مما لا شك فيه أنّ بدايات الأدب الإنكليزي تظل إلى يومنا هذا مرتبطة في أذهان الجماهير والمثقفين معاً بالشاعر والكاتب المسرحي والممثل ويليام شكسبير (1564 ـ 1616) الذي جذب كل الأنظار ليشغل المرتبة الأولى في سجل الأدب الإنكليزي، وهو اليوم أكثر شهرة وشعبية من الأدباء الإنكليز السالفين والمعاصرين، ليس في الجزر البريطانية وحسب، بل في كامل أنحاء الدنيا. لكنّ الشاعر والمترجم والفيلسوف جيفري تشوسر (1340 ـ 1400) الذي سبقه بأكثر من قرن ونصف القرن من الزمن هو في الواقع أب الأدب الإنكليزي ورائد نهضته، وأعظم مؤثر فيه وفي لغته.
مؤسس اللغة الإنكليزية
خضعت إنكلترا قبل عهد تشوسر لتأثير اللغة اللاتينية، بعد الغزو الروماني إبّان عهد الإمبراطور كلاوديوس عام 43 م. وفي وقت لاحق، تعرّضت للتأثير الأنكلوساكسوني حيث عُرفت اللغة آنذاك بـ«الإنكليزية القديمة» أو «اللغة الأنكلوساكسونية» وهي لغة الغزاة الأنكلوساكسونيين الذين استوطنوا هذه الجزر من القرن الخامس، إلى أن غزا النورمان إنكلترا بقيادة وليم الفاتح سنة 1066، حيث تعرضت لتأثير اللغة الفرنسية، في عصر عُرف بعهد «الانكليزية الوسطى». وكان من ميزات هذه الحقبة الثنائية حيث كانت الفرنسية هي اللغة الرسمية والإنكليزية لغة الشارع ولغة الحديث اليومي.
كان جل الشعراء الإنكليز يكتب باللغة الفرنسية أو اللاتينية. وكان المجتمع ينظر إلى هاتين اللغتين على أنهما أرقى وسيلة للحديث، وأنسبها للإدارة، وأفضلها للكتابة الأدبية.
وفي القرن الرابع عشر، وهو العصر الذي عاش فيه تشوسر، كان جل الشعراء الإنكليز يكتبون باللغة الفرنسية أو اللاتينية. وكان المجتمع ينظر إلى هاتين اللغتين على أنهما أرقى وسيلة للحديث، وأنسبها للإدارة، وأفضلها للكتابة الأدبية. في هذا العصر برز تشوسر كرجل مؤثر أثبت للمجتمع الإنكليزي أنه في غنى عن اللاتينية أو الفرنسية، وأنه يستطيع أن يكتب بلغته الإنكليزية التي لا تقل عن اللغات الأخرى شأنا وثراء وعمقا ومتانة وجمالا. فكتب «حكايات كانتربري» وقصائد أخرى بالإنكليزية، كما ترجم أعمالا أوروبية إلى هذه اللغة. وهكذا خرج تشوسر عن المألوف ليكتب بإنكليزية عامية قابلة لأن تصل إلى شرائح واسعة في المجتمع. تأثيره لم يتوقف عند هذا الحد، إذ أنه ساهم في جمع الشمل وضم اللهجات ضمن لغة واحدة، اللغة الإنكليزية بعدما كانت مقسمة إلى لغة العامة ولغة طبقة المثقفين والنبلاء، وأرسى أحكامها ورسم معالمها.
أب الأدب الإنكليزي
إذا بحثنا في تاريخ الأدب الإنكليزي وجدنا أنّ تشوسر لم يكن في الحقيقة أول شاعر فيه. فالأدب الإنكليزي لم ينشأ في عصره، وإنما ضرب بجذوره في أعماق التاريخ، وامتد إلى القرن السابع للميلاد وكان هذا الأدب باللغة الإنكليزية القديمة ويعرف باسم «الأدب الأنكلوساكسوني». المؤلفات الشعرية والنثرية المكتوبة باللغة «الإنكليزية القديمة» أو «اللغة الأنكلوساكسونية» تعد المرحلة الأولى في طريق تطور اللغة الإنكليزية. ويعتبر كادمون (658-680) أول شاعر إنكليزي بقصيدته الدينية القصيرة التي سجلها المؤرخ بيد. تلاه شعراء آخرون، فالسؤال الذي يطرحه كثيرون هو: لماذا يعتبر تشوسر أب الأدب الإنكليزي وقد سبقه شعراء إنكليز آخرون؟ والجواب بكل بساطة لأنّ تأثيره فاق تأثير من سبقه، ولأنه كتب بإنكليزية أكثر تطورا وشعبية، وهو من ساهم في صقلها ووضع قواعدها وبقائها، مقارنةً باللغة القديمة المعقدة التي آلت إلى الإهمال والزوال.
رائد الشعر الإنكليزي
ليس ثمة من ينكر إسهامات تشوسر في تطور الأدب الإنكليزي. فهو أول شاعر إنكليزي استعمل القافية الثلاثية التي ابتدعها دانتي (1265- 1321) في كتابة «الكوميديا الإلهية» حيث استخدمها في قصيدته «الشكوى إلى سيدته». وتشوسر أول شاعر إنكليزي يقوم باستعمال الوزن الملحمي في شعره، فاستخدم بيتين موزونين مؤلفين من نظم خماسي التفعيل. تأثير دانتي والأدب الإيطالي الذي نقله تشوسر إلى الأدب الإنكليزي يتجلى في أعمال أخرى مثل «دار الشهرة» و«حكايات كانتربري» ومنها «حكاية الراهب»… هذه الإسهامات تجعله يستحق لقب رائد الشعر الإنكليزي.
رائد عصر النهضة في إنكلترا
مع إن عصر النهضة في إنكلترا لم يبدأ إلا في عام 1500 ـ أي بعد قرن من وفاة تشوسر – فإن بذور هذه النهضة تعود إلى عهد تشوسر. سافر تشوسر إلى أوروبا حيث تأثر بالنهضة الإيطالية التي انطلقت في عهد دانتي منظم «الكوميديا الإلهية» وهي شعر ملحمي. فحمل تأثير النهضة الأدبية الإيطالية إلى إنكلترا من خلال تأثره برواد الأدب في إيطاليا من أمثال دانتي، ومن خلال ترجمة أعمال إيطالية لجيوفاني بوكاتشيو (1313-1375) وفرانشيسكو بتراركا (1304- 1374) إلى اللغة الإنكليزية الوسطى. ووضع أسس النهضة الأدبية في إنكلترا من خلال عمله الشهير «حكايات كانتربري» الذي كان أول تحفة أدبية معبرة عن العاطفة والجمال في اللغة الإنكليزية، بطابعها الأوروبي والعالمي.
يعدّ تشوسر السباق إلى إدخال هذه الصيغة إلى الأدب الإنكليزي. وهي الصيغة التي نراها في تقريبا كل عناوين قصص «حكايات كانتربري».
رائد الأدب الواقعي الإنكليزي
مع أنّ تشوسر كان من الطبقة المتوسطة ومن أسرة ميسورة الحال، وعمل في خدمة الدولة حيث عهدت إليه مهام دبلوماسية وأسفار خارج إنكلترا، وكان قريبا من القصر والأسرة الحاكمة والطبقة الأرستقراطية، فإن ذلك لم يحجب عنه الطبقة البسيطة في المجتمع ومعاناتها حيث كتب عنها. نرى ذلك جليا في عمله الواقعي «حكايات كانتربري»، فالكثير من أبطال حكاياته من الطبقة العامة في المجتمع وشتى فئات المجتمع، من الحرفيين إلى البورجوازيين، ومن البحارة إلى الرهبان، ومن الحاجب في المحاكم إلى التاجر، إلى الموظفين والعاطلين عن العمل والمتعلمين والأميين، والنساء الأرستقراطيات وربات البيوت، مقدِّماً صورة واقعية واضحة ودقيقة لطبقات المجتمع الإنكليزي في ذلك العصر.
رائد النزعة الإنسانية في الأدب الإنكليزي
واجتهد تشوسر لتصوير الإنسان وطبيعة النفس البشرية وميولها وغرائزها وتطلعاتها وكل تناقضاتها، من خلال أشخاص من لحم ودم، من شرائح وأدوار مختلفة في المجتمع. وصوّرهم وهم يتحركون ويتحدثون ويحيون حياتهم في الواقع. وصوّر لنا هيئاتهم وملامحهم ووظائفهم، ما يعطينا صورة دقيقة وصادقة عن حالة المجتمع الإنكليزي في القرن 14 في حقبة تعرف باسم «العصور الوسطى». فما خطته أنامل تشوسر يعدّ بدايات الطابع الإنساني في الأدب المكتوب باللغة الإنكليزية.
رائد الأدب الفكاهي الإنكليزي
وصفه الشاعر مايسفيلد بـ«رجل من عصر النهضة يسخر من العصور الوسطى». فقد اشتهرت أعمال تشوسر لاسيما حكايات كانتربري بالفكاهة. وأسلوب تشوسر يعكس طبعه الفكاهي وهو أسلوب مميز طبيعي عفوي واقعي قائم على أساس قوة الذكاء وقوة الملاحظة وليس الغرض منه الإساءة إلى أحد. وبذلك يكون تشوسر أول شاعر إنكليزي وظف أسلوبا فكاهيا تلقائيا واقعيا أساسه الموضوعية والمحبة والتسامح والتعاطف مع قضايا الإنسان وهو ما يتضح أساسا في «حكايات كانتربري».
صيغة (حكايات… )
يعدّ تشوسر السباق إلى إدخال هذه الصيغة إلى الأدب الإنكليزي. وهي الصيغة التي نراها في تقريبا كل عناوين قصص «حكايات كانتربري» على منوال «حكاية الطحان» و«حكاية التاجر» و«حكاية رجل القانون»… وقد امتد تأثير هذه الصيغة حتى هذا العصر. يتجلّى ذلك لدى كتاب على شاكلة الكاتب والعالم البريطاني ريتشارد دوكينز مؤلف «حكاية السلف» (2004).
تشوسر يلهم شكسبير
في يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول، رحل تشوسر تاركا إرثاً أدبيا متنوعا مشبَّعاً بالقيم الإنسانية، ممهدا السبيل لنهضة أدبية وفكرية وشيكة بِلغةٍ إنكليزية في تطور سريع ومستمر كان هو مؤسسها. من آثاره كتاب «الدوقة»، و«بيت الشهرة»، و«برلمان الطيور»، و«أسطورة السيدات الطيبات»، و«حكايات كانتربري» التي تشهد على براعته وعبقريته وإنسانيته.
ومع أن ويليام شكسبير، الذي حلّ بعده، خطف كل الأنظار ليبقى إلى يومنا هذا في المرتبة الأولى في سجل تاريخ الأدب الإنكليزي ـ ولم يكن هذا التفوق وليد الصدفة وإنما بفضل مزايا كانت له ولم تتوفر لدى تشوسر، ومن جملة ذلك مسرحياته المثـــيرة ولغتــــه الحديثة الساحرة التي نفذت إلى قلوب الجماهير عبر العصور – إلا أن جيفري تشوسر يبقــى أب الأدب الإنكليزي ومؤسس لغته الإنكليزية وهو الأساس والأصل. ويبقى شكسبير ابن الأدب الإنكليزي والتلميذ الذي ألهمته أعمال تشوسر. ومن دون شك، لو لم يكن تشوسر لما كان شكسبير.
٭ كاتب جزائري ـ بريطانيا