قال غوته: «إن معنى كتاباتي، مثل معنى وجودي، هو انتصار لما هو إنساني».
ورواية «الحي السفلي» لعبد الوهاب بن منصور انتصار لما هو إنساني، انتصار بسرد منطلقه في قول افتتح به الرواية للأديب الروسي غوركي: «جئت هذا العالم، كي أحتج».
رواية «الحي السفلي» تعتبر سردية المحنة الجزائرية، بحفرها في الذاكرة، والعودة إلى السنوات التي تلت استرجاع الاستقلال، سنوات فرض الضبط باسم الثورة والوطن، وخنق الصوت الرافض. اعتمد الروائي حبكة كثفت الدلالات، حبكة سرد مركب، سرد الطفل الذي عايش العزل بسبب الكوليرا وسرد البالغ الذي واجه التعذيب والعزل في المصحة العقلية.
وكان ذلك المزج تقنية ذكية من الروائي، تضمر دلالة استمرارية المعاناة بالتراكم المرتبط بالتأسيس، الذي انطلق به مسار ما بعد استرجاع الاستقلال، مسار سبق لبعض شهداء الثورة كالعقيد لطفي استشرافه، كما سبق لفرانز فانون التحذير منه، التحذير من إعادة إنتاج القهر الكولونيالي من طرف من قادوا حركات التحرر في العالم الثالث.
وفي السردين المتصلين، تحضر الإيحاءات بتكثيف، ويتم ببراعة عرض آليات القهر الموظفة لعزل ما يعتبر هامشا في الهندسة السوسيو ـ سياسية للسلطة. وكما حضر الطاعون في الرواية الشهيرة لكامو، الطاعون في وهران، حضرت الكوليرا في ندرومة في نص بن منصور.. وتم توظيف كلمتي الطاعون والكوليرا في خطاب التسعينيات للدلالة على جبهة التحرير وجبهة الإنقاذ.. والاثنتان بعيدا عن التوصيف الطبي تعبران عن التفسخ والعفن ..وشاء القدر أن يلي صدور رواية بن منصور بشهور ظهور حالات كوليرا، ظهورا جاء كبيان لكشف حصيلة منظومة أغرقت البلد.
عنوان الرواية كعتبة لخّص ما ينبثق عن التصميم المعتمد سلطويا لتقسيم المجتمع إلى علوي وسفلي، السفلي هو حي الصفيح الذي يراه الأعيان مشوها للديكور ومهدّدا للسلم الاجتماعي . فعدوى الكوليرا «تنتشر لكنها لا تخرج من حي الصفيح». «هل هي لعنة من الله على هذا الحي؟ أم هي مجرد ابتلاء لقياس درجة الإيمان؟ إيمان فقراء حي الصفيح دون أغنياء المدينة».
والكوليرا تجسيد لفصل السفلي عن العلوي، وتجسيد بالتدابير فبيوت المصابين يتم وسمها بعلامة (أكس) وهي العلامة الدالة على النبذ وعلى العزل ويتجدد ذلك في المصحة العقلية، تجددا مرتبطا بترويض الجسد والأحاسيس. تدفعنا الرواية إلى إعادة تمثل ما كتبه ميشال فوكو عن العيادة والمؤسسة العقابية.
تبدأ الرواية بهذه الكلمات: «منذ وعيت وأنا أحلم. لم أجد غير الأحلام لأحافظ على إنسانيتي قدر ما أمكنني من واقع صار يشعرني بالخواء والعماء». الحلم الذي رافق الجزائري، حلم بجزائر تكون يابان إفريقيا، ثم حلم ببابور أستراليا وحلم بأوروبا … والخواء نجم عن التجريد المستمر والمتراكم، تجريد أصاب بالعمى، عمى التخبط وافتقاد البوصلة . الحلم لمواجهة الذاكرة «وما الذاكرة إن لم تكن خيبة وانهزاما». الحكاية يفك شيفرتها من استوعب ما عرفته الجزائر عقب استرجاع الاستقلال وعقب انقلاب 19 يونيو/حزيران 1965 ومعرفة ذلك هي الخلفية لفهم ما تتابع فالثورة تعرضت بتعبير القيادي في ثورة التحرير الجزائرية لخضر بورقعة لاغتيال وتعرض الاستقلال للمصادرة بتعبير رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة، ورئيس أول برلمان بعد الاستقلال فرحات عباس. وتكرّس بتعبير الوزير الأسبق غازي حيدوسي «التحرير الناقص». الرواية تنقلنا إلى سراديب التعذيب التي نقرأ فظاعتها في ما كتبه بورقعة وبشير حاج علي في ذكرياتهما عن سجون ستينيات القرن الماضي في الجزائر.
تمثل تلك الخلفية مفتاحا لتمثل الراهن واستيعاب صدام التناقضات، فالمنطلق كثف العطب، وفي رسالته إلى الرئيس عقب بداية ما سميّ بالربيع العربي كتب السياسي الراحل عبد الحميد مهري: «إن نظام الحكم الذي أقيم بعد الاستقلال انطلق، في رأيي، من تحليل خاطئ لما تقتضيه مرحلة بناء الدولة الوطنية. فقد اختار بعض قادة الثورة، في غمرة الأزمة التي عرفتها البلاد سنة 1962، استراتيجية سياسية انتقائية لمواجهة مرحلة البناء بدل الإستراتيجية الجامعة التي اعتمدها بيان أول نوفمبر/تشرين الثاني 1954، التي سادت، رغم الخلافات والصعوبات، في تسيير شؤون الثورة لغاية الاستقلال، فأصبح الإقصاء، نتيجة لهذا الاختيار، هو العامل السائد في التعامل السياسي، ومعالجة الاختلاف في الرأي، وأصبحت الفئات أو الدوائر السياسية التي تحظى بالاختيار في أول الشهر، عرضة للإقصاء والتهميش في آخره». وتطابقا مع الحكاية كان السرد بتذكر البطل، تذكر حضر مزدوجا، حضر الطفل الذي واجه هول الوباء الذي جرف أمه، وعايش اجتياح حيه لاجتثاثه، وسكنته الرغبة في التحرر بالحلم من رق الوقت ـ بتعبير ابن عربي ـ وبمصاحبة القطط، طفل قهرت طفولته. حضر البالغ الذي دخل الدوامة فواجه هول التعذيب، التعذيب بتقنياته المفصحة عن طبيعة الغول المتسلط.
اختار بطل الرواية يوما محدّدا لتنفيذ قرار انتحاره، هو يوم الاحتفال بذكرى الاستقلال، لأنه يوم «لتخليد موت الإنسان لأجل حريته»، والاختيار بيان عن تقويض ذلك الاستقلال، لكنه فشل في التنفيذ وتم اعتقاله، وفي مواجهة الخيار يصبح «اختيار طريق الموت أصعب من الموت ذاته». يحجز في مصحة نفسية ثم يعذب لأنه حاول الانتحار واختار يوم عيد وطني، وذلك يعني انشقاقا ورفضا وموقفا مضادا لسلطة توظف الثورة كمرجعية. وفي كل مرحلة تتكرر تهمة العمالة للخارج، ويتم تسخير حتى الدين لتعزيز الهيمنة وتحصينها بالقداسة. يتم توظيف الغيب لحجب تملك الشهود فـ»كل شيء جاهز لمواجهة عدوى الكوليرا عدا الدواء… إنها إرادة الله».
تمكن بن منصور من تأكيد تحكمه في أدواته كروائي وكتب رواية اخترقت الواقع وأعادت صياغته جماليا، صياغة تمثل علاجا للذاكرة وتحريرا للمخيلة. رواية هي منجز المتخيّل، لكن المتخيّل المتغذي من الواقعي، المتشكل واقعا مضادا أو واقعا متجاوزا للعابر وللسطحي فالمتخيّل كما يقول لودري: «مرتبط بشكل حميمي بالعقل والمعرفة، الأمر الذي يعني أنه لا توجد معرفة تخيلية صرفة، لأن كل معرفة هي معرفة عقلية في بنيتها أو طبيعتها، وما المتخيل إلا وسيلة لتفعيل وتحيين الماهية».
يشتغل الروائي عبد الوهاب بن منصور بهدوء وعمق، لا يتهافت على التراكم الكمي ويسهر على ما يشكل إضافة جماليا ورؤية. أصدر خلال ثلاثة عقود ثلاث روايات ومجموعة قصصية، وروايته «الحي السفلي» التي صدرت في السنة الماضية تمثل إضافة نوعية لرصيده ولرصيد الرواية الجزائرية، تمثل إضافة جامعة لمقومات المنجز الإبداعي، وكما يقول الروائي الأردني هاشم غرايبة: «بوسع أي كاتب أن يكتب حكاية طويلة.. أو يؤلف رواية! لكن المبدع إذا كانت في داخله نواة روائي فسيجدها، قد يكتمها وقد يندفع نحوها ويبدع.. الرواية فن ثم لاحقا صنعة.. نجح كثير من الكتاب والمبدعين إتقان صنعة الرواية.. لكن العين الناقدة تستطيع ان تميز الموهبة عن الصنعة وتكشف اللعب». والموضوع مهما كان لا ينتج النص الإبداعي، ولكن الصياغة والحبكة أي ما سبق للجاحظ منذ قرون التنبيه إليه. لكن يبقى الإبداع محصلة تفاعل مكونات تجمع بين الموهبة والتمكن من التقنيات وامتلاك الرؤية، وهو ما حضر في رواية بن منصور.
٭ كاتب جزائري