العراق: حكومة عادل عبد المهدي بين البرنامج الطموح وألغام التطبيق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

 

بغداد-“القدس العربي”:  رغم إقرار البرلمان العراقي تشكيلة الحكومة الجديدة برئاسة عادل عبد المهدي، إلا انها قوبلت باعتراضات ومواقف مناوئة من قوى سياسية مختلفة، بما يهدد إمكانيات نجاح الحكومة في تنفيذ برنامجها ومجابهة التحديات الخطيرة التي تحيط بالبلاد.

فبعد ولادة قيصرية معقدة، ومباحثات وصفقات ماراثونية بين الكتل السياسية، منح مجلس النواب في جلسته يوم الأربعاء الماضي، الثقة لحكومة ناقصة يقودها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وتضم 14 وزيرا فضلا عن التصويت على المنهاج الحكومي، على ان يتم لاحقا ترشيح بقية التشكيلة لتضم 22 وزيرا، والتي تأخر حسمها بسبب شراسة الصراع بين الأحزاب على نيل الوزارات، مع توقعات ان يشتد الصراع أكثر الآن للاستحواذ على الوزارات الثماني الباقية التي تعتبر الأهم في التشكيلة الحكومية وأبرزها وزارات الدفاع والداخلية والعدل.

وفي عرضه لبرنامج حكومته أمام مجلس النواب، تعهد عبد المهدي، بتنفيذ جملة أمور ملحة منها الالتزام بتوقيتات تنفيذ فقرات برنامج الحكومة ومحاسبة الوزارات المتلكئة وتوفير الخدمات وإلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء وإنهاء إدارة المواقع العليا بالوكالات وعدم التساهل مع الفساد والعمليات غير القانونية ومكافحة الإرهاب وإعمار المدن المدمرة وغيرها. إلا ان الكثير من السياسيين والمراقبين شككوا في قدرة عبد المهدي على تنفيذ فقرات البرنامج التي كررها رؤساء الحكومات السابقة أيضا دون التمكن من تطبيق معظمها ومن بينها مكافحة مافيات الفساد وانتشار السلاح والميليشيات وإعادة بناء المدن المدمرة. وقد علق النائب فائق الشيخ علي، على البرنامج الحكومي لعبد المهدي قائلا: “لن يستطيع تشرشل تطبيقه ولو سانده هتلر وموسليني وصدام”.

وشهدت مساعي تشكيل الحكومة أشكالا متعددة من الصراع والتنافس والابتزاز بين الأحزاب ورئيس الوزراء المكلف، وحتى في البرلمان، حيث عبر معظم النواب اللاهثين وراء المنصب الوزاري، عن امتعاضهم ورفضهم لقرار عبد المهدي قتل أحلامهم وعدم توزير النواب ضمن تشكيلته الوزارية، مهددين علنا بإجراء التصويت “سريا” لإفشال تمرير الحكومة.

أما عن ردود الأفعال المعترضة بعد تمرير التشكيلة الحكومية، فتركزت على الأحزاب التي لم تشملها التشكيلة، ومن مختلف المكونات، وخاصة من المكون السني، حيث أعلن تحالف “القرار العراقي” بزعامة القيادي السنّي أسامة النجيفي، عن تحفظه على تشكيلة عبد المهدي، والمنهاج الوزاري لها، بسبب “فقدان التشاور” مبينا ان “شعار إبعاد الفاسدين بقي شعاراً من غير جذور؛ بل الأتعس أن الكتل السياسية التي تواترت المعلومات بشأن فسادها قد كوفئت، وتم شرعنة الأساليب اللاقانونية عبر التعامل مع الجهات التي قامت بشراء بعض النواب وسرقتهم بناء على مال أو وعود، ما يعني شراء إرادة الناخب العراقي ومخالفة قراره، عبر أساليب جوهرها التلاعب”. وأشار البيان إلى أن “التحالف يؤكد أن تمثيل المكوّن السنّي في الحكومة ناقص” وأنه غير مشارك في تشكيل الحكومة، معلنا انه سيشكل “جبهة معارضة لمراقبة الأداء الحكومي وتقييمه”.

وأكد النائب عن الموصل أحمد الجربا، وبحضور عدد من نواب المحافظة، ان “جلسة منح الثقة مؤامرة لاستهداف العراقيين” وان “عادل عبد المهدي خالف تعليمات المرجعية، وانه لم يكن موفقا في اختيار كابينته الوزارية”. أما رئيس ائتلاف الوطنية أياد علاوي، فقد صرح “أن عملية تشكيل الحكومة تسيطر عليها كتلتان شيعيتان مهيمنتان فقط هما سائرون والفتح” نافيا ان تكون الحكومة الجديدة بعيدة عن المحاصصة.
وخلال جلسة التصويت على الحكومة، انسحب نواب كتلة الإصلاح التي يدعمها مقتدى الصدر من الجلسة وأخلوا بالنصاب ما أدى إلى رفع الجلسة، وذلك بسبب الاعتراض على بعض الأسماء المرشحة. بينما أعلن نواب محافظة البصرة، أنهم قرروا عدم منح الثقة لحكومة عبد المهدي، بسبب تهميش المحافظة وعدم تعيين وزير منها ووجود الإملاءات الحزبية في ترشيح الأسماء.

وفي خضم صراع وتنافس الأحزاب للاستحواذ على (كنز) الوزارات، عاد الحديث في الشارع العراقي عن ظاهرة “الدولة العميقة” التي تلجأ إليها بعض الأحزاب للمحافظة على هيمنتها على السلطة والدولة وخيراتها.

ففي تقليد أصبح مكررا في العراق منذ 2003 يعمد رئيس الحكومة والوزراء المنتهية فترتهم، إلى إجراء تغييرات في مواقع المسؤوليات والمناصب الحساسة وتعيين موالين لهم فيها، قبل تسليم الحكومة إلى شخصيات جديدة، وذلك لضمان استمرار سيطرتهم على أركان الدولة، أو للتستر على الفساد ومحاولة عدم تعرض المسؤول السابق للمساءلة من خلال فتح المسؤول الجديد لملفات الفساد.

وفي هذا السياق، انتقدت بعض الأحزاب والشخصيات، قيام رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وبعض وزرائه، بإصدار أوامر تعيينات وتنقلات في شاغلي المناصب والمواقع المهمة في الوقت الضائع وقبيل تشكيل حكومة عبد المهدي، الذي أصدر بيانا عبر فيه عن رفضه “توقيع عقود وإجراء تعيينات غير أصولية وتغييرات هيكلية في الحكومة” داعيا المسؤولين إلى التوقف عن هذه الإجراءات.

وفي كل الأحوال، فقد جاءت التشكيلة الجديدة لتعكس تمسك القوى السياسية باحتكار تمثيلها للمكونات في السلطة وعدم السماح ببروز أي قوة جديدة تسعى للتغيير والإصلاح، مع توقع بروز صعوبات جمة في طريق حكومة عادل عبد المهدي، ليس بسبب التحديات الكبيرة التي يعاني منها المشهد العراقي مثل انتشار الفساد والميليشيات وإعمار المدن المدمرة والأزمة بين بغداد وأربيل والنفوذ الأجنبي وغيرها، بل وبسبب مواقف القوى السياسية التي تعارض سياسة عبد المهدي وإجراءاته مع مصالحها، ما يدفعها إلى الضغط على الأخير من خلال اللجوء إلى أأأسلوب توجيه النقد والاستجوابات في البرلمان وسحب الثقة من الوزراء، بما يؤدي إلى عرقلة برنامجه وإفشال حكومته، فيكون ذلك على حساب المصلحة العامة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية