الصمت الإسرائيلي عن جريمة خاشقجي

حجم الخط
0

«ليت الأتراك يبدون التصميم ذاته في جمع المعلومات والتحقيقات عن حماس وكبار مسؤوليها في الدولة مثلما يبدون تجاه قتلة الصحافي السعودي»، هكذا قال أمس مصدر استخباري إسرائيلي رفيع للغاية.
الرسالة على لسانه واضحة: لقد تحولت تركيا في السنوات الأخيرة من شريك استخباري نشط إلى من يرى فيها الكثيرون في أسرة الاستخبارات الإسرائيلية كمن يغض النظر، في أفضل الأحوال، ويشارك بالصمت في الإرهاب ضد إسرائيل في أسوأها. وحيال المعلومات الإسرائيلية التي ضخت إليها المرة تلو الأخرى في السنوات الثمانية الأخيرة، عاد الأتراك ليدعوا بأنهم فحصوا، وفعلوا، وحققواولكنهم لم يجدوا شيئًا.
لقد ضرب حكم أردوغان بشدة التعاون الاستخباري بين الدولتين. هكان فدان، رئيس الاستخبارات التركية، يعد من كثيرين في إسرائيل كمقرب من الإيرانيين وقادة حزب اللهأي الأعداء الألدّاء لإسرائيل. وشد كبار مسؤولي الاستخبارات الإسرائيليين على أسنانهم حين روى لهم عن علاقاته الحميمة مع قاسم سليماني، قائد قوة القدس للحرس الثوري. في السنوات الأخيرة يحظر أردوغان على فدان السفر إلى إسرائيل، ما يقطع في واقع الأمر الاتصالات الاستخبارية بين الطرفين على المستويات العليا. والنتائج تتناسب مع ذلك: صالح العاروري، نائب رئيس حماس والمسؤول عن النشاط في الضفة، يشغل من إسطنبول منظومة تطوير وتهريب الوسائل القتالية للمنظمة. تذكر: عالم حماس الذي عزيت تصفيته في كوالا لمبور في شهر نيسان/أبريل في إسرائيل، عمل تحت أمرته، بل وكان يفترض أن يسافر إلى إسطنبول بعد يوم من قتله. منذ قتل جمال خاشقجي، انقض الأتراك بكل القوة كي يحققوا في عملية الاغتيال الرهيبة، الفاشلة والمخيفة هذه، والتي تتنافس في غبائها مع سخافات المفتش كلوزو في كوميديا «الفهد الوردي». أولاً: يتبين أن كان للاستخبارات التركية متابعة لا بأس بها لما يجري داخل القنصلية. هذه ليست سفارة، وبشكل عام أماكن كهذه، تستخدم للشؤون البيروقراطية كتجديد الجوازات لا تبرر استثمارًا للزمن والجهاد في إدخال وسائل التنصت.
الأدلة التي انكشفت في القضية في الأيام الأخيرة تثير التساؤل: هل كان السعوديون أكثر غباء أم أكثر غرورًا. ففضلاعن حقيقة أنهم نفذوا العملية داخل ممثليتهم، فيما كان ينبغي لهم أن يخمنوا بأنها على الأقل تحت المتابعة، فإنهم ارتكبوا أخطاء يصعب التصديق بأن رجال الاستخبارات يقعون فيها. فقد نجحت الـ «نيويورك تايمز» في أن تجري بسهولة نسبية تطابقًا كاملابين قسم من المغتالين وبين من يحيطون بولي العهد السعودي، وكيف حصل أنهم بعثوا بهؤلاء الأشخاص الذين مجرد وجودهم في الساحة تدينه أيضًا؟ وإذا لم يكن هذا بكاف، فكيف يحتمل ألا يكونوا لاحظوا الطائرات المسيرة التي قالت التقارير إنها وثقتهم وهم يحرقون وثائق في ساحة القنصلية؟
يحتمل أنه في نهاية المطاف سينجح السعوديون هذه المرة أيضًا في أن يرشوا الآخرين للتهرب: وبسبب حماسة ترامب لتنفيذ صفقات بقيمة مئات مليارات الدولارات مع السعودية، فإنهم سينجحون على ما يبدو «في إقناعه» بقبول روايتهم المفككة.
وإن كان، فمما لا شك فيه أن المملكة، ولا سيما محمد بن سلمان، تلقت ضربة شديدة، وستكون لها آثار على الشرق الأوسط كله، بما في ذلك تلك البارزة في صمتها تجاه القضية: إسرائيل.
هذا الأسبوع فقط تحدث نتنياهو ضد قانون الولاء في الثقافة عن قدسية حرية التعبير، ولكن هذا على ما يبدو يتوقف عند المدخل إلى المملكة. وكما في موضوع المشاركة الروسية في قتل الشعب بسوريا، يبقي نتنياهو نفسه هذه المرة أيضًا بعيدًا. قد نحاول التخمين (لماذا؟)، فعلى المستوى التكتيكي، لم تكن صحيحة تلك المنشورات عن حوار بين إسرائيل والسعودية، إذ يحتمل أن يكون أولئك العملاء السعوديون الذين بلغ عنهم اعتقلوا أو سيحقق معهم هم المقربون من بن سلمان أنفسهم الذين يعملون أيضًا على تطوير علاقاته الاستخبارية مع الدول الأجنبية، وعلى رأسهم، وأهمهم، الجنرال محمد السيري، المستشار إياه المقرب من ولي العهد الذي من شأنه أن يكون أول من يدفع الثمن على الإخفاق في إسطنبول. إن الآثار الواسعة للتصفية ستبدو ملموسة في المنطقة كلها. فسعودية بن سلمان تشكل عنصرًا مركزيًا في رؤيا الشرق الأوسط الجديد لزعماء مثل ترامب ونتنياهو، وفي مركزها المحور السلمي المعتدل الذي بالتعاون مع إسرائيلوبدعم أمريكييعمل على خطاب موجه ضد إيران، وضد حزب الله، والأسد والمنظمات الجهادية.
لقد عمل بن سلمان على تطوير هذه الرؤيا، ولكن أجنحته الآن ستكون مقصقصة، إذا بقي على الإطلاق في منصبه، وإن قدرته على مواصلة الخطوات السرية هذه وتقديم خدماته الاستخباريةومقدراته الهائلةضد إيران وملاحقها ستتضرر جدًا.
لا يمكن لترامب أن يمنحه تأييدًا تلقائيًا آخر، وعليه ينبغي الأمل في أنه إذا سعى مرة أخرى لأن يصفي أشخاصًا مالنفترض من قادة الحرس الثوريأن يفعل ذلك في ظل التشاور مع من لهم بعض التجربة في الموضوع.

رونين بيرغمان
يديعوت 24/10/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية