هوامش على دفتر الرئاسة

■ ربما لا يكون خـــــبر رئاسة عبد الفتاح السيسي جديدا، ولا مفاجأة في فوزه بما يشبه الإجماع، وقد تحول من شهور إلى ظاهرة شعبية فياضة، ولم يكن فوزه الانتخابي الساحق سوى توثيق بلغة الصناديق لوجدان مصري غلاب.
ولا معنى للجاج كثير أو قليل حول نسبة المشاركة في التصويت، أو حول مد فترة الانتخابات إلى يوم ثالث، أو سواها من مظاهر ارتباك عمل اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، فالحقائق وحدها تتكلم، ولجنة الانتخابات ذات تشكيل قضائي رفيع، ولا يصح الزعم بوجود تأثير على عملها من أية جهة كانت، وقد مدت عملها إلى اليوم الثالث، رغم رفض حملتي المرشحين عبد الفتاح السيسي وحمدين صباحي، وبدا أنها ـ أي اللجنة ـ تكفر عن عقدة ذنب تجاه مشكلة تصويت ملايين المغتربين داخل مصر، وهي المشكلة التي خلقتها اللجنة بنفسها ولنفسها، وحرمت قرابة سبعة ملايين ناخب يقيمون بعيدا عن مدنهم وقراهم من حقهم في التصويت، بدواعي الحرص على تجنب شوائب أو احتمالات ازدواج التصويت، ولم يكن سلوك اللجنة عادلا تماما، إذ أنها حرمت المغتربين في الداخل من بعض ما سمحت به للمغتربين خارج مصر، ثم أن هؤلاء المغتربين في الداخل مارسوا حقوقهم المطلقة في التصويت، وفي أي لجنة انتخابية، خلال جولتي رئاسة 2012، وكانت تفرد لهم كشوف خاصة، ولم يطعن أحد في انتخابات 2012 التي فاز بها محمد مرسي، من هذه الزاوية بالذات، فوق أن انتخابات 2012 جرى فيها السماح بالتصويت البريدي للمصريين بالخارج، وهو ما لم تسمح به لجنة الانتخابات الرئاسية هذه المرة، والمحصلة أن قرابة 14 مليون مصري من المغتربين في الداخل والخارج، تعرضوا لظلم انتخابي صريح، فقد ضاقت أو انعدمت فرصهم في التصويت الميسر، وهو ما قد ينزل فعليا بعدد 54 مليونا جرى تسجيلهم آليا في قاعدة بيانات الناخبين إلى ما يزيد قليلا عن 40 مليونا، ويصعد بالنسبة الفعلية للمشاركين في التصويت إلى ما يزيد عن ستين بالمئة، وليس نسبة الـ47٪ المنسوبة إلى إجمالي 54 مليونا، وهذه نسبة تصويت معتبرة وغير مسبوقة منذ ثورة 25 يناير 2011، وزادت أعداد المصوتين بثلاثة ملايين عن جملة المصوتين في الجولة الأولى لانتخابات رئاسة 2012، وزادت بمئات الآلاف عن 26 مليونا صوتوا في انتخابات إعادة مرسي وشفيق، وحصل السيسي وحده على قرابة ضعف عدد الأصوات التي فاز بها مرسي، رغم أن انتخابات 2012 شارك بها ثلاثة عشر مرشحا للرئاسة، وكان التصويت ميسرا للكافة، وبكل السبل، للمغتربين والمقيمين، وبدون تضييقات وإجراءات تصويت مشددة و»حنبلية» كما جرى في انتخابات 2014، وهي التي انحصرت المنافسة فيها بين مرشحين اثنين، وكانت الغلبة الساحقة ظاهرة فيها لمرشح بعينه هو عبد الفتاح السيسي، وعلى نحو ما أكدته رسميا نتائج انتخابات عينة المصريين بالخارج قبل انتخابات الداخل، وهو ما قد يفسر عزوف قطاع من المصوتين عن أداء واجبهم الانتخابي، فقد بدت الانتخابات خالية من طعم المنافسة، فهي انتخابات لبرنامج واحد توزع على اثنين من المرشحين، وفاز فيها برنامج الوطنية المصرية بامتياز، وبإيحاء مثله الملهم جمال عبد الناصر، وخسرها حمدين صباحى تصويتا، لكن جوهر برنامجه فاز في شخص عبد الفتاح السيسي، وهو الرجل الذي صدق الناس فيه إيحاء جمال عبد الناصر بأكثر مما صدقوا غيره.
وثمة ملاحظة جديرة بالاعتبار، وهي ارتفاع نسب المشاركة الانتخابية بعد الموجة الثورية الأعظم في 30 يونيو/حزيران 2013، وهي التي أنهت زمن وحكم الإخوان، وقد يقال لك ان عدد المصوتين في انتخابات الرئاسة الأخيرة أقل من ثلاثين مليونا شاركوا في مظاهرات يونيو ويوليو/تموز وما بعدها، والملاحظة تبدو صحيحة في ذاتها، سوى أنها تغفل حقيقة أن قطاعا معتبرا من المتظاهرين كان دون سن التصويت أصلا، ومن هنا كانت أهمية الاحتكام مجددا إلى صناديق التصويت، وبدون إغراءات الزيت والسكر وغيرها من الرشاوى الانتخابية، وبدون التخويف المفتعل من عذاب النار، أو الوعد الكاذب بنعيم الجنة، وقد كانت تلك لغة الإخوان في الحشد والتصويت، وقد زالت غشاوتها عن الأبصار بعد الموجة الأعظم لثورة يناير في 30 يونيو، وصار التصويت نقيا وحلالا إلى أبعد حد، وحلت الدواعي الوطنية والعقلية محل الدعاوي الخرافية المسيئة لدين الإسلام، وظهرت كتلة «تصويت نسائي» بحجم يفوق ضعف كتلة تصويت الإخوان وحلفائهم في عز قوتهم الغابرة، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة المشاركة في انتخابات الرئاسة الأخيرة، وقبلها في استفتاء دستور 2014، فقد بلغ عدد المصوتين فيه قرابة الواحد والعشرين مليونا، بينما كان عدد المصوتين في استفتاء دستور 2012 ـ المعروف إعلاميا بدستور الإخوان ـ يزيد قليلا عن 17 مليونا، ورغم تسهيلات التصويت التي كانت متاحة في 2012، وقبلها في التصويت العشوائي الذي جرى باستفتاء 19 مارس/اذار 2011، والمعروف إعلاميا باسم «غزوة الصناديق»، ولم يشارك به سوى 18 مليونا، وقد لا تكون مقامرة، لو توقعنا استطراد للظاهرة نفسها في انتخابات البرلمان المقبلة، وقد لامست نسبة المشاركة في انتخابات البرلمان 2011 حدود الستين بالمئة، وهو أمر مفهوم بالنظر لوجود آلاف مؤلفة من المرشحين المتنافسين، وهم الذين نتوقع زيادة أعدادهم في الانتخابات المقبلة، وزيادة نسبة المشاركة، خاصة لو جرى التوصل إلى حلول مطمئنة تكفل تيسير حق المغتربين في التصويت، وحبذا لو جرت دراسة مفصلة وتصميم مأمون لطريقة تصويت إلكتروني، فمعركة انتخابات البرلمان بنفس أهمية ـ وربما تفوق ـ معركة انتخابات الرئاسة، وربما لا يكون لغياب الإخوان من أثر محسوس, فقد نزلت شعبيتهم إلى حدود السبعة بالمئة، وهي نفس نسبة التصويت في انتخابات مجلس الشورى المنحل والملغى، وهو المجلس الذي يتفاخر الإخوان بشرعيته الجبارة (!).
وارتفاع نسب التصويت وحده لا يكفل بناء نظام ديمقراطي فعال، فقد مرت مصر بمرحلة انتقالية غاية في الصعوبة والتعقيد، وفشلت الصورة الأولى المتعثرة للمرحلة الانتقالية بخلع الإخوان عن الحكم، و»أعادت البلد السنة» كما توقعنا مبكرا في أيام مجلس طنطاوي وعنان، وبدأ وضع الهرم على قاعدته ـ لا على رأسه ـ بعد الموجة الثورية في 30 يونيو 2013، وصدر الدستور المنقح أولا، وحصل على التصويت بنعم من عشرين مليون ناخب، وهو ضعف الرقم الإيجابي الذي حصل عليه «دستور الإخوان»، ثم بدأت الانتخابات بعد إقرار الدستور أولا، فالأساسات تحفر أولا، ثم تبنى العمارات، وهذا هو الطريق الصحيح لانتقال ديمقراطى محكوم بنص الدستور، وارتفاع نسب التصويت الانتخابي خبر سار، لكن الحياة السياسية ـ والحزبية بالذات ـ ليست كذلك، فقد أظهر الاستفتاء على الدستورـ وبعده انتخابات الرئاسة ـ فراغا مخيفا، لا يملأه إلى الآن سوى علاقة تجاوب مباشر بين شعب وقائد أقدار، وتلك ظاهرة مقلقة، وربما مفزعة، وشاغلة حتى للرجل الذي صار رئيسا بأصوات الناس الحرة، فقد أكد السيسي ـ مرارا ـ أنه لن ينشئ حزبا سياسيا، ولن ينضم إلى حزب، وهو موقف صحيح تماما، ويكفل له التفرغ لمهام إنجاز اقتصادي واجتماعي وسياسي تحتاجها مصر بشدة، أما الأحزاب فشيء آخر، وهي مهمة المجتمع لا مهمة الرئيس، وفي مصر قانون يكفل حرية تكوين الأحزاب، ونشأت بموجبه عشرات تلو العشرات من الأحزاب، والكثير منها ليس سوى لافتات لا يلتفت إليها أحد، وبعضها الأقوى نسبيا مجرد ادعاءات فارغة، وتؤدي أدوارا أشبه بمكاتب المحاماة، أو تقيم تكوينات وتجمعات أشبه بنوادي الروتاري، ولم يظهر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة نشاط يذكر لحزب واحد ممن يحبذون المشاركة، لا من الذين أعلنوا تأييدهم لحمدين صباحي، ولا من الذين انضموا بإعلان الحماس لظاهرة عبد الفتاح السيسي، اللهم إلا نشاط تظاهري محدود جغرافيا لحزب النور السلفي، في حين اختفي «الفلول» تماما، وبان عجزهم، وظهرت قلة حيلتهم، فقد حاولوا ركوب موجة عبد الفتاح السيسي، وتظاهروا بإنشاء عشرات مما اسمي بالحملات الشعبية، ثم انكشفت لعبتهم سريعا، فهم يريدون من السيسي أن يحكم بهم لا أن يحكم عليهم، وهو ما رفضه السيسي علنا، وأكد أنه ليست لديه فواتير يسددها لأحد، ثم كانت إعادة سجن مبارك ونجليه نذير شؤم للفلول، وإعلان السيسي عزمه مواجهة «المافيا» نذير خطر، وصلت إليهم رسائله، وهو ما يفسر تآمر الفلول الفعلي على السيسي في انتخابات الرئاسة، وتواطؤ «جماعة البيزنس» ضده، من خلال الفضائيات المريبة، وإشاعة انطباعات زائفة بضعف الإقبال على التصويت الانتخابي، وإلى حد بدت معه تلك الرسائل كأنها اختبار قوة مبكر لجماعة مبارك، وتماما كرسائل المضاربات وانهيارات البورصة، وإشاعة انطباعات عن سيطرة جماعة البيزنس على السوق، ومقدرتهم على لي ذراع السيسي الذي يريد رد اعتبار دور الدولة الجوهري في الاقتصاد، وتصفية امتيازات المليارديرات اللصوص، والدخول في معركة «تكسير عظام»، ومحاولة الفلول ـ مع جماعة البيزنس ـ للسيطرة على البرلمان المقبل، وتحويله إلى منطقة نفوذ تشل يد السيسي، وهو ما قد يصح أن تلتفت إليه القوى الوطنية والديمقراطية والثورية الحقيقية، فوجود رئيس شعبي لا يكفل وحده انتصارا للثورة اليتيمة، واجتماع القوى الثورية بكافة تياراتها وأجيالها هو واجب الوقت الآن، فقد كانت ـ ولا تزال ـ معضلة الثورة في التناقض المرئي بين مشهد الثورة ومشهد السياسة، مشهد الثورة ـ من يناير إلى يونيو ـ يخلع القلب فرحا، بينما مشهد السياسة يقبض الروح حزنا وكمدا، وتسيطر عليه أطياف وثروات اليمين الديني والفلولي والليبرالي، والمطلوب: جراحة عاجلة ممكنة في مشهد السياسة، وبناء تحالف وطني ديمقراطي اجتماعي جامع لأقسام الوسط واليسار، وبهدف التمكين الحقيقي للثورة، والتمكين الحقيقي للشباب والنساء، وبدفع المئات للترشح على مقاعد البرلمان، وتوفير كافة الموارد البشرية والمالية لخوض حملة سياسية انتخابية ناجحة، تستفيد من المزاج العام الذي يعزل اليمين الإخواني في ركن ضيق، وينفر من اليمين الفلولي وجماعة البيزنس في الوقت نفسه، ويبني رأس جسر قوية في البرلمان، تكون قاطرة ميدانية مؤثرة في تحريك الجهد الواعي لبناء حزب جماهيري كبير، ينتصر للثورة اليتيمة، ويواصل أشواطها باقتدار.
تلك كلها مجرد هوامش عابرة على دفتر انتخابات الرئاسة الأخيرة، وقد يصح أن نلتفت إليها الآن قبل فوات الأوان.

٭كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية