في خريف 1979 وصل إسرائيليان مع جوازي سفر أجنبيين في رحلة جوية إلى مسقط عاصمة عُمان. الأول كان روبين مرحاف، مسؤول كبير في الموساد كان يعنى بمواضيع الشرق الأوسط وقد أصبح لاحقًا مدير عام وزارة الخارجية، والثاني كان عضو هيئة الأركان اللواء مندي مارون. عند هبوطهما، نقل الرجلان إلى فيلا فاخرة في مسقط، ومن هناك جوًا في طائرة ملكية للقاء السلطان قابوس في خيمة خارج العاصمة. وقد تسليا جدًا بحقيقة أن المراحيض في الطائرة، بما فيها المقعد، كانت مصنوعة من الذهب.
استمرت المداولات حتى الليل، وبعدها خرج الضيفان لزيارة سرية في جيب عُماني صغير يسمى راس مسندن يقع في أقصى شبه الجزيرة العربية ويسيطر عمليًا على مضائق هرمز، بوابة النفط العالمي. واستذكر مرحاف أمس قائلاإن «أهمية ذاك اللقاء كانت في مجرد وجوده، علاقات مباشرة وإن كانت سرية، مع دولة عربية هامة تقع في موقع استراتيجي أول في سموه».
لقد كان اللقاء إياه واحدًا من لقاءات عديدة جرت منذ السبعينيات بين محافل إسرائيلية رفيعة المستوى والمسؤولين في عُمان. وعبر العلاقات مع عُمان فتحت البوابات لعلاقات سرية هامة مع دول أخرى في الخليج، وعلى رأسها اتحاد الإمارات العربية وقطر.
ان الزيارة العلنية والاستقبال الملوكي الذي حظي به نتنياهو في نهاية الأسبوع جاءا نتيجة عمل استغرق أربعة أشهر بقيادة الموساد. يمكن الافتراض بأن رئيس الموساد يوسي كوهن زار مسقط للاتفاق على التفاصيل. وكان بين شركاء السر الإسرائيليين من سألوا أنفسهم لماذا يبدي السلطان الآن بالذات استعدادًا لزيارة على هذا القدر من العلنية تجتذب العناوين. الجواب لا يوجد في القدس. فقابوس يسعى لأن يبدي وجهًا آخر للغرب، وجهًا من الليبرالية والتسامح. فقد تقررت زيارة نتنياهو قبل اغتيال خاشقجي، ولكن الحدث الرهيب لا بد أنه أكد فقط حاجة عُمان لأن تضرب مثالاً بأن هذا يعد في حالتها شيئًا آخر تمامًا.
إن المكسب المحتمل لإسرائيل من هذه الزيارة هو ثلاثي: أولاً عُمان محور يتوسط بين دول عديدة ومقبولة منها جميعًا، بما في ذلك إيران، وقطر، والسعودية وسوريا، كوسيط نزيه. عبر عُمان يمكن لإسرائيل أن تقيم اتصالاسريًا مع كل جهة تريدها. وهذا منوط بالطبع بموافقة تلك الجهة، ولكن تحت رعاية قابوس يكون هذا أبسط بكثير. يقول مصدر إسرائيلي رفيع المستوى إنه «لا يستبعد إمكانية استخدام عُمان لإجراء حوار سري مع إيران وسوريا». ثانيًا، الأمل هو أن تتأزر دول أخرى بالشجاعة وتكشف هي أيضًا عن الاتصالات مع إسرائيل. وثالثًا، من ناحية نتنياهو، فإن الكشف عن الاتصالات مع عُمان هو مدماك آخر في استراتيجيته الشرق أوسطية التي تتضمن خلق محادثات سرية، وقدر الإمكان علنية أيضًا، مع دول وحركات سنية معتدلة، بهدف منع توسع إيران والمس بقوتها الإقليمية، في ظل الإثبات بأنه يمكن الوصول إلى التطبيع حتى دون حل المشكلة الفلسطينية.
لا شك في أن رحلة نتنياهو العلنية إلى مسقط هي إنجاز سياسي مهم، ولكن مشكوك في أن تؤدي إلى التطبيع مع كل تلك الدول. فحكام معظم هذه الدول سيكون مريحًا لهم وأكثر أمانًا إقامة علاقات قريبة مع إسرائيل، ولكن بهدوء، خوفًا من غضب الشارع.
رونين بيرغمان
معاريف 28/10/2018