كتاب “الانفتاح على مصر…تنمية الصحراء الغربية”؛ تسجيل لحكاية واحد من أهم مشروعات التنمية الحيوية؛ يحكيها أكاديمي ومهندس استشاري عالمي هو ممدوح حمزة. يصف ما يعنيه بالانفتاح على مصر أنه تحليق بجناحين؛ الأول هو المميزات النوعية لصحراء مصر الغربية. والثاني المواطن المصري نفسه؛ كفاعل ومبدع ومستفيد في الوقت نفسه. وفي ثنايا الحكاية دعوة لمن يعنيهم الأمر، ولَفْت أنظارهم للكنز الأسطوري المخبوء في مصر. ووضع نصب عينيه إمكانياتها الذاتية وأهمية تعظيمها، وإعادة اكتشاف ما بها من تميز وثراء، وموقع جغرافي فريد، وتاريخ متصل لآلاف السنين، وهوية راسخة، وشخصية مستقرة، وأصالة وطنية وقومية نوعية، وهو ما أثراها حضاريا وثقافيا وروحيا.
بدأ “مشروع الانفتاح على مصر… تنمية الصحراء الغربية” كفكرة ضمن محاضرات وأوراق أُلقيت عن “مشكلة الإسكان ليست هندسية” وعن “القاهرة مشاكل وحلول” منذ أكثر من عشر سنوات، وتحديدا في سنة 2007، وتبلورت في اجتماع مع وزيرة السكان مشيرة خطاب، في 2009؛ عُرضت في ذلك الاجتماع دراسة عن “إعادة التوزيع الجغرافي للسكان في مصر” وتلى ذلك اجتماع ضم وزراء الاقتصاد والتخطيط والسكان، وفي كانون الثاني/يناير 2010، تم الاجتماع بوزير الإسكان، وتحولت الفكرة إلى مشروع مكتمل؛ بالصورة التي وردت في هذا الكتاب.
وجاء “الميلاد” في مؤتمر حضره مختصون وخبراء وشخصيات عامة ورجال أعمال؛ عُقِد في تشرين الأول/أكتوبر 2010، وأقر تأسيس شركة قابضة للتنفيذ، وتطوع اثنان من القانونيين؛ هما المحامي هاني سرى الدين، وأستاذ القانون الراحل يحيى الجمل، وبدأت إجراءات التأسيس، لكنها توقفت بسبب اندلاع ثورة 25 يناير 2011. وأهدى د. حمزة المشروع إلى الشعب المصري الذي “يستحق حياة ومكانة أفضل، وإلى صانع القرار، أملًا في تحقيق آمال الشعب، وتحويل الحلم إلى واقع”.
وأضاف: “كنت أتمنى تفادي مشهد الخرسانات التي تكسو المباني، وحولتها لأفران تحت أشعة شمس حارقة، فأصبحت مُعذبة وطاردة لساكنيها، بدلا من البناء بخامات ومواد البيئة ذاتها، وأعطى المشروع أولوية خاصة لبسط العمران على مساحة واسعة من الصحراء، وذلك جذْبا للأسر الريفية من الوادي والدلتا وتوطينها، وعدم قَصْر الإقامة على المهندسين والأيدي العاملة المؤقتة، فيبتعدون عن عائلاتهم وأسرهم، وانعكاسات ذلك السلبية على المشروع”.
وللمشروع حكايات أحاطت به وواكبت مساره، وكلها حكايات علمية وخلاقة؛ تيسر الإلمام بكل جوانبه، فحكاية ميلاده الأولى لخصتها “سيرة دوسيه”؛ ضم مراسلات واجتماعات واتصالات مع الحكومات المتعاقبة من 2009 إلى 2016، وفيه تم تحديد المشكلة، وهي غياب التفكير في التنمية الريفية الصحراوية، وعدم الاهتمام بوضع قواعد للمستقبل وإنشاء مناطق جذب حضارية متكاملة. وتضمنت قصة “وادي التاريخ”؛ بمسالكه الثلاثة:
1 – وضع قاعدة البيانات.
2 – حصر الإمكانيات.
3 – تأهيل المناطق المستهدفة.
ووجوب استغلال “حرارة شمسنا”؛ كمصدر للطاقة المتجددة، واستخدام أحدث التقنيات في مجالها.
وعنوان الحكاية الثانية “سر الوجود”، وعرضت لمستودعات الحياة؛ الممثلة في المياه الجوفية، التي يُعتمد عليها حتى الوصول لتقنية بديلة، بجانب التعويل على إدارة المياه بكفاءة؛ كأهم مقومات نجاح المشروع، وضمان استمراره، وتلافي ما حدث للآبار في مناطق أخرى.
والحكاية الثالثة حول “التوصيات”، التي استهدفت تغيير الصورة النمطية لمناطق الازدحام السكاني، وعلاقة ذلك بإطلاق التنمية بالأحوزة المهملة، وترشيد وتنمية الموارد المائية المتاحة.
والحكاية الرابعة عن “الجامعة”؛ قاطرة التنمية الحضارية الصحراوية؛ على غرار ما هو موجود في أمريكا واستراليا، ودورها بتحويل الصحراء المهجورة لبيئة جاذبة وحاضنة للسكان والمجتمعات، على أن تتاح للجامعة إمكانية “تكثيف المعرفة”، وتوفير الدراسات والبحوث والمعلومات من خلال كليات ومعاهد ومعامل نوعية، ومراكز بحوث وكليات تطبيقية لـ”جامعة عالمية لعلوم الصحراء”؛ تتخصص في العمران الصحراوي، ويعمل بها ويديرها علماء وأكاديميون من أنحاء العالم، وتضع نصب أعينها الخبرات العلمية اللازمة لتوطين صناعات كثيفة المعرفة، وتنمية ذكية لجامعة غير تقليدية، وبرؤى تنموية ملائمة للصحراء، على أن يكون مقرها الرئيسي واحة “الفرافرة”، وتتوزع كلياتها ومعاهدها على باقي الواحات، ويستقر مركز بحوث الصحراء بضاحية “المطرية” القريبة من القاهرة، وكان عنوان الحكاية الخامسة “شمال”، على اعتبار أن المشروع بوابة صحراء مصر الغربية على البحر المتوسط، ؛ تربطها بأوروبا وغرب آسيا وشمال افريقيا، وطريق قناة السويس وجبل طارق.
والحكاية السادسة عن “رزق البحر”؛ فيه تمت الاستفادة بخبرة أبرز الاختصاصيين في تربية الأسماك، وهو د. مصطفى السعيد، وجهده العظيم في مواكبة الاتجاه العالمي لتربية الأسماك، واستخدام الأقفاص الغاطسة في أعماق البحار، فيضع الأسماك في بيئتها الطبيعية، ويضمن نموها وسلامتها.
والحكاية السابعة عن “عائم.. طائر”؛ أي كيان يعوم في البحر ويطير في الجو، ويبتعد عن اليابسة، ويتحسب لمستقبل طاقة الرياح؛ كي لا تعوقها الأراضي المزدحمة بالمشروعات الزراعية والصناعية والمنشآت السياحية.
والحكاية الثامنة عن “القلب”، ومن خلالها تم استرجاع العصور الذهبية للواحات، وجاذبيتها السكانية، واستعادة شهادة العالم الراحل جمال حمدان في موسوعته “شخصية مصر”، ويقول فيها إن الواحات “كانت تستورد الرجال وتصدر الحبوب”ـ واختيار واحة “الفرافرة” نموذجا لتكامل التنمية؛ بما توفر لها من طرق ربطتها بالقاهرة والصعيد، فضلا عن مطار “الفرافرة” الموشك على الاكتمال.
والحكاية التاسعة تحكي قصة “الثراء النباتي”، وأهمية زراعة أشجار ونباتات ملائمة للبيئة ولها قيمة اقتصادية وبيئية وعلمية وسياحية وعلاجية وصحية كبرى؛ بعيدا عن المناطق المزدحمة عالية التلوث، وتتوفر بذلك تكاليف استيراد البدائل المطلوبة لسد الفجوة الغذائية، وتتجنب منافسة القطاعات الزراعية الشعبية.
وحكاية نموذج “مزرعة تعاونية” كانت العاشرة، وفيها تصور لأول مزرعة تعاونية بواحة “الفرافرة”، وعندما طُرِحت فكرتها على رئيس الوزراء الأسبق حازم الببلاوي، وحين علم بأن تكلفة فرصة العمل الواحدة 40 ألف جنيه وافق على التنفيذ، إلا أن التنفيذ توقف فجأة.
والحكاية الحادية عشرة كانت “الطائر الجمل”؛ أي النعام، ولتربيته جدوى اقتصادية وصحية وغذائية عالية؛ ومنتجاته من اللحوم والجلود والريش والدهون مرتفعة القيمة.
وأما موضوع الحكاية الثانية عشرة كان عن “الكعكة الصفراء”، حيث أن مكتب “حمزة ومشاركوه” تعاون منذ منتصف تسعينات القرن الماضي مع مكتب “بِكْتِل” الاستشاري الأمريكي للإنشاءات ذات العلاقة بالمفاعل النووي بالضبعة، ومستهدفا العمل على تنفيذ الإنشاءات بخبرات وطنية؛ تصميما وتصنيعا وإنشاء واختبارات جودة، وتعمل مصانع “كيما” بأسوان، على إنتاج الماء الثقيل، والماء الثقيل وحده لا يكفي، فتمت الاستعانة بخبرة د. أحمد الكمار، أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة في مزج “الكعكة الصفراء” Yellow Cakeالمستخلصة من يورانيوم مُرَكَّز غير قابل للذوبان في الماء وغير مخصب، وماء ثقيل لإنتاج وقود نووي غير مخصب كذلك ويحتوي على نحو 80 في المئة من اليورانيت، الذي يستخدم لإعداد وقود المفاعلات النووية، ويمكن تخصيبه لإنتاج سلاح نووي، وبفضل ما يتوفر من مصانع “كيما” فإن كميات “الكعكة الصفراء” تكفي لعشرة قرون، وبذلك تتوفر المواد الخام والكفاءات العلمية لـ”جامعة علوم الصحراء”، التي لا ينقصها غير قرار سياسي لم يصدر بعد.
وتحكي الحكاية الثالثة عشرة قصة فيلم “صحراء من ذهب”، ويسجل بَدء تنفيذ أول أربع مزارع تعاونية على عشرة آلاف فدان، والفيلم من اخراج فنان شاب هو جاسر ممدوح، وتم التصوير الخارجي في رحلة جرت يومي 23 – 24 حزيران/يونيو 2011؛ إلا أن الفيلم اُستُبدِل بآخر غير الأصلي، الذي لم يُشر لعلاقة مكتب حمزة ومشاركوه بالمشروع من قريب أو من بعيد.
والحكاية الرابعة عشرة بعنوان “جنوب”، وهي عن النوبة المصرية، وتَحَفُّظ شيوخها على طريقة معالجة تصدع المساكن. ولم تقتصر الحكاية على المعالجات الفنية؛ إنما شملت تلبية مطالب المواطنين النوبيين؛ كأفضل عمليات التهجير في العالم؛ المياه النظيفة، والصرف الصحي، والمنازل المستقلة، والوحدات الصحية والمدارس؛ لكن غابت عنها جوانب اجتماعية وإنسانية، في بيئة تزرع شواطئ النيل، وتعمل بالصيد في مجراه، وتسبب ذلك في تحول كثير من أبناء النوبة إلى سكان بوادي بلا عمل دائم، ونجحت المعالجة في استيعاب مجموعات وكتل سكانية من ربوع مصر، ساعدت على صهر التنوع في بوتقة بشرية واجتماعية وحضارية وثقافية واحدة.
وحكاية “مَلْقَف الهيدروجين” الخامسة عشرة، كانت عن “المدخنة الشمسية”Solar chimney وقد ذلل مكتب حمزة ومشاركوه مشاكلها، ونجح في خفض تكلفتها، وحرق الهيدروجين، وإنتاج بخار ماء لازم لتشغيل مولدات الطاقة، وتحولت محطات التوليد من مصدر للتلوث الناتج عن حرق النفط إلى مصدر لمياه تروي التشجير والنباتات، وتُنقي المناخ المحيط.
والحكاية السادسة عشرة تتعلق بـ”سفن الجو”؛ المستوحاة من منطاد زبلن، وبُذلت فيها جهود قوية لتكون منتجا وطنيا خالصا، إلى أن تمكنت بريطانيا من تصنيعه عام 2016، ورصدت روسيا 250 مليار دولار لاستخدامه في ربوع روسيا، خاصة في سيبيريا، وربطه بالسكك الحديدية هناك، وأخفقت مصر في تصنيع “سفن الجو” لعدم أخذ الدولة بنظام المخاطرة التجارية، الموجود في كثير من دول العالم، وتمكنها من الصرف على مثل هذه المشروعات والإنشاءات.
مصر زراعية أم صحراوية؟
سماء مصر صافية أغلب شهور السنة، وفضاؤها مفتوح باستمرار، وشمسها ساطعة دوما، طاقتها متجددة لا تنضب، والانفتاح على مصر، كما يبدو من رؤية د. حمزة، قد يُعيد تصنيفها مجددا، ويضيف إلى وصف المؤرخ الاغريقي هيرودوث بأنها هبة النيل، لتصبح مصر هبة الصحراء، وتتغلب على محدودية المساحة المَرْوِية، وتخفف من وطأة الطبيعة الصحراوية الغالبة، فالمساحة المزروعة والمسكونة في حدود 5 في المئة من مساحتها الكلية، والمطلوب بإلحاح خروج المصريين من ضيق الوادي والدلتا إلى رحاب صحراء جديدة؛ مسكونة ومنتجة ومستقرة فيتعود المواطن على العيش فيها والتأقلم معها؛ خاصة إذا ما كانت قادرة على استيعاب 12 مليون نسمة.
عرض الكتاب للمراسلات والخطابات المتبادلة، وكم الاجتماعات الخاصة بشبكة المشروعات ذات العلاقة بتنمية الصحراء الغربية، في ظروف أكدت ندرة المياه الجوفية التي لا تكفي لأكثر من 550 ألف فدان، ﻻ ملايين الأفدنة كما روجت مصادر رسمية من قبل. وسعى مكتب حمزة ومشاركوه، على تقديم المشروع إلى كل الحكومات المتعاقبة على مدى ثمان سنوات، وعند بدء التنفيذ لم ينسب لواضعيه، ومع ذلك قال ممدوح حمزة: “سعدنا حين أُعْلِن عن تدشين جزء من هذه المنظومة، أو القلب منها في الفرافرة. فلم نهتم بتجاهل نسبتها لأصحابها الحقيقيين” واستطرد: “كنا نتمنى تفادي أخطاء فارقة في استيعاب جوهر المشروع وفي التنفيذ، وأسلوب التصرف مع الأرض. فالمزارع التي قُسمت إلى مساحات مربعة ومستطيلة لا تناسب طبيعة المنطقة، والمياه الجوفية تفرض تقسيمها إلى مساحات متعرجة وثعبانية، حتى لا تتداخل الآبار، وتتفادى المساحات غير الصالحة للزراعة، وبدا كأن حفر الآبار هدف في ذاته. وقد أغلقت بعد ذلك، لكونها لن تستخدم في المدى المنظور”.
د. ممدوح حمزة: “الانفتاح على مصر… تنمية الصحراء الغربية”
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2018
232 صفحة.