تركيا تريد الوصول لجثمان خاشقجي ومحاكمة القتلة المباشرين وتحديد رأس الهرم السياسي

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول-“القدس العربي”: على الرغم من المماطلة السعودية المتواصلة في التعاون مع تركيا لاستكمال ملف التحقيق في مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في الثاني من الشهر الجاري، ومساعيها للتوصل إلى “توافق” سياسي يسمح باحتواء القضية، ما زالت تركيا تُصر على مطالبها باستكمال التحقيق بشكل كامل قبيل الحديث عن أي تفاهمات حول القضية التي باتت محل اهتمام متزايد من قبل العالم.

وتعمل تركيا في الوقت الحالي ضمن استراتيجية واضحة تمر عبر ثلاث مراحل أساسية، أولها الوصول إلى جثمان خاشقجي لمعرفة مصيره لكي تتمكن من استكمال التحقيق وتحديد كافة الأبعاد الجنائية للجريمة، ومن ثم الانتقال إلى ملف محاكمة المتهمين بتنفيذ العملية بشكل مباشر، وصولاً للاستحقاق الكبير المتمثل في معرفة “رأس الهرم السياسي” الذي أعطى الأوامر لتنفيذ العملية.

الوصول إلى الجثمان 

تنصب جميع الجهود التركية في هذه المرحلة على محاولة معرفة مصير جثمان خاشقجي وذلك منذ أن اعترفت السعودية بمقتله رسمياً لكنها ما زالت حتى اليوم ترفض تقديم أي معلومات للجانب التركي تساعد في الوصول إلى مكانه أو معرفة مصيره.

وباستخدام وسيلة الضغط المعتادة “التسريبات” تمكنت تركيا من إجبار الجانب السعودي على الموافقة على تفتيش القنصلية ولاحقاً بيت القنصل والتحقيق مع موظفين أتراك وأجانب بالقنصلية، ولاحقاً تفتيش سيارات تابعة للقنصلية وبئر مياه داخل بيت القنصل، وغيرها من الأماكن، لكنها لم تقدم أي معلومات للمحققين الأتراك الذي لم ينجحوا حتى اليوم في معرفة مصير الجثمان.

ومنذ أيام ركز الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وعدد من وزرائه وكبار المسؤولين الأتراك مطالبهم للجانب السعودي بضرورة الكشف عن مصير جثمان خاشقجي. وقال اردوغان في خطاب له، الجمعة: “من هو المتعاون المحلي الذي (تسلّم جثته)؟ عليكم أن تكشفوا عنه. إن قتل خاشقجي واضح للعيان أين الجثة؟ ينبغي أن تُظهروها”.

وبالتوازي مع الضغط السياسي، واصل المحققون الأتراك محاولاتهم للوصول إلى مكان جثة خاشقجي وذلك مع تزايد الشكوك حول إمكانية قيام فريق الاغتيال السعودي بتذويب الجثمان بواسطة مواد كيميائية والتخلص منه عبر شبكة الصرف الصحي المرتبطة بمنزل القنصل حيث جرت عمليات تفتيش واسعة وقام، الجمعة، فريق من الخبراء الأتراك بفحص شبكة الصرف الصحي في شارع القنصلية عبر كاميرات مسيرة.

ورغم تصعيد تركيا لمطالبها للسعودية بتسليمها المتهمين الـ18في قضية قتل خاشقجي لمحاكمتهم في إسطنبول، إلا أن وسائل إعلام تركية قالت إن هذا الأمر لا يمثل أولوية في الوقت الحالي للجهات الرسمية التركية وإنما هي وسيلة ضغط من أجل إجبار السعودية على الكشف عن مكان الجثمان أو مصير ما تبقى منه.

محاكمة “القتلة المباشرين”

عقب تمكن السلطات التركية من الوصول إلى جثمان خاشقجي تكون بذلك قد اكتملت الأدلة المرتبطة بارتكاب الجريمة وتحديد آلية تنفيذها والمساعدين في التخلص من الجثمان وعقب ذلك سوف تتمكن الجهات القضائية التركية من تحديد جميع المشاركين المباشرين في الجريمة وهو ما يعني بدء الحديث بشكل جدي عن استحقاق محاكمتهم.

هذا الاستحقاق بدأ مبكراً، وجاء على شكل خلاف تركي سعودي حول المكان الذي سيخضعون فيه للمحاكمة، فتركيا التي مهدت تدريجياً للمسألة بدأت رسمياً بإجراءات الطلب من السعودية تسليمهم لمحاكمتهم في إسطنبول، لكن السعودية سرعان ما أكدت أن محاكمتهم سوف تتم في المملكة.

ومن غير المعلوم حتى الآن ما إن كانت تركيا تنوي فعلاً الضغط على السعودية حتى النهاية من أجل إجبارها على محاكمة المتهمين على أراضيها، أو أن ما تقوم به الآن هو وسيلة للضغط ورفع سقف المطالب من أجل إجبار الرياض على الكشف عن مصير جثمان خاشقجي في هذه المرحلة.

وحسب التفسير التركي لبنود اتفاقية فيينا التي تنظم العمل الدبلوماسي بين دول العلم وتحدد حصانة السفارات والقنصليات وحاملي الحصانة الدبلوماسية، فإن من حق تركيا محاكمة المتهمين بارتكاب جريمة قتل خاشقجي على أراضيها كون الجريمة نفذت داخل حدود الجمهورية التركية رغم أن ذلك وقع داخل أسوار القنصلية.

وفي أول خطوة عملية، أعلنت النيابة العامة التركية، الجمعة، أنها باشرت الإجراءات اللازمة لتقديم طلب إلى الرياض يقضي بتسليمها 18 سعوديا يشتبه بتورطهم بقتل خاشقجي، حيث سلمت النيابة العامة اسماء المشتبه بهم الـ18 إلى وزارة العدل التي بدورها سلمتها إلى الخارجية لنقل طلب التسليم إلى السلطات السعودية عبر القنوات الرسمية المعروفة.

ومع تصاعد الضغط التركي، من المقرر أن يزور النائب العام السعودي إسطنبول اليوم الأحد في إطار التحقيق في قتل خاشقجي، وتقول مصادر تركية إن النائب العام السعودي ربما يحمل إجابات للجانب التركي حول جثمان خاشقجي وإفادات للموقوفين الـ18 في السعودية وذلك في محاولة لإظهار التعاون مع أنقرة وحثها على وقف المطالبة بتسليمهم للمحاكمة في تركيا.

وللضغط أكبر على الجانب السعودي، أطلق اردوغان تهديدات جديدة للسعودية عبر قوله: “ليس الأمر وكأنه ليست لدينا عناصر أخرى أو وثائق أخرى بين أيدينا. لكن غدا يوم آخر. لا تفيد العجلة بشيء”.

لكن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، قال السبت، إن المشتبه بهم ستتمّ ملاحقتهم في السعودية، مضيفاً: “هؤلاء الأفراد مواطنون سعوديون. إنهم موقوفون في السعودية والتحقيق يجري في السعودية وستتمّ ملاحقتهم في السعودية”.

وفي حال كانت تركيا تنوي فعلياً محاكمة المتهمين على أراضيها، يتوقع أن تضع الرياض بين خيارين أحلاهما مر، وهما: إما القبول بالعرض التركي ومحاكمتهم في إسطنبول ضمن معايير معينة وتطمينات من الجانب التركي، أو طلب تركيا مساعدة دولية بمحاكمتهم في محكمة الجنايات الدولية، وهو ما لا ترغب الرياض بالوصول إليه.

الوصول لـ”رأس الهرم السياسي”

منذ أيام، يؤكد الرئيس التركي على أن التحقيقات والمحاسبة يجب أن لا تتوقف عند المنفذين المباشرين لهذه الجريمة وإنما يجب أن تشمل “رأس الهرم السياسي” الذي أعطى الأوامر لهذه المجموعة بتنفيذ عملية قتل خاشقجي، وهو يشير بذلك إلى مسؤولين كبار في الدولة السعودية ربما يكون من بينهم ولي العهد محمد بن سلمان.

وبينما تركز أنقرة حالياً على المرحلة الأولى المتمثلة بالوصول للجثمان، والثانية المتمثلة في محاكمة المتهمين المباشرين، لا يعرف إن كانت سوف تتصدر المشهد وتصر على إجبار الجانب السعودي على الاعتراف بالمسؤول السياسي الأعلى الذي أمر بتنفيذ هذه المهمة أم لا.

فحسب محللين أتراك، فإن تركيا مهمتها الأساسية تتمثل في إتمام المرحلة الأولى والثانية، بينما تقع مسؤولية متابعة المرحلة الثالثة على المجتمع الدولي بشكل عام، الذي ستكشف التطورات ما إن كان سيواصل حتى النهاية ضغوطه ضد السعودية للكشف عن رأس الهرم السياسي أم أنه سيقبل بمرحلة من المراحل برواية رسمية سعودية معدلة.

كما ان من غير المعروف حتى الآن مدى امتلاك تركيا أدلة يمكن أن تدين مسؤولين سعوديين أكبر من الموقوفين، حيث لم تؤكد مصادر رسمية أياً من التسريبات التي تحدثت عن اعتراض اتصالات تثبت علاقة مباشرة لولي العهد محمد بن سلمان بهذه العملية، على أن تكشف التطورات في الأيام والأسابيع المقبلة مدى الإصرار التركي على كشف “رأس الهرم السياسي” الحقيقي الذي أمر بقتل خاشقجي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية