره المرضية التي تبدو له، في بعض الأحيان، مستعصية على العلاج، انطلاقا من التقاط الخصوصيات الثقافية المميزة للآخر والغائبة، طبعا، لدى الأنا وهو ما سمح للكاتب بتوسيع مساحة النقد في سبع سماوات، إلى درجة أن تحوّل، في كثير من المواقف، إلى جلد للذات، والدليل على ما أقول هو اللغة القاسية المُستعملة في إبراز أعطاب الأنا وأسباب تخلفها. ويندرج كل ذلك في إطار بحث عن مصر التي يحلم بها الكاتب سعد القرش.
ويحضر هذا النقد بخلفية معرفية تستند إلى الثقافة السينمائية للكاتب، وهو ما جعل هذا النقد يتخذ حسا سينمائيا، يعكس اهتمامات الكاتب، إذ جاء المحكي حافلا بالصور، وكأننا أمام لقطات سينمائية ملتقطة بالكاميرا، مختارة بعين مخرج. ولم يكتف الكاتب بهذا، بل استحضر مجموعة من الأفلام السينمائية في تحليل ما يثيره فعل السفر من قضايا، وكذلك من أجل إبراز بعض المواقف ورصدها والكشف عن الجهل في عقول المصريين والفساد المتفشي في المجتمع المصري وسوء التدبير وتضخم الأنا وغيرها من العيوب اللاعدّ لها التي سعى الكاتب إلى تعريتها في هذه المحكي رغم اقتصاده اللغوي.
٭ كاتب مغربي