إسطنبول: أعلن رئيس تركيا رجب طيّب إردوغان الأحد، أن سلطات بلاده ستكشف خلال أيام “الحقيقة الكاملة” بشأن مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في اسطنبول.
ورفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتخاذ موقف صارم من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ودافع عنه باعتباره شريكاً تجارياً مهماً رغم مطالبة القوى العالمية بأجوبة حول مقتل خاشقجي، المنتقد للقيادة السعودية والكاتب في صحيفة “واشنطن بوست”، في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر.
ولكن، بعد وصفه الرواية السعودية بأنها “ذات مصداقية”، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في رد فعل جديد، أن الرواية السعودية “تنطوي على مغالطة وأكاذيب” مضيفا في مقابلة مع واشنطن بوست أن “رواياتهم تحتمل الكثير من التأويلات”.
ومساء الأحد أعلن مصدر في الرئاسة التركيّة أنّ إردوغان اتّفق مع ترامب خلال مكالمة هاتفية على “وجوب توضيح قضيّة خاشقجي بكلّ جوانبها”.
من جانبه، أكد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الأحد أن ولي العهد السعودي “لم يكن على علم” بمقتل خاشقجي وأن المملكة لا تعرف أين جثته، مؤكدا أن العاهل السعودي مصمم على محاسبة قتلة الصحافي.
وقالت فرنسا وألمانيا وبريطانيا في بيان مشترك الأحد: “لا تزال هناك حاجة ملحة لتوضيح ما حدث بالضبط في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر (بحيث) يتخطى النظرية التي وردت حتى الآن في التحقيق السعودي والتي يجب أن تكون مدعومة بالوقائع لكي تُعتبر ذات مصداقية”.
وبعد اختفاء خاشقجي في الثاني من تشرين الأول/اكتوبر 2018، أقرت السلطات السعودية السبت بأنّ الصحافي السعودي قُتل في قنصليتها في إسطنبول إثر وقوع شجار و”اشتباك بالأيدي” مع عدد من الأشخاص داخلها.
وقال النائب العام السعودي سعود المجيب إن نقاشا بين خاشقجي وبين مستقبليه في القنصلية أدى إلى “شجار” أودى بحياته، بحسب ما نقلت عنه وكالة الأنباء السعودية الرسمية.
من جانبه قال علي الشهابي وهو يدير مركز أبحاث مقرب من السلطات في المملكة، إن جمال خاشقجي قضى خنقاً.
وبحسب وزارة الإعلام السعودية، فإن الأشخاص الذين استجوبوا خاشقجي (59 عاما) في القنصلية سعوا إلى “إخفاء ما حصل”.
غير أن هذه المعلومات التي أعلنتها السعودية قوبلت بكثير من التساؤلات والتشكيك خصوصا في الغرب، ولا سيما في ظل الغموض الذي يلف مصير الجثة، علما بأن السلطات سبق أن أكدت أن الصحافي خرج من القنصلية.
ويقول مسؤولون في الأجهزة الأمنية التركية إن خاشقجي تعرض للتعذيب وقتل داخل القنصلية على أيدي فريق سعودي من 15 فردا جاء خصيصاً إلى تركيا لاغتياله. وبحسب صحف تركية فإن جثته تم تقطيعها.
-“غير متماسكة وتفتقر للمصداقية”-
وأعلنت الرياض إقالة المسؤول الثاني في المخابرات السعودية اللواء أحمد العسيري وثلاثة آخرين من كبار مسؤولي الجهاز، إضافة إلى مستشار “إعلامي” للقصر الملكي هو سعود القحطاني. وتم توقيف 18 مشتبها بهم.
لكن محللين غربيين رأوا في هذه الإجراءات محاولة لتحديد أكباش فداء، وإبعاد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن أي مسؤولية في القضية.
وفي برلين أعلنت المستشارة الالمانية أنغيلا ميركل أنّ بلادها لن تصدّر أسلحة إلى السعودية في الوقت الحالي.
وصرّحت ميركل للصحافيين في مقر حزبها: “أنا أتّفق مع كلّ الذين يقولون إنّه في ما يتعلّق صادراتنا المحدودة من الأسلحة إلى السعودية، فإنّها لن تحدث في الوضع الحالي”.
والشهر الماضي وافقت ألمانيا على تصدير أسلحة بقيمة 416 مليون يورو (480 مليون دولار) إلى السعودية للعام 2018.
من جهتها اعتبرت كندا أنّ الوقائع التي سردتها الرياض “غير متماسكة وتفتقر إلى المصداقية”، مطالبة بإجراء “تحقيق معمّق”.
وطالبت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني السبت بتحقيق “معمق وشفاف”.
أما رئيس الوزراء الاسترالي سكوت موريسون فقال الأحد، إن التفسير السعودي “غير متماسك” و”لا يجدي نفعا”.
كذلك، دعت الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية إلى إجراء تحقيق مستقل لكشف ملابسات مقتل الصحافي السعودي.
وبدا ترامب محرجا جراء هذه الأزمة وسط انتقادات حتى داخل معسكره الجمهوري، لكنه يرفض المساس بالعقود الهائلة خصوصا العسكرية مع السعودية.
في المقابل أشادت الإمارات ومصر والبحرين والكويت وسلطنة عمان والأردن والسلطة الفلسطينية بقرارات العاهل السعودي بشأن قضية خاشقجي.
ورحب الإعلام السعودي الأحد بالخطوات التي اتخذتها المملكة.
وكتبت صحيفة عكاظ السعودية الأحد: “العدالة قائمة ..المحاسبة قادمة” على صفحتها الأولى، بينما كتبت صحيفة الرياض “مملكة العدالة والحزم” بعد الإعلان عن قضية خاشقجي.
-“لحظة مزعزعة”-
واصل المحققون الأتراك عمليات البحث، حيث فتشوا غابة قرب اسطنبول. وفقد خاشقجي المعروف بانتقاداته لسياسة الرياض، بعد أن دخل في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر القنصلية السعودية في اسطنبول.
وتمت دعوة 25 شاهدا الأحد من قبل النيابة في تركيا، بحسب تلفزيون “إن تي في”. وكان عاملون في القنصلية السعودية باسطنبول أدلوا الجمعة بشهاداتهم أمام محكمة في اسطنبول بينهم تقنيون ومحاسبون وسائق.
وكتب الخبير في شؤون الشرق الأوسط مايكل ستيفنز في المعهد الملكي في تغريدة على موقع تويتر: “هذه أكثر لحظة مزعزعة في سياسة الشرق الأوسط منذ الربيع العربي”.
من جهتها اعتبرت منظمة العفو الدولية في بيان أنّ نتائج التحقيقات السعودية “غير جديرة بالثقة”، وأن “إجراء تحقيق مستقل “هو الضمانة الوحيدة بوجه ما يبدو أكثر فأكثر إخفاء سعوديا لظروف قتل خاشقجي”.
وأثارت هذه القضية أيضا العديد من التكهنات حول إمكان أن تؤدي إلى إزاحة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (33 عاما) من السلطة من قبل أعضاء آخرين في العائلة المالكة.
ولكن الملك السعودي أصدر فجر السبت أمراً بتشكيل لجنة وزارية برئاسة ولي العهد لإعادة هيكلة جهاز الاستخبارات العامة وتحديد صلاحياته، ما يشير الى أنه حريص على بقائه، بحسب محللين.
كما سعى ترامب في مقابلته مع “واشنطن بوست” الأحد، إلى الابتعاد عن تحميل المسؤولية للأمير محمد بن سلمان الذي وصفه بأنه “شخصية قوية” و”يحب بلده بصدق”.
وأضاف الرئيس الأمريكي: “لا أحد قال لي إنه مسؤول. ولا أحد قال لي إنه غير مسؤول. لم نصل بعد إلى هذه النقطة”، معتبرا أن هناك “احتمالا” أن يكون ولي العهد قد علم لاحقا بما حدث في القنصلية.