لندن – “القدس العربي”:
يرى كل من ريان كوستيلو وسينا توسي من المجلس الوطني الإيراني الأمريكي أن الولايات المتحدة تبنت في الثمانينات من القرن الماضي الرئيس العراقي صدام حسين ويجب أن لا تكرر نفس الخطأ مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
وأشارا إلى دهشة بن سلمان للرد الدولي الغاضب على مقتل صحافي “واشنطن بوست”، جمال خاشقجي. وأوردت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن مكالمة بينه وصهر ومستشار الرئيس دونالد ترامب، جارد كوشنر تحولت إلى جدل عنيف عبر فيه بن سلمان عن شعوره بخيانة الغرب له وهدد بالبحث عن شركاء جدد.
ويرى الكاتبان في مقالهما الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي” إن سخط السعودية على الولايات المتحدة، ليست المرة الاولى التي يشعر فيها حاكم عربي بأنه يستطيع فعل كل شيء بدون خوف من العقاب في وقت تركز في واشنطن على مواجهة إيران. ويعلق الكاتبان أن صعود ولي العهد السريع يذكر بالطريقة التي غضت فيها الولايات المتحدة عن وحشية صدام حسين. وقبل أن يصبح صدام عدوا لدودا للولايات المتحدة تمتع بدعم قوي من الدول الغربية وواشنطن بالتحديد وانتهى بغزو الرئيس العراقي الكويت عام 1990.
إلا أن الرعاية الأمريكية لصدام تقدم دروسا مهمة في الكيفية التي أدارت فيها أمريكا سياستها الخارجية حينئذ واليوم في الشرق الأوسط. وكذا المخاطر بعدم الرد وبقوة على اغتيال خاشقجي. ووصف الأكاديمي في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية توبي دودج صعود محمد بن سلمان وطريقته الشرسة التي وطد فيها سلطته يذكر بـ “الهجوم على المعارضين داخل الحزب الحاكم في عام 1979 من الرئيس الشاب صدام حسين” كما نقل عنه موقع “بلومبيرغ” العام الماضي. وأضاف أن “تركيز السلطة في يدي شاب طموح ولا يمكن التكهن به أثار القلب في ذلك الحسن واليوم”.
وساعد الدعم الأمريكي غير المشروط للرئيس صدام في الثمانينات من القرن الماضي على مهاجمة شعبه وجيرانه وهدد لاحقا المصالح الأمنية الأمريكية. وبدأت علاقة الولايات المتحدة مع صدام حسين في عام 1963 عندما قام مستشار الأمن القومي السابق روجر موريس والمخابرات الأمريكية في عهد جي أف كي كيندي و”بالتعاون مع صدام” بانقلاب ضد الجنرال عبد الكريم قاسم، الذي قام قبل خمسة أعوام بالإطاحة بالعائلة الملكية المؤيدة للولايات المتحدة. إلا أن العلاقة بدأت بالتوثق مع العراق في شباط (فبراير) 1982 عندما قامت إدارة رونالد ريغان برفع الحظر عن اسم العراق كدولة داعمة للإرهاب مما فتح المجال أمام توفير الدعم العسكري الأمريكي للنظام العراقي. وحدث بعد 17 شهرا من بدء الحرب العراقية-الإيرانية، حيث وصلت القوات العراقية إلى منطقة خوزستان الغنية بالنفط في جنوب-غرب إيران.
وفي كانون الأول (ديسمبر) 1983 أرسل ريغان، دونالد رمسفيلد إلى العراق كمبعوث للقاء صدام وتطبيع العلاقات مع العراق. وبحسب “واشنطن بوست” فقد شمل التعاون الأمريكي مع صدام ودعم حرب “تبادل استخبارات واسع وتزويد قنابل عنقودية من خلال شركة تشيلية واجهة. ومساعدة العراق للحصول على الأسلحة الكيماوية والبيولوجية”. ولم يمنع استخدام صدام هذا السلاح ضد إيران وشعبه الأمريكيين من توقف الدعم الأمريكي. والتقى رمسفيلد مع صدام عام 1983 في وقت ظهرت أدلة عن استخدام النظام العراقي للسلاح الكيماوي.
فقبل زيارة رمسفيلد في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1983 إلى العراق، أخبر جوناثان هاو، المسؤول البارز في وزارة الخارجية وزيرها جورج شولتز عن تقارير تشير لاستخدام الأسلحة الكيماوية وبشكل يومي في الحرب ضد إيران. وفي الوقت الذي حصلت فيه إيران على السلاح الأمريكي من خلال إيران-كونترا إلا أن واشنطن حرفت الميزان لصالح صدام. وعندما كشفت الأدلة عن هجوم إيراني بداية عام 1988 قد يؤدي لخرق الخطوط الأمامية العراقية كتب ريغان لوزير الدفاع “انتصار إيراني غير مقبول”.
وفي نهاية الحرب كانت المعلومات الاستخباراتية تصل بحرية إلى قوات صدام مع علم أمريكي بأن المسؤولين الأمريكيين كانوا يعرفون بهجمات صدام بالسلاح الكيماوي. وبحسب وثائق “سي آي إيه” فإن ثلثي الهجمات الكيماوية التي قام بها النظام العراقي في الـ 18 شهرا الأخيرة من الحرب تمت عندما زاد التعاون الأمريكي- العراقي. بما في ذلك الهجوم على بلدة حلبجة التركية التي قتل فيها خمسة ألاف مدني.
ومن المفارقة أن هجوم حلبجة في آذار (مارس) 1988 سيكون مبرر إدارة جورج دبليو بوش لغزو العراق عام 2003 وتخليص العراق من أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة. وبعد أشهر من هجوم حلبجة كتب المساعد لوزير الخارجية ريتشارد ميرفي مذكرة في إيلول (سبتمبر) 1988 أن “العلاقة الأمريكية – العراقية مهمة لأهدافنا الإقتصادية طويلة الأمد”.
ويعلق الكاتبان إن الولايات المتحدة تعيد نفس اللغة عندما تناقش العلاقات الأمريكية-السعودية رغم مقتل الصحافي خاشقجي والهجوم المدمر على اليمن حيث أعلن وزير الخارجية مايك بومبيو قبل فترة شهادة بأن السعودية “حليف استراتيجي مع الولايات المتحدة” وأن “السعوديين كانوا شركاء مهمين في العمل معنا”. ولم يكن مفاجئا إنه عشية غزو الكويت من أن صدام شعر بأنه يحظى بدعم غير مشروط ن الولايات المتحدة. وقد تعززت هذه النظرة من لقائه مع السفيرة إبريل غلاسبي وقبل اسبوع من الغزو. وبحسب برقية دبلوماسية فقد أكدت فيها غلاسبي وأكد فيه أن الرئيس جورج هيربرت بوش “يرغب بالصداقة” وأن الرئيس “أمرها بتوسيع وتعميق العلاقات مع العراق”. وعندما هدد صدام الكويت قالت غلاسبي “لا موقف في هذه الشؤون العربية”. وحتى هذا اليوم ومنهم المعلق في فورين بوليسي والبرفسور ستيفن وولت الباحث في جامعة هارفارد وهو ان الولايات المتحدة أعطت صدام حسين “الضوء الاخضر” و “لغزو الكويت كما غزا إيران”. ويقول وولت إن غلاسبي كان تفعل ما طلب منها و”تتبع الأوامر التي وصلتها وتفعل ما تريده إدارة بوش في هذا اللقاء المهم”. وبحسب مجلة “دير شبيغل” وبناء على برقية دبلوماسية فقد قامت غلاسبي والسفير السابق ومنذ البداية بتصوير صدام بطريقة محبذة وتجاهلا جرائم صدام المعروفة وتأثرا بالعداء المشترك لإيران. وأخطأت أمريكا بدعم صدام وظل الخطأ يلاحقها، فهي لم تحشد 500.000 جندي لإخراجه من الكويت بل ووضعها الدعم على طريق الحرب والغزو في عام 2003 للإطاحة به وكلفها المليارات وألاف الضحايا بل وأكثر من هذا وقامت بتغيير ميزان القوة في المنطقة لصالح إيران وظهور تنظيم الدولة. وبنفس السياق يقول الكاتبان إن إدارة ترامب تقوم باستخدام نفس المبررات التي قدمت سابقا لدعم صدام حسين. فقد صادق ترامب على حملة التطهير التي قام بها ولي العهد وملاحقته لمنافسيه المحليين. وأعطاه صكا مفتوحا لسحق الحوثيين في اليمن وتحويل قطر لدويلة ومعاقبة كندا بسبب تغريدة وقبل ذلك احتجاز رئيس الوزراء اللبناني. وكان اغتيال خاشقجي الواضح هو التصرف المتهور الأخير لولي العهد الذي فشلت الإدارة بالرد عليها. ففي أعقاب مقتل الصحافي حذرت الإدارة وبدون حياء أن معاقبة السعودية سيخرب على جهود الإدارة لمواجهة إيران. وفي الوقت الذي يجب فيه استنزاف إيران إلا أن ذلك لا يعني تجاهل التهديد المتزايد في المنطقة: أي الطموح غير المقيد لولي العهد السعودي والذي يقود عملية تدمير اليمن وذبح صحافي معروف من أجل تعزيز سلطته. ويقول الكاتبان إن السماح لصعود محمد بن سلمان إلى السلطة بدون تداعيات أو عواقب من واشنطن فسيقوم بترويع المنطقة بنفس الطريقة التي فعلها صدام من قبل.
ولو كان قتل خاشقجي قد تم بدون أي احترام للقيم والأعراف الدولية أو ثمن سياسي، فهو دليل على قواعد سعودية جديدة للعبة والتي يواجهها العالم وأكثر تهديدا من صدام. لكل هذا يجب على إدارة ترامب التحرك الآن والتأكيد للعائلة السعودية أنها ستواجه عواقب خطيرة للعدوان وإنهاء الدعم غير المشروط. ففي الحد الأدنى على الولايات المتحدة وقف مشاركتها في اليمن وتعليق صفقات الأسلحة وفرض عقوبات بناء على قانون ماغنستكي ولكل المسؤولين الذين شاركوا في قتل خاشقجي.