فلنعتذر للشعب المصري

■ وأنا أول المعتذرين، اعتقدنا أن غالبية المصريين تؤيد المشير السيسي في اغتصابه للسلطة وتسمية الانقلاب ثورة ثانية. امتلأت الصحف والفضائيات والاذاعات بتحشيد الشعب للوقوف مع العسكر وشيطنة المعارضين ووصفهم بالارهابيين، امتلأت السجون والمعتقلات بالأحرار وتوالت الاحكام الجائرة حتى على الاطفال، وكذا الغرامات المالية الباهظة على الناس الذين بالكاد يجدون لقمة العيش. خيل للكثيرين ان الشعب ابتلع الطعم وأن الانقلابيين نجحوا في مهمة التضليل غير المسبوقة في التاريخ، ولكن هيهات. معظم المصريين بسطاء طيبون، ولكنهم في الوقت نفسه لا تنقصهم الفطنة، ويدركون كيف يميزون بين الطيب والخبيث. ضمائرهم حية، ولا يقبلون الضيم، فالتاريخ شاهد على انهم ينتفضون عليه في الوقت المناسب.
بدأت الحكاية بكذبة الثلاثين مليونا الذين خرجوا الى ميدان التحرير في الثلاثين من يناير/كانون الثاني 2013، وميدان التحرير هذا لا يتسع لأكثر من اربعة ملايين اذا وقف الناس كالبنيان المرصوص، لعب الاخراج السينمائي دورا بارزا وكذا الفوتوشوب في تضخيم الصورة وايهام الناس ان المصريين لا يريدون الرئيس الذي انتخبوه قبل سنة. قبلها قالت حركة «تمرد» انها جمعت اكثر من عشرين مليون توقيع لعزل الرئيس، وان سألت احدهم اين هذا التواقيع يجيبون بسرعة على سؤال آخر. هذه الاوراق التي جمعت عليها التواقيع يلزم عدة بنايات لخزنها والاف الشاحنات لحملها، وهم لا يدعون انهم جمعوها الكترونيا او على قرص مدمج، انهم ببساطة يكذبون، فليسموا انفسهم بحركة «تجرد» من كل القيم الاخلاقية، او حركة «تفرد» بالتضليل، او حركة «تبلد»  بالاحاسيس والمشاعر الانسانية، او حركة «تعدد» باساليب الخداع.
ظهر المشير قبل الانتخابات في لقاءات تلفزيونية، وبدا الرجل ضحل الفكر والرؤية ان وجدت اصلا، ولم ينفعه صمته الطويل، بل الاجابة او اللااجابة) الذي صوره مؤيدوه على انه علامة الحكمة المطلقة، وقرأه الناس علامة على الخواء. يقول الناس ان هذا كشفه وعرّاه امام الذين عكفوا عن انتخابه، ولكنها لم تكن المرة الاولى. فقد بدأت هشاشته في التسريبات المرئية والصوتية، وكذا احلامه الاربعة الشهيرة المسلّية. المصريون عرفوه على حقيقته منذ اليوم الاول للانقلاب، ولم ينفعه انه احاط نفسه برجال الدين وحزب النور والناصريين ومرشحين رئاسيين سابقين لم يعطهم المصريون اصواتهم في الجولة الاولى من انتخابات 2012، وشخصيات تسمي نفسها رموز الثورة اكتشفت لاحقا انه غرر بها، فعارضته لاحقا فكان نصيبها السجون، بقرارات من محاكم مدنية يسيّرها العسكر بالريموت كونترول.
جاءت الانتخابات المصرية، الامتحان، وعند الامتحان يكرم المرء او يهان، وقد اهين العسكر، وحمدين صباحي الذي رضي لنفسه ان يكون قطعة ديكور وضعت في غير مكانها، ولم يلتفت لها أحد. المصريون اصحاب نكته بديهية بلا منازع، في سباق رئاسي بين مرشحين اثنين، حلّ حمدين صباحي ثالثا. بعد الاصوات الملغاة التي زادت عن المليون، بينما لم يحصد صباحي الا على اقل من ثلاثة ارباع المليون. لنعد الى لب الموضوع، المصريون الذين يحق لهم التصويت يقارب الـ55 مليونا، يقول الاعلام المصري ان الذين صوتوا يقارب الـ25 مليون وان السيسي حصد ما يزيد عن 96 بالمئة من هذه الاصوات. الاعلام المصري المؤيد للسيسي بالمطلق كان مذيعوه ومذيعاته يضربون كفا بكف وكادوا يلطمون الخدود ويشقون الجيوب (وهذا لن تسمح به الرقابة على الهواء مباشرة) على رؤية المراكز الانتخابية الخاوية على عروشها، ثم انشق الصباح عن المهزلة فما كان لشهريار الا ان يمدد الانتخابات يوما آخر ويهدد الموظفين الحكوميين البسطاء بخصم من الراتب، واعطي لهم يوم اجازة حتى ينتخبوا، وجنّدت باصات الحكومة لنقل الناس لمراكز الاقتراع. مع هذا كله يبدو على احسن تقدير ان عدد المقترعين لم يتجاوز الـ4 او الـ5 ملايين، فالقائمون على الانتخابات هم انفسهم فلول مبارك ومؤيدو العسكر، اذن لا غضاضة من ان يضرب عدد المقترعين بخمسة او ستة لتجميل الصورة، كالقبيحة التي تملأ وجهها مكياجا فتزداد قباحة.
لقد قال المصريون كلمتهم، اكثر من مليون ذهبوا للاقتراع فقط ليسجلوا مواقف ضد الانقلاب ومهزلة الانتخابات. شبكات التواصل الاجتماعي واليوتيوب تعج بملايين التعليقات الكوميدية التي كتبت على اوراق الاقتراع والتي تنافس في سخريتها اجمل مسرحيات عادل امام. لا يتسع المجال لذكرها الان، ولكن ان كنت مكدّر المزاج، مكتئبا، فما عليك الا زيارة هذه المواقع للترفيه عن النفس، والضحك من كل قلبك على الانقلابيين وما قرأوه، بالاكراه.
غالبية المصريين قاطعوا هذه «الانتخابات» وهذه الغالبية ليست اخوانا مسلمين، بل هم خليط منهم ومن المصريين المناهضين لحكم العسكر والتدليس السياسي الذي يمارسه العسكر واعلامهم، هؤلاء المصريون، بصمتهم، قالوا «لا» عالية مدوية في آذان العسكر كادت تفقدهم حاسة السمع، ربما الحاسة الأخيرة المتبقية. الصمت هذا سيتحول قريبا الى ثورة عارمة ضد العسكر، طغمة العسكر هذه لا تليق بمصر ولم يلق بمصر كل العسكر الذين حكموها من قبل. مصر تليق بها ديمقراطية حقيقية، يمثلها من لا يكذب عليها ويحاول تضليلها.
قد تجدون في هذه الصفحة من «القدس العربي» مقالا آخرا يقول ان الشعب المصري اختار رئيسه الذي يحبه، لان بعض الناس ما زالوا غارقين في اوهامهم لا يتزحزحون عنها قيد انملة مع كل الحقائق من حولهم، ربما كانوا واهمين، او منتفعين، او منتظري منفعة ما، كحقيبة وزارية، وربما ينقلبون على السيسي والعسكر إن وجدوا انفسهم بعد ان ينجلي غبار المعركة بلا حقيبة.
حزب النور أعلن سريعا ان الرئيس السيسي رئيس شرعي أتت به الصناديق ولا يجوز الانقلاب عليه، من باب انه لا يجوز، في فكرهم الخروج على الوالي، يا جماعة احترموا عقول المصريين، ايّدوا الوالي والخليفة ان شئتم، ولكن من باب الحياء انتظروا على الأقل النتائج الرسمية للانتخابات للخليفة الذي تطيعون. الحركات السلفية إما جهادية كالقاعدة اساءت لسمعة المسلمين في العالم كله، وأما سلفية غير جهادية كحزب النور هذا الذي يميّع على الناس دينهم، لكن هذا موضوع طويل، ربما لمقال آخر لاحقا.
عذرا أيها المصريون فقد كان الاعلام مضللا الى درجة ان اعتقدنا انه «أكل عقولكم» وكدنا نجّن وقد اعتقدنا انهم نجحوا في مهمتهم، فاذا بكم يوم الحسم تبرهنون لهم الا أحد يقدر على خداعكم، وأنكم صاحون . لقد لقنتم العسكر درسا قاسيا، وانهيتم اسطورة السيسي التي حاولوا تمريرها، لقد ثقبتم الفقاعة، ظلمناكم ، وأنا أول المعتذرين.

٭كاتب فلسطيني    

د. خليل قطاطو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية