بغداد-“القدس العربي”: مع قرب بدء تطبيق المرحلة الجديدة من العقوبات الأمريكية على إيران في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بدأت طهران في إتباع نهج اقتصادي جديد في العراق يعتمد التوسع في العلاقات الاقتصادية بين البلدين للتخفيف من ضغط الحصار الأمريكي على الاقتصاد الإيراني، وسط مخاوف عراقية من توريط بلدهم في نزاع البلدين وخضوعه للعقوبات الأمريكية على الدول التي تخرق حصارها على إيران.
ولتحديد ملامح استراتيجية المرحلة المقبلة من التحرك الإيراني في العراق، عقد السفير الإيراني في بغداد، إيرج مسجدي، اجتماعا في النجف لمسؤولي القنصليات الإيرانية في العراق، وشدد في الاجتماع الذي حضره مسؤولو القنصليات الإيرانية في النجف وكربلاء والبصرة والسليمانية وأربيل، على “إن محور عمل القنصليات الإيرانية في العراق سيكون اقتصاديا في المرحلة المقبلة”.
ونقلت وكالة “ارنا” الإيرانية عن مسجدي، قوله “نظرا لتطور العلاقات العميقة بين إيران والعراق وخصوصا في ما يتعلق بإعادة الإعمار والبناء، فإنه يجب استمرار التحرك في الجانب الاقتصادي، ويعني ذلك مشاركة الشركات الإيرانية ومساعيها للاستفادة من فرص الاستثمار والتعاون المتاحة في إطار التعاون المشترك مع العراق”.
وركز على ضرورة “إدامة القفزة النوعية” التي تحققت في تبادل السلع المنتجة بين إيران والعراق والتعاون الثنائي من أجل تطوير النظام التجاري للبلدين وإعداد الأرضية اللازمة وبشكل جدي، من أجل زيادة تصدير السلع الإنتاجية، والخدمية، والطاقة، والسياحة.
وبحث المجتمعون المقترحات وسبل التحرك ضمن المحافظات التي يعملون فيها بما يؤدي إلى توسيع العلاقات التجارية وجمع المزيد من المعلومات عن الفرص المتاحة في الاقتصاد العراقي التي يمكن التحرك من خلالها.
ويذكر ان أمين عام غرفة التجارة الإيرانية العراقية المشتركة حميد حسيني، أعلن ان صادرات إيران للعراق بلغت نحو 4,5 مليار دولار خلال الأشهر الستة الماضية من هذا العام، وان معدل الصادرات اليومي بين الجانبين يبلغ 20 إلى 25 مليون دولار، مبينا إن قسما من عوائد الصادرات الإيرانية يشمل صادرات الكهرباء والغاز إلى العراق.
وسبق للملحق التجاري الإيراني في العراق محمد رضا زادة، أن أكد ان التبادل التجاري بين البلدين يبلغ 13 مليار دولار سنوياً، ويتضمن نحو 6 مليارات و200 مليون دولار صادرات سلع غير نفطية إيرانية إلى العراق، كاشفا أن صادرات إيران إلى العراق تضاعفت 17 مرة خلال العقد الأخير.
وأوضح أن 80 في المئة من الخدمات التقنية والهندسية في العراق تقوم بها شركات إيرانية، مضيفاً أن قيمة تلك الخدمات تبلغ 4,2 مليار دولار.
مجالات اختراق السوق
ويشير المطلعون على السوق العراقية، ان الصادرات الإيرانية الكبيرة من الكهرباء والغاز والسلع والخدمات، ليست هي المصدر الوحيد لضخ كميات هائلة من الأموال العراقية إلى إيران، بل هناك مجالات عديدة أخرى. ففي إطار تحويل العملات الأجنبية من العراق إلى إيران، أكدت مصادر في السوق المالية العراقية لـ”القدس العربي” ان بنوكا أهلية وتجارا وشركات صيرفة وتحويلات محسوبة على أحزاب موالية لطهران، تقوم منذ سنوات بعمليات شراء واسعة للدولار من السوق المحلية ومزاد العملة في البنك المركزي العراقي، لغرض تحويلها إلى إيران بشتى الطرق والوسائل التقليدية وغير التقليدية، وذلك لتجنب كشفها من قبل الهيئات المالية الرقابية الدولية، إلا ان الولايات المتحدة كشفت بعضها، حيث وضعت عدة بنوك عراقية بينها بنك “إيلاف الإسلامي” و”البلاد الإسلامي” على القائمة السوداء، لتعاملها مع بنوك ومؤسسات إيرانية، تتهمها واشنطن بالتورط في نشاطات إرهابية.
وفي هذا السياق، اتهمت مؤسسة رقابية أمريكية قبل أيام، البنك المركزي العراقي بتقديم مساعدات مالية إلى إيران بطرق غير مشروعة للالتفاف على العقوبات الأمريكية.
وأفاد تقرير أصدرته شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية في الولايات المتحدة، ان مسؤولين في البنك المركزي العراقي، قاموا بمساعدة إيران “في إخفاء معاملات غير مشروعة” مبينا ان مسؤولين “كبارا” في البنك المركزي العراقي “استغلوا قدراتهم الرسمية لتأمين العملة الصعبة وإجراء معاملات لصالح قوات الحرس الثوري – فيلق القدس وحزب الله اللبناني”.
وأوضح التقرير ان ذلك تم عبر “معاملات التوجيه التي يقوم بها مسؤولون في البنك المركزي العراقي إلى حسابات شخصية بدلا من حسابات البنك المركزي أو الحسابات المملوكة للحكومة وقيام أفراد أو كيانات غير مرتبطة بأي بنك مركزي أو حكومة بسحب الأموال من هذه الحسابات” مطالبا المؤسسات المالية ان تنتبه إلى ذلك وتحقق فيه.
وقالت الخارجية الأمريكية “ان التقرير الإرشادي يرمي أيضا إلى مساعدة المؤسسات المالية الأجنبية على فهم التزاماتها بشكل أفضل وتجنب التعرض للعقوبات الأمريكية والتصدي لمخاطر مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب التي يمثلها النشاط الإيراني للنظام المالي الدولي”.
وسبق ان أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عزمها توسيع مجال العقوبات على إيران في الشهر المقبل، كجزء من استراتيجيتها في رفض الاتفاق النووي مع إيران، حيث ألزمت الولايات المتحدة دول العالم على وقف استيراد النفط الإيراني اعتبارا من 4 تشرين الثاني/نوفمبر، وإلا ستواجه عقوبات اقتصادية أمريكية قاسية، مما يترتب عليه ان تخفض إيران إنتاجها النفطي بنحو الثلثين من الإنتاج الحالي.
ويستورد العراق الكهرباء والغاز والمشتقات النفطية من إيران، إضافة إلى السلع والبضائع الأخرى دون ان يصدر العراق إلى إيران أشياء تذكر.
استثمار الفوضى في العراق
ويؤكد خبراء الاقتصاد، ان العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 لم يكن فيه قانون لغسيل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، ما جعله ساحة مفتوحة لعمليات غسيل الأموال وتهريب العملات وتمويل الحركات الإرهابية، قامت بها بعض الأحزاب والتنظيمات العراقية والمؤسسات الأجنبية. ورغم ان البرلمان العراقي أصدر قانون “غسيل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب” عام 2015 بضغط من البنك الدولي، إلا ان ذلك لم يمنع استمرار تهريب أموال طائلة إلى خارج العراق، لتمتع معظم المصارف الأهلية بغطاء الأحزاب السياسية ووجود ثغرات في القوانين المالية الحالية في العراق.
ونتيجة القلق من توريط العراق في النزاع الأمريكي الإيراني، فقد دعا خبراء ماليون في بغداد، البنك المركزي العراقي لتدقيق عمل المصارف الأهلية وخاصة ما يتعلق بتحويلاتها إلى الخارج، لمنعها من خرق العقوبات الأمريكية وشمول البلد بتبعاتها، محذرين من ان تساهل الحكومة إزاء تصرفات الأفراد والشركات المالية والبنوك، يؤدي إلى شمول العراق أيضا بالعقوبات الأمريكية على الدول التي لا تلتزم بها، وسيواجه الاقتصاد العراقي عندها صعوبات كبيرة.
وذكر الخبراء ان بدء المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية الذي يشمل وقف تصدير النفط ومصادر الطاقة الإيرانية سيؤدي إلى آثار سلبية كبيرة على العراق الذي يستورد الغاز والطاقة الكهربائية من إيران بكميات كبيرة لسد احتياجاته، داعين الحكومة العراقية إلى التنسيق مع الولايات المتحدة لبحث هذا الموضوع والخروج بأقل الخسائر، إضافة إلى البحث عن بدائل أخرى كزيادة توليد الطاقة ذاتيا أو الاعتماد على بعض الدول كالسعودية أو تركيا.
وبالإضافة إلى هذه القطاعات الاقتصادية، تقوم الحكومة الإيرانية باتخاذ الإجراءات الهادفة إلى زيادة حجم زيارات العراقيين إليها لأغراض السياحة والعلاج والتجارة وغيرها، لتشجيعهم على الانفاق ومساعدة العملة الإيرانية المنهارة. وتشير المصادر المطلعة، إلى ان مليونا و400 ألف عراقي زاروا إيران خلال النصف الأول من العام الجاري، مع السعي لكي يصل الرقم إلى 3 ملايين حتى نهاية العام ينفقون نحو مليار و500 مليون دولار.
وتبقى أنشطة أخرى مثل التهريب الواسع للمخدرات من إيران إلى العراق وتهريب النفط العراقي إلى إيران وتجارة السلاح الرائجة، مجالات إضافية لحصول إيران على المزيد من الموارد المالية من العراق، حيث تقوم ميليشيات ومافيات وشركات تجارية تديرها جهات موالية لإيران، بدور كبير في هذا المجال لفتح أبواب الاقتصاد العراقي أمام إيران.
وكان هناك مجال آخر استغلته إيران للحصول على الأموال العراقية، هو انتشار العنف والإرهاب في العراق وخاصة بعد ظهور تنظيم “داعش” عام 2014 حيث قامت ببيع كميات كبيرة من الأسلحة البدائية والعتاد الروسي القديم، إلى الحكومة العراقية، ومنها طائرات سوخوي كان النظام السابق وضعها لدى إيران لحمايتها من قصف التحالف الدولي خلال حرب الكويت، ولكن طهران استولت عليها وباعتها لحكومة بغداد.
ويبدو واضحا ان التوجه الجديد للحكومة الإيرانية هو المزيد من الانفتاح على السوق العراقية، حتى إذا جاء متعارضا مع الحصار الأمريكي، وحتى إذا تسبب في الحاق أضرار بالاقتصاد العراقي، وان إيران التي استغلت انفتاح الحكومات العراقية ووجود متعاونين معها في كل المجالات، قد حسمت أمرها بجعل العراق منفذا أساسيا للتخفيف من تبعات العقوبات الأمريكية التي ستدخل الحزمة الثانية منها حيز التنفيذ بعد أيام قليلة.