أصدرت الشاعرة المصرية زهرة يسري مجموعتها الأولى “زجاج يتكسر” في سنة 1997، وأعقبتها ثلاث مجموعات: “يلزم بعض الوقت”، و”نصف وعي”، و”قاموس شخصي” مؤخراً. وقصيدة النثر التي تكتبها يسري مثقَلة بعنصرين طاغيين، بين عناصر أخرى كثيرة آسرة لكنها أقلّ هيمنة: 1) ضمير المتكلم المفرد، الذي لا يكفّ عن التواصل والتقاطع والتشابك والتماهي مع ضمير مخاطَب ما، يحدث مراراً أنه في ذاته يتساوى في التعدد، وكذلك في التشظي، مع ضمير الأنا الذي يخاطبه؛ و2) وطأة الزمن، في صيغة الوقت الذي يرسم توقيتات شتى لبرهات شعورية فردية داخلية، وأخرى تأملية جَمْعية خارجية، ليس دون استدخال دائم لخيط سردي هنا أو ملمح كابوسي هناك. وليس غريباً، والحال هذه، أنّ شعر يسري يتحرك بمرونة عالية سواء اتخذ شكل القصيدة الطويلة والقصيرة والمتوسطة، أو انقسم إلى سطور قصيرة تارة، أو انضغط في كتلة متراصة طوراً؛ ويستوي، أيضاً، أن تتشكل إيقاعاته الداخلية وفق لغة متناهية التخفف من الفصاحة عن سابق قصد، أو مشبعة بين حين وآخر بمجاز تصويري لا يتهيب اللقطة الفوتوغرافية أو الانزياح السوريالي.
هنا قصيدة “Bonhomme de neige” (رجل الثلج):
في شاحنة اللحوم المجمدة
اعتقد لاجئ أنه ضحك على الديكتاتور
على شرطة الحدود
على الحمار الذي رفض صعود الجبل
على قطاع الطرق
على السفن المثقوبة
اعتقد أنه انتصر بجيش من الملائكة
أخذ يفكر في رايته الجديدة التي سيعلقها في نافذة بيته الجديد
أو خيمته
أو حتى شجرته
فكر في ألوان رايته
اعتقد أنه يفضلها بلا لون
تساءل عن لون الحرية
لم تعجبه أن تكون عارية
أو بيضاء
فالأبيض يتسخ بسرعة
اعتقد أنها فضية
كجوعه
وعطشه
وقمره الذي أضاء ضياعه الطويل
وبينما هو يعتقد
كان يتحول
ببساطة
إلى تمثال من الثلج
جوار شجرة أعياد الميلاد
غرز طفل جزرة في وجهه
أعطاه آخر كوفية ومقشة ليكتمل الديكور
توقف أمام التمثال شاعر
توقف طويلا
لا يعرف لماذا أراد أن يضع في فمه وردة
بحث في جيبه فلم يجد سوى سيجارة
أشعلها ومضى
لتومض الفكرة في رأس اللاجئ
الذي ينتظر
أول شعاع شمس
لتورق شجرة استوائية
في بلاد الشمال.
دار الأدهم، القاهرة 2018