ما العمل مع غزة؟

حجم الخط
0

في آذار/مارس 2006، ودون أي إشعار مسبق، حظيت بأن ألعب دور النجم في «نيويورك ريفيو اوف بوكس»، المجلة الرائدة في النقد الأدبي والاجتماعي والسياسي لليسار الأمريكي. ففي مقال طويل، هاجمني بحدة نشيط السلام اليهودي الأمريكي، البروفيسور هنري سيجمان، على مقال رأي نشرته على هذه الصفحة ضد المفاوضات السياسية مع حماس، يفهم منها اعتراف إسرائيلي بمنظمة الإرهاب. فقد كتب سيجمان أن لا مفر أمام إسرائيل غير الاعتراف بحماس ممثلاشرعيًا للشعب الفلسطيني، وأن وجهة حماس نحو التسوية والاعتراف بها سيؤدي إلى مزيد من الاعتدال لديها وتحولها إلى حزب مدني مؤطر.
المقالان، مقالي ومقال سيجمان، كُتبا على خلفية انسحاب إسرائيل من غزة والانتخابات العامة في السلطة الفلسطينية في بداية 2006، التي فاز فيها مرشحو حماس بأغلبية نسبية في مجلس النواب الفلسطيني. واجتمع مجلس النواب هذا في تشكيلته الكاملة في فترة زمنية قصيرة فقط بين آذار/مارس وحزيران/يونيو 2007، لإقرار حكومة الوحدة الوطنية لفتح وحماس. بعد حل الحكومة المشتركة نفذت حماس انقلابًا عنيفًا في القطاع، وخلقت فيه واقع نظام عسكري ـ إرهابي تدهور من سنة إلى سنة. لا، لم تعتدل؛ بل تثبتت كجيش (احتلال) محلي. في النظرية بقيت السلطة الفلسطينية هي الحاكم المدني في القطاع. أما عمليًا فالسلطة دحرت إلى مكانة دافع رواتب الموظفين وممول الحسابات التي رفعتها لها إسرائيل على توريد المياه والكهرباء إلى القطاع.
لقد أظهرت حماس أن وجهتها ليس لإقامة دولة أو دولة على الطريق أو حكم ذاتي. لا توجد دولتان فلسطينيتان: في غزة المحررة من إسرائيل ومن فتح، لم تتأسس دولة فلسطينية ثانية ـ تأسس فيها حكم عصابة مسلحة. حماس لم تتمدن ولم تحرك ساكنًا في صالح الغزيين. كان همها فقط حفظ نفسها، وفي الغالب بواسطة أعمال عديمة الغاية ضد إسرائيل واستفزاز مصر. مع مرور السنين تبدد أمل المتفائلين في أن يثور سكان غزة على حماس بسبب الضائقة الاقتصادية الفظيعة، ولم يتحقق أمل المتزمتين في أن تخرج من غزة حرب مقدسة ضد إسرائيل. بقيت الفوضى.
بخلاف الانطباع الخارجي، فإن حماس اليوم ليست في ذروة قوتها في غزة، بل في أسفلها. التظاهرات قرب الجدار التي لم تعد تحظى بتغطية إعلامية عالمية ولا تثير أحداث تضامن في العالم العربي، تثبت ذلك. نحو 240 شابًا فلسطينيًا ضحوا بحياتهم عبثًا، والآلاف بصحتهم. وحتى الآباء الروحيون لحماس، الإخوان المسلمون، شطبوا من المجال العربي، الذي أصبح معقدًا ومنقسمًا من الجانب الديني أيضًا. لو عرفت الحقيقة لكان من شأني أن أصدق نظرية المؤامرة التي تقول إن محافل في اليمين القومي الإسرائيلي المتطرف يقفون خلف تظاهرات الجدار في غزة، ويحرضون الجماهير على المشاركة فيها. فالتظاهرات لا تعرض إسرائيل لأي خطر، ولكنها تخدم الادعاء الذي يقول إنه في أساس الصراع بيننا وبين الفلسطينيين يوجد عدم تسليم بمجرد وجود إسرائيل مهما كانت حدودها. كما أنها تثبت العجز التام للمنظمة الفلسطينية التي تدعي الحق في السيادة للعمل في الميدان لتحقيقها. لا يعرف أحد كم من التأييد كانت ستحظى به حماس لو أجريت في السلطة الفلسطينية، بما في ذلك غزة، انتخابات ديمقراطية سرية.
لحماس سلاح، وأنفاق، وصواريخ، وبالونات حارقة وميليشيا عسكرية. ليس لديها الرغبة ولا القدرة على الحكم كما يظهر على نحو جلي في الـ 12 سنة الأخيرة. ليس لها شرعية لأن تظهر في المحاكم الشرعية كصاحبة السيادة في قطاع غزة. ومحظور منحها شرعية كهذه. مكانتها مثل مكانة المنظمة الإجرامية «FARC» في كولمبيا: في كل تسوية ذات احتمال نجاح، عليها أن تنزع سلاحها (مثلما نزع 7 آلاف من مقاتلي «FARC» سلاحهم) ثم نقل كامل الحكم في القطاع للسلطة الفلسطينية. هذا صحيح اليوم حتى أكثر مما في 2006. ومثلما يدعون في الجيش والمخابرات الإسرائيلية، ومثلما تدعي رئيسة المعارضة تسيبي لفني ـ فإن تسوية حقيقية في غزة، وتسوية تحرر لسكان الجنوب من الكابوس المتواصل، لن تتحقق دون عودة كاملة للسلطة الفلسطينية كربّ بيت كامل إلى القطاع.

سيفر بلوتسكر
يديعوت 21/10/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية