الغرب والديمقراطية العربية

حجم الخط
0

عبّر الموقف الغربي، الأوربي والأمريكي، المؤيد لـ « الربيع العربي»، عن نقلة في المقاربة التي اعتمدها الغرب تجاه العالم العربي وشؤونه. فالغرب، الذي وفّر شبكة أمان لمنظومة الوضع العربي القائم، لفترة طويلة، ذهب، عند نهاية القرن الماضي، الى رفع الغطاء عن تلك المنظومة. ولم تتأتى تلك النقلة من اعتبارات خيرية أو أخلاقية، بل جاءت لاعتبارات نفعية وبرغماتية خالصة.
فلقد بدا، للأوربيين والأمريكيين، أن كلفة توفير غطاء للديكتاتوريات كانت أكثر ارتفاعاً من كلفة دعم الديمقراطيات. وهذا ما أكدّته تجربة الحرب على «الراديكالية الإسلامية» المعادية للغرب، حيث تبين، عبر التجربة الملموسة، أن الحلف غير المقدس الذي عقده الغرب مع الديكتاتوريات العربية لاستئصال شأفة «الراديكاليين» انتهى الى تعاظم قوة الأخيرين وتجذر خطاب العداء المفتوح ضد الغرب كحضارة وهوية وكيان.
وذهب التحليل الغربي الى أن منع الديكتاتوريات، لمعارضة داخلية مسؤولة، من التطور الطبيعي، ضمن عملية سياسية مفتوحة، هو السبب الذي يقف خلف توجه «الراديكاليين» نحو العمل تحت الأرض واعتمادهم العنف سبيلاً. وكان هذا التحليل هو العمود الفقري لمبادرة جورج بوش حول الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير.
بالإضافة الى ذلك، نُظِر الى قيام مجتمعات ديمقراطية في الشرق العربي على أنها خطوة من شأنها أن تجعل من «القاعدة» تخسر حرب الأفكار؛ كما نُظِر على أنه عمل من شأنه أن يجعل العنف الفائض نحو خارج الحدود أن يعود ليُصّرف في الداخل عبر قنوات ديموقراطية سلمية.
كما ساد الاعتقاد بأن وصول تلك التيارات الي سدة السلطة سيؤهلها لتكون لاعباً عقلانياً مسؤولاً تتوفر رؤيته، للسياستين المحلية والدولية، على مرجعية مفهومة وقواعد واضحة.
وكانت التجربتان الافغانية و العراقية مدتا صانع القرار الغربي بتجربة حية ومعاشة مع «الراديكاليين». فلقد انتهت التجربة الأمريكية في افغانستان الى التفكير بإشراك طالبان في العملية السياسية. وانتهت التجربة العراقية الى القبول بتولي القيادي في حزب «الدعوة الإسلامية»، ابراهيم الجعفري، منصب أول رئيس لمجلس الحكم في العراق.
غير أن القلق الغربي من «الراديكالية الإسلامية» لم يكن وحده هو ما دفع بالغرب الى تأييد «الربيع العربي»، فلقد كان يصطف الى جانب ذلك القلق خوف من أن تنحدر الحالة في «الجنوب الإسلامي» الى ما لا تحمد عقباه. فلقد كان الانسداد والجمود السياسي وانعدام قدرة اقتصاديات «الجنوب الإسلامي» على التطور والتكامل في شبكة الاقتصاد العالمي هواجساً تلقي بظلالها الثقيله على الشمال الأوربي. وكان الحال ينذر بانفجار ديمغرافي وهجرات واسعة وفقر وإحتراب أهلي وسياسي وعنف ديني.
وقد كان بوسع ذلك كله أن يترك تداعيات أمنية واستراتيجية على الضفة الشمالية للمتوسط. وقد يمتد ليصل الى ضفاف الأطلسي أيضاً. ولم يكن هناك مايضمن ألا تنزلق المنطقة الى حالة من عدم الاستقرار تتطور لاحقاً الى تأسيس حالة من دول فاشلة.
وهذا ما استدعى الى الذاكرة الغربية مرحلة القراصنة، أو الحروب البربرية(الطرابلسية)، في القرن الثامن عشر، عندما كانت أساطيل ليبيا وتونس والجزائر تفرض الجزية على السفن الغربية المبحرة في المتوسط؛ وهي المرحلة التي انتهت بإغراق الفرقاطة الاميركية فيلادلفيا وإعلان الباشا يوسف القرمانللي، حاكم طرابلس آنذاك، الحرب على الولايات المتحدة ومن ثم دخول الأسطول السادس الى البحر المتوسط وإحتلال درنة الليبية التي كانت أول قطعة أرض يحتلها الجيش الأمريكي خارج بلاده.؛ الخطوة التي وصفها الرئيس الأمريكي، توماس جيفرسن، حينها، ب» الخطوة الآولى نحو بناء الإمبراطورية الأمريكية».
تبدو قائمة الدوافع الغربية، لتأييد «الربيع العربي»،طويلة. وتختلط فيها التوقعات بالمخاوف. بيد أن الإضاءة انصبت هنا على المخاوف وعلى ماهو أولي وجوهري وبدهي منها. أما فيما يتعلق بالتوقعات- كموضوع «الحلف الديمقراطي» مثلاً- فأن الحديث عنها سيبدو كما لو كان رجماً في الغيب أو ضرباً للمَنْدَل ففي تلك التوقعات يختلط الواقعي، حقيقةً، بالمتخيل.
أسامة مصالحة_ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية