في السابع والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر الماضي حلّت الذكرى الواحدة والتسعون لميلاد الكاتب الألماني المعروف غونتر غراس، الذي ولد في 27 تشرين الأول/أكتوبر1927 وتوفي في 13 نيسان/ابريل 2015. والكاتب غراس حاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1999، كما حصد جائزة أمير أستورياس الإسبانية التي تعتبر من كبريات الجوائز الأدبية التي تمنح في العالم الناطق باللغة الإسبانية. كان غراس قد أثار قبيل رحيله زوبعة من الانتقادات حوله من طرف إسرائيل وبعض المتعاطفين معها، وذلك على إثر نشره لقصيدته النثرية الملتزمة التي تحمل عنوان: “ما ينبغي قوله”. ولقد أحدثت هذه القصيدة جدلًا واسعاً في بلده ألمانيا وخارجها، وكان أدان في هذه القصيدة بشدّة سياسة إسرائيل التي وصفها بأنّها تشكّل تهديداً حقيقياً للسّلام العالمي، ثمّ جاءت بعد ذلك قصيدته الملتهبة “أوروبّا العار” التي انتقد فيها نقداً لاذعاً السياسة الأوروبية حيال جيرانها وعلى وجه الخصوص اليونان.
الزّوبعة التي كان قد أحدثها غراس بهذه القصيدة لم يخمد أوارها بعد، على الرغم من التصريحات التي كان قد أدلى بها الأديب الألماني فيما بعد، والتي حاول بواسطتها تهدئة الموقف، حيث أشار أنّ المقصود في قصيدته ليست إسرائيل بل حكّامها الحاليّين، وقال أن بلاده متواطئة في هذا الأمر لأنها ما فتئت تقدّم الدعم العسكري لإسرائيل. ويقول غراس أنه وقد بلغ من السنّ عتيّاً، كان عليه أن يقول “ما ينبغي قوله”، وأنّه فعل ذك قبل أن يسبق السيف العذلَ، ذلك لأنه كان يرى أنّ السّلام العالمي الهشّ معرّض للخطر بالفعل، بسبب القوّة النووية لإسرائيل. وكان الكاتب الألماني قد اتّهِم بمعاداته للسامية، وأنه كان في شبابه منتمياً وموالياً للنازية. ولا عجب فالتخوّف الذي كان يشعر به غراس، والتوجّس الذي كان يعتمل داخله، له أصوله ودوافعه، وجذوره ومبرّراته، إنّه يعتب على بلده التي أصبحت ثالث بلد مصنّع ومصدّر للأسلحة في العالم، وإنّ الغوّاصات الفتّاكة الألمانية الصّنع التي تدعم بها بلده إسرائيل، سبق لها أن أقدمت على اقتراف كارثة إنسانية مؤسفة في تاريخ ألمانيا ذاتها، بنفس هذا النّوع من الوسائل الحربية المدمّرة، وإن كانت في الماضي أقل فتكاً، وأقدم تكنولوجية، وأقلّ تطوّراً من التي نتوفّر عليها اليوم، فلا عجب إذن أن تثور ثائرته في ذلك الأوان، وأن يقول “ما ينبغي قوله”. ولنرجع إلى كتاباته وإبداعاته الأدبية، وبشكل خاص إلى روايته “على وتيرة مشية سرطان البحر” الصادرة عام 2002 التي تلقي الأضواء الكاشفة بشكل أو بآخر على جذور هذه الزّوبعة.
يغوص غراس في هذه الرواية في أعماق تاريخ ألمانيا، عندما كان الكاتب لمّا يزل في شرخ الشباب وريعانه، حيث يحكي لنا قصة غرق الباخرة الشهيرة “كوستلوف” بعد أن تعرّضت لقصف من طرف غوّاصة سوفييتية عام 1945 ومات نتيجته آلاف المدنيين نصفهم من الأطفال. الكاتب ينتقل بنا في روايته “وتيرة مشية السلطعون”، إلى عام 1945، ويضعنا أمام بحر مزبد، متلاطم الأمواج تطفو على سطحه آلاف الجثث من ضحايا هذه الباخرة المنكوبة.
وكان الروائي الألماني قد صرّح في إحدى المناسبات خلال تقديمه لهذا الكتاب بالذات، أنه لم يجد بدّاً من وضع أحداث هذه الباخرة في قالب قصصي متسلسل مسلطاً الأضواء على ثلاث شخصيات في الرواية، وقال إنه كان يفكّر منذ سنّ مبكّرة في نقل هذه الحادثة التاريخية إلى رواية، وقد فعل ذلك إنطلاقاً من شخصيات كانت لا تزال على قيد الحياة، عايشت هذه المأساة، منها إمرأة مسنّة كانت حيّة ترزق، عند كتابته لهذه الرواية، وابنها الذي كان يبلغ 50 سنة من العمر، وحفيدها الذي أصبح فيما بعد من اليمينيين المتطرفين في البلاد.
وقال غراس إنّ اختياره لهذا العنوان جاء لكونه راقب السلطعون بنفسه في مختلف بلدان العالم فلاحظ أنه يزحف بشكل منحرف أو مائل أو مزوَرّ نحو جهة مّا، إلاّ أنه مع ذلك مثلما يعود القهقرىَ فإنّه يتقدّم إلى الأمام كذلك. وقال إنّ السّلاح الذي دمّر السفينة الألمانية هو ألماني، ذلك أنه من المفارقات الغريبة للحياة أنّ الغوّاصة التي قصفت هذه السفينة، وكانت ألمانيا قد باعتها للاتحاد السوفييتي قبل ذلك، أيّ أنّ ألمانيا جرّبت مدى قوّة وفتك سلاحها في جلد أبنائها. هذه الباخرة المنكوبة، موضوع رواية غراس كانت قد رست بميناء مدينة “فيغو” الاسبانية عام 1939، عندما حطّت الحرب الأهلية الاسبانية أوزارها لأخذ العديد من المواطنين الألمان الذين شاركوا في هذه الحرب اللعينة الضروس منذ إندلاعها عام 1936.
مخالب اليمين المتطرف
واعترف غراس إنه تأثّر برواية الكاتب الاسباني مانويل ريفاس التي تحمل عنوان: “قلم رصاص النجّار”، التي تدور أحداثها حول الحرب الأهلية الاسبانية، وتعلّم أكثر ممّا قرأه في كتب التاريخ نفسها. وقال إنه لا تهمّه فقط الأحداث الكبرى التي يعرفها العالم، بل تعنيه كذلك الأشياء البسيطة في الحياة، ولهذا فإنه تتبّع بدقة متناهية في هذه الرّواية حياة ثلاث شخصيات أساسية فيها تمثل ثلاثة أجيال متعاقبة، وهم النازي ويلهيلم كوستلوف الذي تحمل الباخرة اسمَه، واليهودي ديفيد فرانكفورتر الذي اغتيل في سويسرا، والرّوسي ألكسندر مارينيسكو الذي عمل على إغراق السفينة، وقصة هذا الأخير تثير كثيراً من الفضول، إذ انتهى به الأمر في مراكز التعذيب التابعة للسجون السوفييتية وقضى حياته محاولاً اقناع الناس أن يعترفوا له بأنه أبلىَ البلاء الحسن خلال الحرب، حيث لم يتمّ له ذلك إلاّ عام 1990 عندما كان قد مات.
وقال غراس إنه كتب هذه الرواية لينتزع جزءاً من تاريخ ألمانيا من مخالب وقبضة اليمين المتطرف، الذي عمل أتباعه على إعادة نبش هذه القصة من جديد، إلاّ أنهم أذاعوا بشأنها العديد من الإفتراءات والأكاذيب. وأضاف أنّ غيرَ قليلٍ من مبادرات النازيين بهرت الطبقات الجماهيرية العسيفة، وخير مثال على ذلك البرنامج الذي كان يعرف تحت شعار “نحو السعادة بالقوّة”، حيث عملوا على إشراك العديد من العمّال الكادحين في رحلات بحرية منظّمة على متن بواخر صنعت على طراز “كوستلوف”. حيث لم تكن هناك مظاهر للفوارق الاجتماعية على ظهر هذا المراكب، وكان النازيون سعداء كذلك لأنّ هتلر أمكنه توفير ما يزيد على 6 ملايين فرصة شغل للعاطلين.
ولقد سبق للكاتب أن تَعرّض لهذا الحادث المأساوي في كتابيه السابقين “طبل الصّفيح” (1959) و”سنوات الكلاب” (1963). وكانت الباخرة التي صادفها سوء الطالع تحاول إبعاد آلاف اللاّجئين الألمان من بروسيا الشرقية، وكان بحر البلطيق مسرحاً لهذه المأساة التي أمست راسخة في ذهن الكاتب، وظلّت تراوده في مختلف المناسبات التي يثار فيها الحديث عن الحروب وويلاتها، وأسلحتها المدمّرة الفتّاكة، ومن بينها على وجه الخصوص الغوّاصات الحربية التي تصول وتجول في أيّامنا هذه أعماق المحيطات .
مهد الحضارة
كان غونتر غراس يرى أنّ اليونان بالأمس القريب كانت مشتل الفلسفة، وبوتقة الحِمكة والإشعاع، ومَنبت الأدب، وحديقة الشّعر، وخشبة المسرح في العالم القديم، بلد أساطين الفلسفة، وصناديدها، وأجدادها الأوّلين سقراط، وجهابذة التراجيديا والكوميديا من مأساة وملهاة، ودراما إغريقية الذين طبّقت شهرتهم الآفاق، بلد الأساطير وآلهة اليونان الذين ملأوا الدنيا بشهرتهم، وشغلوا الناس بعطاءاتهم، بلد الإبداع، والرّقص، والموسيقى، والغناء، والأزياء الزّاهية المزركشة، والفنون الرّاقية، والأقنعة المبهرة والمحيّرة، والقصص الخيالية، والحكايات التي يشطّ ، ويحلّق بها الخيال المجنّح الطّليق، وأساطير النرجس والنرجسيّة، وأطلانطا الجزيرة الضائعة في غياهب بحار الظلمات النائية، والمحيطات الزاخرة التي لا أفق، ولا قعر، ولا قاع لها، بلد الحِكَم المشهورة، والأمثال السّائرة، والأقوال المأثورة، موطن زوربا اليوناني، وموسيقى البوزوكيا الآسرة، وأرخبيل الجزر.
هذه هي الثقافة الأصيلة التي وضعت الحَجر الأساس للحضارة الغربية، وشكّلت، وبلورت مختلف الثقافات في جميع أصقاع وأنحاء وسط أوروبّا، وجنوب غرب آسيا، وشمال افريقيا خلال العصر الهلنستي. حيث كان للثقافة اليونانية تأثير قويّ على الإمبراطورية الرّومانية، التي حملت صورتها وإشعاعها، وبصماتها إلى مناطق، ونواحٍ كثيرة من منطقة البحر الأبيض المتوسط وأوروبّا. كما كانت لحضارة الإغريق القديمة تأثير هائل، وأثر بليغ على اللغة، والسياسة، والنظم التعليمية، والفلسفة، والعلوم، والفنون، والمعمار فأعطت أصالة لتيّار النهضة خلال عصر التنوير، والأنوار في القرنين السادس عشر، والسّابع عشر بأوروبّا الغربية، واستعادة النشاط مرّة أخرى خلال العديد من الحركات النهضوية الكلاسيكية الحديثة في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر بالقارة العتيقة والأمريكتين. واليوم نتساءل، كيف سادت هذه الحضارة وتألقت، وازدهرت ثمّ ضعفت، وبادت؟ الحضارة الغربية اليوم تعامل اليونان كالإبن العاق الذي لا يمتثل للتعليمات التي تملىَ عليه، وتفرض عليها قيوداً صعبة، وتملي عليها شروطاً فوق طاقتها من التقشّف والخصاص.
“ما ينبغي قوله” و “أوروبّا العار”
ويجدر بنا في هذا المقام التذكير أنه بعد القصيدة التي انتقد فيها غراس بشدّة إسرائيل وسياستها الخارجية التي كانت تحت عنوان: “ما ينبغي قوله” كان قد عاد ونشر بعدها قصيدة أخرى تحت عنوان “أوروبّا العار” التي انتقد فيها هذه المرّة سياسة الاتحاد الأوربي، والمستشارة أنغيلا ميركل حيال الأزمة المالية التي تحوّلت إلى اقتصادية، واجتماعية، التي كانت تعصف باليونان على وجه الخصوص. وفي خضمّ تفاقم هذه الأزمة وتطوّرها، ما فتئت هذه القصيدة تتلى، وتروى إلى يومنا هذا في مختلف المحطّات الإذاعية العمومية داخل بلاده، وخارجها. وما انفكّت الصّحافة ووسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم تعيد نشرها.
كان غراس قد عبّر عن أسفه في قصيدته عن الوضع المزري الذي أصبحت فيه اليونان بسبب ديونها التي أثقلت كاهلها، والسياسة التقشفيّة العصيبة، والإجراءات الإصلاحية الصّارمة التي كانت قد فرضتها عليها أوروبا قسراً وقهراً، وحكمت عليها بالفقر والعوز، لعدم قدرتها على أن تكون في مستوى السّوق، وعجزها عن مسايرة سياسة الاتحاد الأوربي. وكان غراس قد عبّر من جهة أخرى عن تفهّمه لغضب الإغريق، ومطالبهم، وإتّهم أوروبّا بأنها تجعل اليونان تتجرّع شرابَ السمّ الناقع من جديد في إشارةٍ إلى مصير فيلسوفها العظيم سقراط الذي مات مسموماً، وأنّها تولي ظهرَها للبلد الذي كان يوما مّا هو أرض ومهد ومرتع الحضارة الأوروبية. وأنذر الكاتب في آخر القصيدة من جوقة لعنة آلهة الأساطير الإغريقية في جبل الأوليمبوس التي قد تلحق بالأوروبييّن كلّ السّخط واللعنة، والأذى والغضب. وكان الكاتب الألماني قد ذكّر أوروبّا أنّها بدون هذا البلد الذي مهّدت إشراقاته، وأنواره، وفكره للكيان الغربي، وللوجدان الأوروبّي المعاصر، فإنّ أوروبّا سوف ينتهي بها المطاف إلى الذبول، والزّوال، والتلاشي والاضمحلال. وكان غراس قد أبرز في قصيدته الأهمية القصوى التي تنطوي عليه اليونان التي أصبحت كنوزها اليوم بين أيدي قضاتها، وتزيّن ثرواتها مدنها المتحفية، وذكّر الكاتب بتدخّل الألمان في الأراضي الهيلينية الذين اكتسحوا جزرها، وغزوا أراضيها بالسّلاح، وهم يحملون شاعرَهم فردريش هولدرلين، في حقائبهم المعلقة والمثبتة على ظهورهم.