الدوحة ـ”القدس العربي”: يكافح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، للاحتفاظ بعرشه، ويتحرك في جميع الاتجاهات سرا وعلانية، محاربا بشراسة، ومستخدما آخر الأوراق المتاحة في رصيده، يعززها بتنازلات شرع في تقديمها بالجملة، قربانا، علها تشفع له الاستمرار في حكم البلاد، مع تداعي ركائز سلطانه، الذي استمات لأشهر يخطط ويرتب لتحقيق المبتغى.
العواصف الهوجاء المثارة حول قصر الأمير الشاب، والضغوط التي خلفتها جريمة اغتيال مواطنه جمال خاشقجي، لن تمر بسلام على الرجل، ولن يتمكن من تجاوزها بأقل الأضرار الممكنة، وستكون الفاتورة والكلفة عالية، يهيئ نفسه مسبقا لتحملها.
تحقيق حلم “التتويج ملكا على السعودية”، لم يعد أمرا سهلا، والدرب لم يعد مفروشا بالورود، مثلما كان من قبل، والمسار الطبيعي الذي كانت تقود خططه تغير بشكل محوري منذ الثاني من تشرين الأول/أكتوبر.
ويسعى محمد بن سلمان بما لديه من طبع البداوة، كخطوة أولى، الانحناء أمام العواصف الهوجاء المثارة بسبب قضية خاشقجي، التي تحولت لقضية رأي عام دولي، وتجاوزت بعدها المحلي، وطابعها الإجرامي الضيق، لتغدو مصدر تهديد جاد.
وكخطوة ثانية يعمل جاهدا ويطمح، آملاً في إنقاذ ما تبقى من سمعته الدولية المتداعية، باعترافه رسميا، باغتيال الصحافي في القنصلية السعودية، بالرغم من محاولاته نفي الأمر، ثم لاحقا تقديم عدد من الرؤوس، أكباش فداء، للخروج تدريجيا من المأزق.
سريعا شرع في تقديم تنازلات بالجملة، وعلى أكثر من صعيد، بإعلانه رغبته في التقرب من اردوغان، الذي كان إلى وقت قريب يعتبره خصما، وندا، ومصدر تهديد لسلطانه، بسعيه لتصدر المشهد في المنطقة، وعدم السماح له بمنازعته أي مشروعية لقيادة العالم الإسلامي.
حديثه بشكل ودي عن الرئيس التركي ومغازلته علنا، في المنتدى الذي غاب عنه الكثير من الفاعلين الدوليين، وسجل تصحرا حقيقيا من حيث الحضور بسبب الفضيحة، يُستشف منه تخبط حاكم السعودية الفعلي، ورغبته الحقيقية الإمساك بطوق نجاة، يخرجه من الوحل الذي تغوص فيه رجليه، مثل مستنقع يبتلع من يقف عليه.
الأمير بن سلمان، تهدمت وتلاشت في لحظات، الصورة الوهمية التي حاول صنعها، منذ تقدمه المشهد، واجتهاده في تسويق نفسه للمجتمع الدولي، رجل إصلاحات، ينقل بلاده نحو عصر الأنوار، محاربا إرث أسلافه، ومستعدا لتنفيذ أي شرط ليحظى بمباركة الولايات المتحدة، وتحديدا رئيسها ترامب، ومستشاره كوشنر، وخلفهما اللوبيات اليهودية التي كثيرا ما خطب ودها.
وتحول أمر الخروج من المأزق الذي وقعت فيه السعودية ممثلة برأسها، كابوسا يطارد المتهم الأول، الذي تحوم حوله الشكوك مدغمة بحقائق عصية على النفي، في اغتيال خاشقجي، وبيأس يدرس الخيارات المتاحة والبدائل الممكنة.
أفول نجم بن سلمان
التفاعل الدولي الواسع مع ما حدث في إسطنبول، ساهم في تغدية قراءات عديدة، تنبئ بزوال سلطان بن سلمان آجلا، وتتوقع اختفاءه من الساحة، مع إمكانيات متزايدة لتبخر أحلامه في خلافة والده حيا، أم ميتا، مستندة على موجة الغضب التي شهدها العالم.
ومنذ الثاني من تشرين الأول/اكتوبر، وتوالي الفضائح والمعلومات عن العملية البشعة التي نفذت في القنصلية السعودية، ارتدت سهام القضية على حلفاء الأمير وأصدقائه في البيت الأبيض تحديدا، واستنفروا لها.
حرج ترامب
الرئيس الأمريكي، ومع تحرك أقطاب المعارضة، ويقودها عدد من الأعضاء المؤثرين في مجلس الشيوخ، منددين ومتوعدين، يقف عاجزا عن الدفاع عن شريكه الاستراتيجي، خصوصا مع تبني مختلف وسائل الإعلام الأمريكية لقضية خاشقجي، بما فيها تلك المحسوبة على اليمين، والمقربة من ترامب نفسه، بالإضافة إلى توالي التصريحات المُدِينة للنظام السعودي.
وبدأت تدريجيا نبرة صوت نزيل البيت الأبيض تتغير، وشرع في عزف ألحان نشاز، وفق تفاعلات الأزمة، وإن كان مجبرا على اتخاذ مواقف تصعيدية، يذر بها بعض الرماد على العيون، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ومخاوفه من تراجع الأغلبية التي يحوز عليها.
وعلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي تتعالى تصريحات مستنكرة من الدول الأوروبية وتحديدا ألمانيا، تصرخ بأعلى صوتها، منددة بالجريمة التي سجلت في عاصمة قريبة من حدودها، وفي دولة عضو في حلف الأطلسي، مع كل ما رافق الملف من معلومات خطيرة تدين رأس السلطة في السعودية، التي توالت فضائحها، خصوصا وأن حرب اليمن ومخلفاتها القاسية على المدنيين، لم يجف حبر الأقلام التي كتبت عنها.
المواقف الحاسمة للعواصم الغربية، إضافة للضجة المثارة حولها، يدفعها في الوقت نفسه، إرث سابق لهذه الدول، يستند على مكتسبات تغلفها مطالب تكتسي حدا أدنى من القيم الأخلاقية، القائمة على احترام وصون حقوق الإنسان، والحريات الشخصية، لإضفاء نوع من الشرعية على مطالبها.
الانحناء أمام العاصفة
محمد بن سلمان وفي خضم الضغوط المتزايدة عليه، يشعر أكثر من أي وقت مضى بانتكاسة خططه، وتضعضع تحركاته لتوطيد دعائم مشروعه للاستحواذ على السلطة، مع كل ما رافقها من مؤامرات، وانقلابات قادها، لاستبعاد وإقصاء منافسيه، وتحديدا محمد بن نايف.
ويتحرك حاليا في جميع الاتجاهات، داخليا أو خارجيا، لتجاوز إرهاصات الفضيحة التي تفوح روائحها النتنة من بيته الداخلي، ولا يرغب أن تعلق بردائه، محاولا الإيعاز أنها من تدبير المجموعة المنفذة وجرت من دون علمه.
الحاكم الفعلي والمتحكم في قرار الدولة السعودية يلقي بأوراق لعبه في جميع الاتجاهات، لامتصاص الغضب، واسترضاء الغاضبين، والإيعاز بعقد صفقات مجزية، هي أقرب للرشاوي منها للمشاريع، لشراء صمت الفاعلين الدوليين.
داخليا، يتحرك ولي العهد السعودي في مسار سيشهد تعرجات صعبة لتوطيد مشروعه السياسي، باستكمال مسعاه لإقصاء أبرز منافسيه من الأمراء داخل العائلة المالكة، وتغييب والده سلمان بن عبد العزيز عن شؤون الحكم، وفرض طوق مشدد عليه، لمنع أي شخصية مؤثرة من التواصل معه، أو كشف تبعات القضية المهددة لعرش العائلة بشكل عام.
استراتيجيته الحالية تسعى لتشتيت أوسع لمراكز القوى في الدوائر المؤثرة في الرياض، واستبعاد من تبقى من الشخصيات المؤثرة عن الساحة، وتهميش الأمراء الآخرين وبسط نفوذه على المؤسسات، لتعزيز مكانته في العرش بالتحكم في الملك.
ويعمل بن سلمان مجددا على جمع كافة نقاط القوة حوله، لاستبعاد أي نقاش قد يفتح في الكواليس أو الدوائر المغلقة يشجع على التفكير بالتضحية به لإنقاذ مملكة آل سعود التي تواجه أسوء أزمة في تاريخها.
الخطوات التي يتخذها ولي العهد السعودي لتجاوز المحنة التي عقدت لفترة قد تطول خططه في بسط يده بشكل نهائي على العرش، وإن كانت ستحافظ على مركزه الداخلي ولن يتأثر بها، إلا أنها ستظل وصمة عار تلاحقه دوما، ولن يتجاوزها أو يمحوها من سجله.
والمملكة السعودية ستظل جريمة اغتيال مواطنها الكاتب الصحافي جمال خاشقجي، لحظة فارقة في تاريخها الحديث وسيؤرخ للثاني من تشرين الأول/اكتوبر على أنه ذكرى العملية التي أهين بها بلد سيضطر حاكموه للدفع بسخاء لأي جهة ستبزهم مستقبلا بسببها، تكلفها الكثير والكثير.