عشرة مداخل لفهم وتأويل المنجز السردي لدى حليفي شعيب

حجم الخط
2

واضح أن هذا العنوان يخفي ورطة النقد حينما يجابه مدونة روائية متسعة، متنوعة وغير منتهية في الزمان والمكان.كما يخفي كذلك، صعوبة في الإلمام بأعمال الكاتب وهو لا يزال حيا، لأن كل قراءة مشروطة بزمانها ومكانها وآليات تلقيها.
إن مدونة حليفي الروائية المتكونة من عدد محترم من النصوص الروائية المتنوعة والمركبة مساء الشوق (1992)، زمن الشاوية (1994)، رائحة الجنة ( 1996)، مجازفات البيزنطي (2006 )، أنا أيضا: تخمينات مهملة (2012)، لا أحد يستطيع أن يقفز فوق ظله (2012))، لا تترك مجالا للشك بالنسبة للملاحظ الموضوعي في القول، إن المدونة الروائية التي نحن بصدد التقاط أهم خصائصها التيماتيكية والتداولية والسردية-الأسلوبية، تشكل نسقا روائيا يتميز بالوحدة والتنوع والتكامل. وهذه المدونة تتميز بمواكبتها لما هو تاريخي واجتماعي وثقافي وسياسي ونقدي وذاتي ، الأمر الذي يضعنا سواء أقررنا بذلك أم لم نفعل، أمام مشروع روائي له مقدماته الصغرى والكبرى ونتائجه. ومن هنا، إذا كان من الصعب الآن، وفي هذا الظرف، تقديم هذا المشروع في شموليته وتفصيلاته وتدقيقاته، فإننا نقترح على قارئ روايات حليفي عشرة مداخل لاستكناه طبيعته، واكتشاف آلياته وتمثل وضعه الاعتباري في إطار مدونة الرواية المغربية .ومن أجل ذلك اخترنا أن تكون قراءتنا لروايات الكاتب، ثلاثية الأبعاد؛ تيماتيكية (حيث سنشير إلى التيمات الكبرى والعامة المؤطرة لهذه المدونة)، وتداولية (حيث سنركز على مظهر مهم في أعمال حليفي يتمثل في انفتاح السارد على المسرود له، وما يترتب على ذلك من ردم للهوة بين الكاتب والقارئ كطرفين افتراضيين، وما بين السارد والمسرود له باعتبارهما كائنين داخل نسق الحكاية)، وسردية ـ أسلوبية (حيث سنقف عند أهم المسطرات السردية-الأسلوبية العامة التي تدبر صياغة نصوص حليفي الروائية، وتكشف عن الاشتغال النصي والجمالي الذي يميز مدونة الكاتب روائيا).
– المدخل الأول: الرواية وتشخيص الواقع:
في رواية «مجازفات البيزنطي» نجد تشخيصا للتحولات العنيفة التي عرفها المغرب إثر تجربة التناوب. وفي هذه الرواية تشخيص للأحلام والآمال التي راودت المغاربة، على إثر هذه التجربة، تماما مثل تلك الأحلام والآمال التي راودت المغاربة بعيد الاستقلال. وإذا كان حليفي قد جعل من «زمن الشاوية» تشخيصا لتاريخ مفقود، ولكن مأمول في استعادته، أي محاولة توصيف السوسيوثقافي، فإنه في رواية «أنا أيضا» مال إلى تشخيص العقائد والمعيش. بل إن هذه الروايات ترفع الحجب عن أوهام الذوات وتشخص، بشكل مؤلم، مساهمة الذات في نشر الأوهام وتزوير الواقع. جاء في نص «أنا أيضا» قوله:
« …فأنا أيضا أعي بأنني أبيع الأوهام وأساهم في صنعها محاولا إلى جانب غيري إيهام ألآخرين بأننا نؤسس لأفكار جديدة وللمستقبل …وكل ما نشتغل فيه كتابة وقولا هو بناء منطقي متصل عموديا وأفقيا بكل ما سبق حتى نضمن للأنا وضعها الاعتباري ونبرر وجودنا كما يبرره المحاربون».
المدخل الثاني: الهوية السردية :
وتشخيص الواقع ، في روايات حليفي، ليس إلا مقدمة لصياغة هوية سردية خاصة، وهي نوع من الهوية يكتسبه الناس، من خلال وساطة الوظيفة السردية. ولذلك ذهب بول ريكور إلى أن «الشخص حين نفهمه كشخصية في قصة، ليس بكيان مختلف عن تجاربه. على العكس من ذلك فإن الشخص يتمتع بنظام الهوية الدينامي نفسه الخاص بالقصة المحكية…»يصوغ حليفي في رواياته جميعا هوية لها جغرافيتها ومذاقها وحدودها. وهو لا يَني، في كل مناسبة عن التنصيص على ذلك، طورا باسم المحلية، وطورا آخر باسم الإخلاص للأرض والفلاحين. ففي روايته الثانية «زمن الشاوية» نجد تأسيسا لرؤية زمنية خاصة. ففي مقابل صيرورة تاريخ مركزي ورسمي، ينشئ السارد تاريخا عابرا لكنه موجود في الأجساد والأغاني والأحلام وفاعل في كل شيء، تاريخ يتم انبعاثه لمناهضة تاريخ قائم، في إطار ما يسميه بيل أشكروفت وغاريت غريفيث وهيلين تيفن بـالرد بالكتابة أو ما أسميه بالمقاومة بواسطة الأدب. وقد انتبهت الباحثة السورية شهلا العجيلي (في إطار تحليلها لرواية «لا أحد يستطيع…») إلى هذا الجانب حينما شبهت الكاتب بهكتور أو آخيل. والواقع أن الهوية السردية يتم بناؤها من خلال أكثر من مادة سردية أو حكائية (اللغة، الشخصيات، الزمان، المكان….) قصد خلق نوع من الإنسجام الداخلي ضد أي عدو خارجي، وفي إطار رؤيا صوفية تنتصر لما هو فطري وهوياتي من خلال مراحل التعبير والوعي الإسطيطيقي.
– المدخل الثالث: الكتابة الروائية وإرادة المقاومة :
مفهوم الهوية السردية ليس إلا الوجه الظاهر لفعل آخر أكثر عمقا وقوة؛ نقصد بناء روح المقاومة من خلال فعل الكتابة الروائية، ذلك أن الرواية واحدة من أهم طرق التعبير عن المدركات الجديدة. إن روايات «زمن الشاوية ومساء الشوق ورائحة الجنة» هي بمثابة ردود على الثقافات الحواضرية، وتخريب للسرديات الأوروبية عن الشرق وإفريقيا ،واستبدالها بأسلوب سردي جديد أكثر لعبا وأشد قوة، تشكل مكونا رئيسيا في هذه العملية وانتصار الشكل وتجسيد نزاهة الكتابة التي لا تطمس الإحالة بل تجعلها غامضة ومشرقة. والحال أن هذه الروايات تبين عن نضج فني مرتكز على تقنيات سردية مراوغة، وبنيات متأبية على الفهم البسيط الذي يسعى لتضييق المسافة بين النصي والواقعي. وفي ذلك رد على المفهوم الكولونيالي للعولمة الذي اعتبر الأداة النقدية الأوروبية لتصنيف الثقافات والآداب من منظور يعيدنا إلى تلك العلاقة المشبوهة بين المعرفة والسلطة، بل ويذكرنا بالآثار المتبقية عن إمبراطورية الاسترقاق التي عمل ادوارد سعيد على تفكيكها، كاشفا عن اختلاقها لشرق يغذي خيالها وقوتها وتمركزها العرقي وعنصريتها الدفينة.
يقينا، إن روايات حليفي حينما تبتكر الآخر فإنما تراكم خبرة دلالية ودالية وجمالية، فكلما انغمر الكاتب في صياغة هويته وصون عناصر محليته إلا وتأثرت أطر إدراكه. وحليفي ليس مجرد كاتب رواية أو ناقدا، إنه فاعل متعدد الوجوه (جمعوي، نقابي)، ومن هنا يكون طبيعيا أن يبحث عن مصادر المقاومة وإتقان ردوده بشتى السبل، والرواية واحدة من أفضل هذه الأشكال لقدرتها على دس الواقعي في التخييلي، والتخييلي في الواقعي، في إطار يحفظ للكتابة الروائية فرادتها وقوتها على التأثير والإقناع والإمتاع.
المدخل الرابع: المحلية:
تشخيص الواقع وصياغة هوية سردية واعتبار الكتابة الروائية شكلا من أشكال المقاومة، تقود حتما إلى عملية تأصيل دلالية، تشير إليها الدراسات السوسيوثقافية تحت عنوان المواد المحلية. قارئ روايات حليفي لا يمكن أن يخفي انبهاره بعناصر محلية شديدة الخصوصية. ومن مظاهر ارتباط الكاتب بمحليته الجغرافية والزمانية أنه جعل رواياته الأولى نسقا متصلا ومتواصلا للتوصيف الاجتماعي المحلي في رواية «زمن الشاوية» التي تخفي بعدها الأليغوري: هل هو زمن مضى لكنه مترع بالمسرات والأحلام والآمال؟ أو زمن آتٍ يعد بممالك من الفرح والسعادة؟ إن رواية «زمن الشاوية» لا تخفي مقصديتها، فهي رواية لجماعة بشرية، في إطار من الجغرافيا والتاريخ والثقافة والأهواء والهوية. وهي تسعى سعيا محموما إلى إبراز دور الشاوية في حماية وحدة البلد، ونصرة من أمِّروا عليه، وصوتا لنخبه ماضيا وحاضرا. لهذا نصادف شخصيات بأسماء قبلية، وأسماء الأماكن ؛ جبال وغابات ووديان. وهنا تتأكد لنا صحة قولنا أن الكتابة الروائية لدى حليفي، خصوصا في رواياته الأولى، جاءت لتشيد تاريخا بديلا ومغايرا لتاريخ رسمي لطالما وضع الشاوية في خانة أرض السيبة وكسر عصا الطاعة. (وهذا ما يمكن أن يسعفنا على القول أن مدونة حليفي الروائية يمكن تصنيفها إلى صنفين :
– صنف جعل من الكتابة الروائية أداة مقاومة.
– وصنف جعل من الكتابة هدفا للمقاومة والانتقام(.
– المدخل الخامس: تجديد العلاقة مع القارئ :
لم يكتب حليفي يوما لنفسه بمعنى جعل الكتابة معادلا لأناه ونرجسيته الفادحة، لأن صور الآخرين كانت دوما تحتل عمق كيانه. فهو كاتب يتناص بالفطرة مع الواقع والحقيقة والوجود والإنسان. من هنا سر لغته الشفافة بل الشفيفة التي تقع بين لغة الشعر العميقة ولغة النثر المفعمة كنايات. نجد في رواية «أنا أيضا…تخمينات مهملة» حوارا أقرب إلى الحوار المباشر بين الكاتب والقارئ، لكنه يرد، في النص، بين الكاتب والبطل أو الشخصية الرئيسة: يقول له هذا البطل «أنا لا أحدد معنى الحياة التي أحياها.
« لكنك تضطر إلى تحديد وجودك فيها.. لا فرق.»
فيرد على الكاتب قائلا له «-أنت الذي تروي عني من زاوية نظرك. تستعمل لغتك لتخون المعاني التي جاهدت كي أرسمها… وسأكشف أنك لم تكتب عني وإنما عن نفسك.»

«-اكتب عنك لأهرب من ذاتي ومن السأم والضجر (أجبته بشيء من الصمت الراقي الذي نادرا ما يصيبنا)». إن كسر الكلفة بين الكاتب والقارئ إنما هو تحسين لصورة الكاتب، وإرساء لقواعد تواصلية تجعل من مدونة الرواية فضاء لا يكتمل إلا بوجود القارئ كطرف يُتم المعاني، بل وينشئها في الحياة. ليست هناك حالة غربة للقارئ في روايات حليفي لأن هناك وضوحا فكريا وتعاقدا على تواصل لا تشوبه شائبة من تعقيد أو تلغيز.
– المدخل السادس: الرواية واستعارة السخرية:
والقارئ ليس محفلا سلبيا، إنه يتم التعريض به، والسخرية من أحواله، تارة تلميحا وأخرى تصريحا.كل ذلك في إطار لعب تلفظي يسمح للكاتب بالمرور مباشرة إلى شاشة الواقع، فروايات حليفي تفيض سخرية ونقدا لكثير من أمور الحياة وما يكتنفها من نفاق وتدليس. في رواية «أنا أيضا» يجري حوار بين الذاكرة ومضاعفاتها :
« لعلك الآن لا تنساها وتتذكر في لحظات الغفوة المراكشية.. الحب الماراثوني… حين علمت أو سمعت أو تخيلت أنها جنت ودخلت المصحات النفسية الخاصة والعامة.. حملوها إلى بويا عمر فأعاد لها الفقهاء هناك حيويتها بالليل إلى أن انتفخ بطنها. وذات صباح قيل إنها انتحرت..». والسارد يصف الناس ومثالبهم ومحامدهم، وينتقد كل شيء على الحياة العامة من خلال كلامه عن المغاربة، ورد في الرواية نفسها قوله: «أريد أن أحدثك عن شيء لكن التعبير يخونني. أفكر في وطني ولكن ليس كما تفكر أنت. أطرد شعورا يتزاحم في أعماقي بأنكم لا تعيشون وإنما تنتظرون دائما.. حتى تموتوا. كل مغربي ينتظر شيئا لن يطوله.».
«هذه الاستثنائية التي تربط مصائركم بأوهام وتواريخ وابتداع مفردات وقرارات وكل ما يجعل النقاش بعيدا بمئات السنوات –ربما- عن الفعل الحقيقي لأسئلة حول جوهر إنسانيتنا..».
«أنت مثلا ما زلت تعتقد في الماضي وحينما تفكر في الحاضر والمستقبل فإنك لا تفكر إلا بالنظر في مرآة تعكس الماضي».
والواقع أن السخرية ترد في كتابات حليفي مجاورة للعب والانتقاد. وخير مثال على ذلك ما ورد في رواية «مجازفات البيزنطي»، بعامة، وفي «سيرة ذاتية» و»الرواية الأخيرة»، بخاصة.
– المدخل السابع: الرواية وتنويع طرائق التعبير:
ما سبق يمكننا من القول إن حليفي يرعى ورشته رعاية خاصة، وينوع صيغ كتابته الروائية تنويعا جديرا بالقراءة والتحليل. وقد رعت هذه الورشة ثقافةٌ ٌنقديةٌ لا تخفي على القارئ النموذجي، فهناك التقاطعات مع التاريخي (في زمن الشاوية)، والرَّحْلي (في رواية «لا أحد يستطيع…»)، وتقنية المذكرات (الرواية نفسها)، والسيري (الذاتي والغيري)، والتشذيري والتقطيعي.
– المدخل الثامن: الرواية واستبطانات الميطانقد :
لهذا ليس من باب الصدفة أن نجد كثرة المقاطع الميطانقدية، مقاطع تكشف عن المعرفة النقدية التي تشتغل في الخلف، وتوجه فعل الكتابة إلى مقاصده المعلومة. هنا يصبح فعل الكتابة مكشوفا ومصرحا به، الكاتب يكشف عن أوراقه، ويشي بنفسه ويرفع السرية عن علبته السوداء تاركا للقارئ إمكانية أن يتجسس على أسرار العلبة ويشارك الكاتب أسرار المهنة. في رواية «أنا أيضا..»، يخاطب السارد متلقيه مباشرة طالبا منه أن لا يخلط بينه وبين المؤلف قائلا :
«ما وقع لي (ولست بالضرورة المؤلف وإنما هي ترتيبات تقنية من إغراء نهر التخيل الجارف. بل لست أنا بالتأكيد) أن هذه الملفات التي رابتني كانت ولسنوات مشروع رواية لم تبدأ ولم تكتمل وإنما نمت في حوافها ومن تراتيل أفكارها… فقررت إمعانا في إهمال المهمل تجميع كل شيء كما يعن لي ضمن تخمين أكبر يسمى حاليا رواية وذلك بعرض كل شيء من تلك الأوراق. وما حفزني على هذا هو الثأر من الكتابة عموما ومن هذا النص وأفكاره وشخصياته والدفع بالأوهام العامرة والخاوية الحية إلى مأزق حقيقي من النوع الأدبي وأفق التلقي».
ويخلق شعيب حليفي من التفاصيل وإعدادها شأنا روائيا. وهو يعد كل ذلك إعدادا مسرحيا فيخلق المسرح الكبير مع ما فيه من متحرك وجامد. فتحت عنوان «المسودة الأولى (تخطيطات أولى)» يقول بطريقة مؤلف – مخرج «في الساعة العاشرة وإحدى عشرة دقيقة… سجلت خطاطة أولى للرواية وضعت لها عنوانا: «رائحة الملائكة» ثم سجلت ما يلي:
«سمير الزعفراني: مستخدم بالمحافظة العقارية.
البشير سيف الحق: باحث أركيولوجي…
بالإضافة إلى عشرات الشخصيات التي دونتها… في الصفحة الموالية. رسمت خريطة موسعة للفضاء الذي ستجري فيه الأحداث بمدينة سطات وبالتحديد في فندق (بفتح الفاء) وهو فضاء واسع بمدخل يؤوي بعض الباعة والبهائم… كما يضم بيوتا قصديرية صغيرة ينام فيها بمقابل زهيد بعض الباعة أو الزوار».
-المدخل التاسع : الرواية كفضاء لتعدد الأجناس (السرد والمسرح والشعر) :
إن شغف حليفي، في مرحلته الثانية (ابتداء من 2006 إلى ألآن) بفعل الكتابة ذاته، وتحسين وسائلها وتنمية اقتصادها التخييلي، إنما هو تعبير عن أولوية الجمالي في فهمه لسؤال الأدب، خصوصا وأن المرحلة الواقعية استنزفت سؤال الكتابة لصالح أسئلة الحياة والمجتمع.في رواية «أنا أيضا ..تخمينات مهملة» يمزج الكاتب بين ثلاثة أجناس مختلفة (السرد والإعداد المسرحي والشعر)، من خلال اختيار استراتيجي ينسب الأحداث ويجحم الحقيقة. فمن خلال الروايات الداخلية الثلاث (ارتياب المطمئن، وهتاف الغروب، وآثار العتمة) يتم تقديم نفس الحدث لكن من زوايا مختلفة، سعيا للإكثار من الاحتمالات والسير بالحكي إلى أقصى النهايات الممكنة.
-المدخل العاشر: الرواية كفضاء لتجاور التخييلي والواقعي :
يقول كولن ولسن في كتابة «فن الرواية»: «عندما يجلس كاتب من الكتاب محدقا في صحيفة بيضاء أمامه، فان ذلك لا يعني أن ليس ما يقوله المشكلة، على العكس من ذلك عادة: إذ إن لديه من الأمور الكثيرة الجاهزة بحيث يحلم بكتابة رواية هي سيرة ذاتية بحجم رواية «الحرب والسلام» غير أن كل تلك الأمور تحتشد في أعماقه وليس هنالك غير منفذ واحد ضيق لخروجها: الا وهو رأس قلمه».
آخر المداخل الملائمة لفهم وتأويل مدونة حليفي الروائية ثنائية الواقعي والتخييلي. فمنذ رواية «زمن الشاوية» اتضح أن التخييلي ليس معزولا عن الواقعي، فإذا كانت معظم روايات الكاتب تعتاش على هذه المنطقة الملتبسة فلأنها تسعى إلى التفكير في الواقعي، والبحث عن منطق مآله. ومن هنا فهي لا تروم نقله أو «محاكاة» ما يطرأ فيه. لذلك تتقدم إلينا التجربة عن عوالم التجربة الواقعية لتعانق «اللاواقعي» باعتباره المنطق الداخلي للواقع، فتحضر فيها ملامح الغرائبية والعجائبية، والأسطورة،،، لنسِمَها بـــ» التجربة التخيليية.».. إن تمثيل هذه التجربة المعيشة تخييليا يتم من خلال الزمن. وهذه الصيرورة الزمنية هي التي تحدد مختلف الرؤى إلى الأشياء والظواهر. ويبدو ذلك في كون «الواقع» له جذور وأصول (التاريخ)، والذات وهي ترصد هذه الصيرورة لها كذلك تاريخها: الذاكرة. وبذلك لا يصبح الواقع هو فقط «الحاضر» ولكنه كذلك الماضي باعتباره جزئياً يمثل عنصراً حيوياً من التجربة.
– خاتمة وتركيب :
ختاما إن أسوأ شيء يمكن أن تبتلى به تجربة كاتب أن يتم اختزاله بكيفية من الكيفيات، حتى ولو كان هذا الاختزال يطابق تماما قيم الكاتب وقناعاته وتصوراته لأن في ذلك فضحا لسر المهنة لا يلائم الكتاب شديدي الحساسية.
ما سعينا إليه سابقا هو التأكيد على مدونة حليفي الروائية، تكاملها وتنوعها وشموليتها، وذلك من خلال عشرة مداخل يمكن اختزالها في ثلاث زوايا نظر: الزاوية التيماتيكية (تشخيص الواقع والهوية السردية وإرادة المقاومة والمحلية) والتداولية (تجديد العلاقة بالقارئ) والسردية الأسلوبية (الميطا نقد وتنويع طرائق التعبير والتعدد الأجناسي). وهو ما يسمح لنا بالقول :
إن الكاتب حليفي شعيب صاحب مشروع متكامل، وراع لورشة روائية تحاور نفسها، وتحاور الاقتصاد التخييلي مراهنة على قيم الجودة الأدبية والإنسانية، ساعية إلى تنويع طرائق التعبير، وموظفة لسجلات قول متمايزة، مع ما يتصل بذلك من ابتكار عوالم متخيلة جديدة، وتوظيف تقنيات محدثة، واكتشاف مستويات لغوية في التعبير تثور على المألوف وذلك استجابة لحاجات الكتابة والبحث عن كل جديد في صناعة الخطاب السردي الروائي، والبحث عن أدوات وصيغ وتراكيب لغوية وحيل سردية، وعن كل ما يمكن أن ندرجه تحت عنوان حسن تدبير فن السرد.

«Miloud Atmani»
٭ باحث وناقد أدبي من المغرب

عثماني الميلود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية