نوستالجيا الأرض في «النهايات» لعبد الرحمن منيف

لا أعرف روائيا عربيا يتمتع وربما يتعذب بحس جارف للطبيعة مثل ربان أدب الصحراء عبد الرحمن منيف «خماسية مدن الملح».
الأرض والأشجار والتراب والحيوانات والطيور تتداخل في رواياته بقوة وحيوية ومذاق خاص، بل إن شخصياته لا تتجوهر إلا عبر الطبيعة المحيطة بها. فتبدو وكأنها امتداد لها. وهذا الحس للطبيعة لديه هو بعض من حسه المكاني. فسواء أكان المكان سجون المدينة المظلمة الخانقة «شرق المتوسط» أو الأرض الريفية المترامية التي تنغرس الأقدام في أوحالها وتتنفس الرَئات رياحها وتتلقى الوجوه شموسها وأمطارها «الأشجار واغتيال مرزوق» أو «حين تركنا الجسر».
فإن الحس المكاني يفيض على القارئ ويدخله في غمرته مجددا كل مرة تأكيده على حضوره وخطورته. و«النهايات» رواية عبد الرحمن منيف الصادرة سنة (1978) على اختلافها كرواية عن سابقاتها، فإنها تتميز بقدرة مؤلفها على إيصال هذا الحس بالطبيعة إلى القارئ بشكل حي.
ويسخره في تكثيف تجربة قد لا تكون مألوفة لدى المتلقي. ولكنها شيئا فشيئا تتوغل عميقا في أدغال ذهنه. (الطيبة) مسرح هذه الرواية هي قرية معينة ذات جغرافيا وتضاريس معينة، لكنها في الوقت نفسه على فذاذتها هي كل قرية في أي بلد عربي، وربما في أي بلد في العالم. إنها نمط أعلى يلح على ذاكرة المرء ويتراءى له في يقظته وفي حلمه.

جعل عبد الرحمن منيف من (الطيبة) القرية الرحم والقرية المرجع والقرية الأم الرؤوم.

بدر شاكر السياب جعل من (جيكور) الحقيقية رمزا لكل قرية يتوق الإنسان إلى العودة إليها هاربا من قحط العالم وموته إلى خصبها وميلادها المتجدد. وهنا يجعل عبد الرحمن منيف من (الطيبة) القرية الرحم والقرية المرجع والقرية الأم الرؤوم، ولكن أي رحم وأي مرجع والقحط كغضب من السماء يهدد بمحقها، ولكنها لا تمحق وتبقى. يقول عساف بطل هذه الرواية «قلنا لكم مئات المرات هذه الأرض لا تطعم حتى الجرذان وأنتم هنا تتشبثون بها وكأنها الجنة، اتركوها»، لكن كيف يتركونها وموتها هو موتهم. فالطيبة هي حاضر شاق يحمله الماضي ويمده بالحياة. إنها القرية العربية التي غذت العرب لألف سنة حين تهافتت المدن وتهافت الربيع من حولها. ولكن ديمومة سحرية أبقت القرية ينبوعا للحياة يشرب منه أهلها فلا يستطيعون البعد عنها، وإذا ابتعدوا حنوا إليها، وإذا لم يعودوا إليها ماتوا وهم في نشوة الحنين وألمه. الطيبة في النهايات تشبه الطيبة في «الأشجار واغتيال مرزوق» كلتاهما جنة وكلتاهما وقعت تحت سيف عات. وإذا كانت في «الأشجار واغتيال مرزوق» ستدفع خير من فيها إلى الهرب منها فإنها في «النهايات» ستحوي بين جنبيها تفجرها المذهل وصبوتها معا. إنها مرثية عميقة الأنغام للجنة التي بقيت حاضرة راسخة في أذهان أهل القرية، إذ راحت أرضها تشح ومياهها تقل وهم يتشبثون بهذه الحبيبة التي لا يذكرونها إلا طرية، ندية، بشذا الفواكه وعطر الورود، وضاجة بأنغام المغنين والراقصين. والروائي باختياره لهذا الاسم الجميل لقريته لا شك يذكرنا ضمنيا بأن في سوريا وفلسطين والأردن، قرى كثيرة تحمل هذا الاسم.
إن الطيبة تجمع بين معنى طيب المذاق والهواء والطبع، ومعنى البقاء. فالطيبة هي أيضا العائشة، الصامدة في وجه صروف الدهر والحية المتجددة والسرمدية، رغم أنف الأحقاب والعصور. النهايات يراها الروائي هنا حيث التشبث بالحياة يبقى عنيدا وعاتيا، رؤية المأساة والشاعرية معا، أي أنه يراها بمفارقاتها على مداها الفاجع ومداها الأسطوري الأوسع مرمى والأعمق جمالا وحزنا. إنها نوستالجيا الأرض والصخر والتراب. فقرية الطيبة التي يتحدث عنها الكاتب في رواية «النهايات» هي القرية الأولى والأخيرة يراها عذراء، شهية، بهية يحن إليها حنين أبنائها. ويبكي أحزانها. هكذا كانت تجري الأحاديث يقول المؤلف وهو يأخذنا بنشوة أبنائها «في الطيبة السماء قريبة، شديدة الصفاء والليالي هناك مليئة بنشوة لا تجدونها في أي مكان آخر من هذا العالم.
أما الفواكه، أما الألبان كالجبنة حين تكون طازجة والزبدة حين تقطف والدجاج والخراف الصغيرة وهي تشوى على نار الحطب لا يمكن أن يكون لها مثيل. ثم هناك الصيد، الصيد وفير. فالحجل والأرانب وحتى الحيوانات المتوحشة التي انقرضت في معظم البقاع يمكن أن توجد في بعض الأودية العميقة المحيطة بالطيبة والينابيع الغزيرة تتفجر من شقوق الأرض وتتدفق من تحت كل صخرة» قوى النماء كلها تتجمع هنا وقوى النماء كلها تتراجع في وجه الجفاف والأهلون سيصمدون لهذا الجفاف وتتبدى في أقاصي
تجربتهم بطولة عشق للقرية المعذبة وامتحان قلق لحكمتهم. وإن يكون لكل قرية شيوخها وعقلاؤها فإن لها مجانينها أيضا، كما يقول صاحب النص ومجنون الطيبة يكاد يكون الرجل الوحيد الذي يعطيه الكاتب اسما وهوية. ففي جنونه شيء من جنون الأولياء ولعل الهوس بالقرية وبامتداد حياتها في الصيد لا يتمثل إلا بهذا الصياد المجنون الرائع الذي هو بحبه وفهمه للناس والطبيعة أكبر قامة من العقلاء جميعا. قد يحرمونه متعة الحياة مع زوجة، قد تعرض عنه الفتيات كلهن، ولكنه يبقى عاشقا دائما لكل ما في أرض قريته وما في سمائها. يقدس شرائعها على نهجه. هذا هو عساف البطل الملحمي والمأساوي في «النهايات». ولسوف تزفه نساء القرية في النهاية وهو في رقدة موته كما لم يزف عريس حيا، في جنازة من أفجع وأروع ما قرأت. لم يكن مختار (الطيبة) وحده الذي أدرك أن موت عساف خلق منه قديسا الذي من موته تنطلق احزان القرية والقرى المحيطة بها مصحوبة بالحيرة والرؤية والغضب، وكأن نارا عاصفة ستأخذ الدنيا وتعيد إلى الناس تفجرات الحب وتدفع بهم إلى جنون عارم. وإذا التابوت يبدو كجنازة من جنائز كربلاء يطير فوق أكف وأكتاف حامليه وسط جموع المحتشدين. وإذا النساء يمزقن جيوبهن وينخرطن في رقص هائل مريع كأن عساف هو زوجهن جميعهن. لقد أضحى عساف عريس الشهداء وليا، بل إلها من آلهة العصور الغابرة. وعبد الرحمن منيف، إذ يخلق هذا البطل الغريب يرفده ببطل آخر فيه شيء من صفاته يغنيه عن حب الناس جميعا، إنه كلب مصاب في إحدى عينيه، ينهض بدوره رمزا آخر كما الحيوانات والطيور في هذا الغدير الحكائي.

 منيف هو أبرع من كتب في الصيد في اللغة العربية، وأبرع من جعل من كلبين اثنين شخصيتين لا تنسيان في أدبنا السردي المعاصر.

و عبد الرحمن منيف هو أبرع من كتب في الصيد في اللغة العربية، أبرع من جعل من كلبين اثنين شخصيتين لا تنسيان في أدبنا السردي المعاصر. وردان كلب (زكي النداوي) بطل رواية «حين تركنا الجسر» وكلب عساف هذا في «النهايات» رفيقه حتى الموت. يقول الراوي (كان عساف مدفونا بالرمل، لم يكن يظهر إلا رأسه وفوق الرأس تماما كان الكلب رابضا، وكان الجزء الأكبر من جسد الكلب مدفونا بالرمل أيضا لكن بطريقة غريبة وكان يشكل سياجا حول جسد عساف خاصة رأسه. كان يحتضنه، عساف مات قبل الكلب ولابد أن بعض الطيور أحست وعرفت بذلك وجاءت لتأخذ نصيبها منه، لكن الكلب في محاولة لحماية عساف نازلها نزال الموت حتى صرعته… لقد مزقته بمناقيرها لتصل إلى عساف فيما يدافع هو عن نفسه وعن عساف».
إذن الطيبة حل فيها القحط وأمحلت الأرض وجفت السماء وراح الناس يبحثون عن الحيوان والطير غداء لهم أكثر مما كانوا في ما مضى يبحثون. وغدا للصيد قيمة مراسمية لا يستدر الخير منه إلا ولقوى الشر مكان فيه. وتصبح لعلاقات الإنسان بالحيون والطير معان خارقة. وتفصح الطبيعة عن علاقات توازيها وتناقضاتها بين الحيوانات والطيور. وإذا الإنسان والحيوان يتبادلان الرمز ويتبادلان المغزى. كما اكتشفت البشرية منذ وعت وجودها أن العالم هو دقيق التوازن وسهل الاضطراب، حيث النهايات تستبد على طريقتها بالإنسان والحيوان وقد تكشف عن سمو في حس الطبيعة. حل القحط في الطيبة ثم ذلك الاستقطاب الرهيب الذي هو ضرب من الخيال. ولسوف يقابله هوج ماحق تنفجر به الطبيعة لتقتل عساف بالذات ذاك الذي كان أشد الناس ورعا وتقديسا لشرائعها. إذ يحاسب أهل القرية أنفسهم، كان لابد لذلك الذي أصبح بطلا وشهيدا أيضا أن يكبر ويشمخ حتى درجات التبجيل ليبلغ سدرة منتهى الفضيلة.
كيفما نقرأ هذه الرواية فإننا باستمرار نتحرك في خطوط تتوازى فيها الوقائع والرموز فتعود بنا إلى تجربة أهل (الطيبة) انتماؤهم إلى الجذور وذهولهم الدائم أزاء الحب والموت في الإنسان والطير والحيوان، ومن ثمة اكتشاف كونه ينتمي إلى هذه القوى الغامضة في الكون التي تجعل من الحب والموت أعنف وأقدس ما في الطبيعة كلها. فالطيبة بكل ما فيها وما حولها من كلاب وغزلان وغربان وحمائم وقطا تنداح في السماء اندياح السحب المسرعة، وهي نمط أعلى من تغريدة الحلم. إنها كل قرية عرفناها لا في وعينا وخبرتنا الظاهرة وحسب، بل في الأعماق الدفينة من لاوعينا وتجاربنا الغامضة. ومن هنا قدرتها على الفيض بكل هذه الأقاصيص التي لا حصر لها والتي تؤكد لنا جذورنا الغابرة. وفي الوقت نفسه تغمرنا بنظام من الإشارات والدلالات لنهايات لا تنتهي وقدرة عجيبة على الصمود والمقاومة هي أيضا لا تنتهي. ألم يختزل هوميروس ملحمة الإنسان في عبارته الشهيرة «قصة الآلهة التي تحوك المآسي لبني البشر كي يكون للأجيال القادمة شيء تتغنى به».

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية