سينما السياسة والتديُّن

لم يكن الكاتب الأيرلندي هاري كرايغ (الكاتب الرئيسي لفيلم الرسالة) يعلَم أنه سيقدم إلى الثقافة الإسلامية – التي لا ينتمي لها – عملا فنيا ثقافيا سيشكِّل في ما بعد قاعدة صورية لجيل كامل من المسلمين في بناء الفهم التراكمي للدين الإسلامي.
الفيلم الذي أنتجه المخرج السوري مصطفى العقاد في مارس/آذار 1976، في فترة زامنت إقبالا متزايدا على التدين، وشهدت تحريما لمشاهدة التلفاز من قبل المتشددين، والتي لم تمنع وقتها رجال دين في دول إسلامية مختلفة – خصوصا الذين كانوا يحرِّمون مشاهدة التلفزيون – من مشاهدة الفيلم، ودخوله للأسرة، ليس لأنه يعزز موقف المسلمين، ويتحدث عن أخلاق النبي محمد، ورسالته التحريرية الثائرة من العبودية والجهل، إلى التعددية والعلم، وإنما لأنه يظهر قوة المسلمين العقدية والقتالية.
استطاع هذا العمل الفني بأسلوبه الأدبي المميز – خصوصا بعد استعانة الكاتب الأيرلندي بكل من توفيق الحكيم، وأحمد شبلي وغيرهما – أن يغرس في ذهنية المتلقي، معلومات ووقائع سيكون من الصعوبة على المتلقي أن يغيرها أو يقبل غيرها مع مرور الوقت. حتّى لو كنّا لا نتّفق مع كل ما ورد في العمل الفني، فلا شكّ أن هذا العمل، ساهم بدرجة كبيرة في تنوير المجتمع المسلم، برسالته الدينية، وتثبيت القيم الإنسانية التي نشأت الرسالة من خلالها، وساهمت فروع العلوم الإنسانية عبر الأدب والفنون، والبحث الاجتماعي؛ بإنجاز العمل وتقديمه لتنوير المعرفة الدينية لدى المسلم، وغيره من أصحاب الرسائل السماوية، والمهتمين بتتبع الدين الإسلامي من باحثين وأكاديميين غربيين.

حصل حسب العقاد على موافقة الأزهر في مصر، والمرجع الشيعي في لبنان، لم يلق القبول من الرأي العام العربي في البدايات.

العقّاد الذي أنتج فيلم «الرسالة»، لاقى حتفه بتاريخ 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، بتفجير إرهابي كارثي في العاصمة عمّان، تبنته جهة إسلامية متطرفة، والسؤال هنا هو: هل غفل العقَّاد عن إضاءة نور التعددية الموجود في النص القرآني؟ وهل غاب عنه الحديث عن مجتمع المدينة الذي سعى إليه النبي محمد؟ خصوصا بعد إخفاق الرسالة في بدايتها بسبب إحاطتها بالعقل القبلي المكبَّل بالعادات والتقاليد التي تحكم كل شيء في حياته، حتى أخلاقه ودينه.
قد يكون غياب التوازن بين مشهد القوة العسكرية للإسلام والتعددية والعيش معا، من بين الأسباب التي ساهمت في حدوث التفجير الإرهابي الذي تعرض له العقاد ومجموعة بريئة من المسلمين والمؤمنين وغيرهم.
يُعتَبَر فيلم «الرسالة»، من بين أكبر الأعمال التي تتحدث بكل جرأة في قضايا الدين الإسلامي، العمل الذي يكاد أن يكون الوحيد في المنطقة العربية، الذي تجرأ بسرد قصة النبي محمّد، ساهمت في إنتاجه – في البداية – دول عربية وهي: الكويت وليبيا والمغرب، واهتم به زعماء، على رأسهم الرئيس الأسبق معمر القذافي الذي تكفل بتمويل العمل بعد انسحاب الكويت والمغرب، بسبب معارضة السعودية للفيلم، والذي – حسب العقّاد – ساهم كذلك في تمويل إنتاج الفيلم الشهير حول حياة الزعيم عمر المختار، الذي تعمّد الأخير ترجمته إلى اللغة الإيطالية لتشاهده الدولة المستعمرة له سابقا.
الفيلم الذي حصل حسب العقاد على موافقة الأزهر في مصر، والمرجع الشيعي في لبنان، لم يلق القبول من الرأي العام العربي في البدايات، وتم منعه في العديد من الدول المنغلقة على الفنون، ومثل هذا النوع من المعارف، أو لأنها غير معتادة عليه.
تعود حالة العنف المبالغة بها في فيلم الرسالة، إلى تأثر العقاد بالقذافي، بعد أن تركه الداعمون للفيلم وحيدا، واستكمل دعمه القذافي، الذي استعان بالمقاومة الشعبية الليبية لتشارك في تمثيل معارك الفيلم، بعد أن عرض القذافي على العقاد أيضا مشاركة القوات المسلحة الليبية في تمثيل مشاهد المعارك.
حالة التوقف السينمائي العربية في إنتاج الأفلام الدينية، استمرت طويلا، ولم تتجرأ دولة أو أي جهة على إنتاج فيلم جديد يحاكي سيرة النبي محمد، أو بالتفكير في إنتاج جزء ثان للرسالة يحاكي الأحداث المهمة التي شهدت تغييرا في بنية الرسالة والدخول السياسي للدين الإسلامي في ما بعد.
ما حققه فيلم «الرسالة» من تغيير في الوعي الديني الإسلامي، سيعمل على تشجيع الدول التي تستخدم الأيديولوجية وسيكولوجية الجماهير في تحقيق المكاسب السياسية، عند انتشار واهتمام الجماهير بالسينما؛ لن تتردد المشاريع السياسية في الالتفات للسينما الدينية لتحقيق تلك الغايات، ويبقى الخاسر الأكبر هنا، هو الرسالة نفسها.

٭ باحث اجتماعي أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية