دمشق – «القدس العربي» : تشهد منطقة شرقي الفرات السورية، التي تفرض أذرع واشنطن العسكرية «الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني» سيطرتها عليها، تصعيداً وقصفاً تركياً غير مسبوق، وذلك بعدما حولها الجيش التركي إلى ميدان عمل عسكري جديد، غداة انتهاء أعمال القمة الرباعية التي ناقشت الملفات السياسية والإنسانية في سوريا في إسطنبول بين زعماء تركيا، روسيا، فرنسا وألمانيا، التي أكد خلالها الرئيس رجب طيب اردوغان لنظرائه على ضرورة مواجهة التنظيمات الإرهابية على طول حدود تركيا البالغة 900 كيلومتر، وأشار إلى ما سماه «مكافحة الإرهاب» في مناطق شرقي الفرات في سوريا وليس فقط غربه، إذ يرجح أن تكون عمليات القصف التي تشهدها المنطقة لكشف ردود أفعال اللاعبين الدوليين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.
قصف مواقع تابعة لوحدات حماية الشعب الكردية هي الأولى من نوعها إذ ركز القصف على مقرات ومواقع الميليشيات شرق الفرات تزامناً مع تهديد اردوغان أمس الثلاثاء، باطلاق عمليات أوسع نطاقاً وأكثر فعالية في تلك المنطقة، ضد «الإرهابيين شرقي الفرات» وذلك بعد أن أكملت أنقرة «خططها واستعداداتها لتدمير مواقعهم» شرقي النهر، ويأتي هذا التصريح بعد يومين من قيام المدفعية التركية بقصف مواقع « ي بي جي» الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني بالقرب من منطقة عين العرب شمال شرق محافظة حلب.
أنقرة تستطلع ردود الفعل الدولية بقصف مواقع «الوحدات الكردية» شرقي دير الزور
وأضاف اردوغان أن بلاده لن تسمح للراغبين في إغراق سوريا في الدم والنار مجدداً، بتنفيذ مخططاتهم عبر تحريض نظام بشار الأسد من جهة وإطلاق يد تنظيم «داعش» من جهة أخرى، و»نعلم بوجود مساع لإطلاق يد داعش مجددًا عبر عناصرها الذين تلقوا التدريب من قبل أوساط معروفة وانتشروا في المنطقة». ولفت إلى أن تركيا وجهت ضربات موجعة لتنظيمي «داعش» و«ب ي د/بي كا كا» الإرهابيين من خلال عمليتي «درع الفرات وغصن الزيتون» وذلك بعد تأكيده على ان تركيا عازمة على توسيع عملياتها نحو شرق الفرات في سوريا حيث أكملت الخطط والاستعدادات لشن عمليات واسعة النطاق ضد وحدات الحماية الكردية.
وليس مستبعداً أن تكون تركيا قد سعت خلال القمة الرباعية إلى توفير دعم من الدول المشاركة لسياساتها الأمنية في شرقي الفرات، ما يعزز حسب الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي من موقفها أمام الولايات المتحدة إزاء رغبتها الشديدة بشن عملية واسعة في المنطقة. وقال لـ»القدس العربي»: إن ما سبق يعطي مؤشراً إلى عزم تركيا على توسيع نطاق عملياتها العسكرية لتشمل مناطق عدّة شرقي الفرات على رأسها منطقتا عين العرب شرقي حلب وتل أبيض شمالي الرقة، مرجحاً ان تكون عمليات القصف التي شهدتها المنطقة تأتي ضمن إطار استطلاع الأهداف المحتملة في المنطقة، وفي الوقت عينه هي رسالة لمعرفة ردود الفعل الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة. وأشار عاصي إلى انه قد يكون من المفيد معرفة أن وزارة الدفاع التركية عزت القصف إلى أنه يأتي «ضمن إطار حق الدفاع المشروع عن النفس ردّاً على نيران صدرت من مواقع وحدات الحماية الكردية في قرية زور مغار غربي مدينة عين العرب»، بدوره سارع تنظيم «ي ب ج» لإصدار بيان قال فيه ان القصف «جاء بدون أي سبب ويعكس رغبة تركيا في زعزعة المنطقة واستقراراها واختلاق بؤر للمشاكل».
وكانت الوحدات التركية اعتبرت في بيان لها، الأحد الماضي، أن «القصف نفذته الدولة التركية دون أي سبب، متهمة أنقرة بمساندة تنظيم الدولة ومساعدته عبر تقديم العون له، في ظل انشغال القوات الكردية بقتال التنظيم في ريف دير الزور». وأشار البيان إلى أن الميليشيات الكردية «تمتلك الحق المشروع في الدفاع عن نفسها والرد على كل الاعتداءات»، من جهته قال القيادي في «قوات سوريا الديمقراطية»، حقي كوباني، إن استهداف تركيا هو بمثابة مد يد العون لتنظيم «الدولة»، مضيفًا أن أنقرة تريد إحياء التنظيم مرة أخرى لرص صفوفه وشن الهجمات على المناطق الآمنة.
لن نقف مكتوفي الأيدي
وهدد كوباني، حسب الموقع الرسمي للقوات، بأن ميليشيات وحدات حماية الشعب، «لن تقف مكتوفة الأيدي حيال هجمات تركيا على مناطق الشمال السوري» معتبراً القصف الحالي الأول من نوعه، ويأتي بعد التهديدات المتكررة التي وجهها اردوغان بأن أنظار تركيا ستتوجه حاليًا إلى شرقي الفرات. وكانت وحدات حماية الشعب الذراع العسكرية لـ»حزب الاتحاد الديمقراطي» قد فرضت سيطرتها على مدينة عين العرب في ريف حلب بعد معارك مع تنظيم «الدولة» في 2014، وذلك بعد الدعم العسكري واللوجستي المقدم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
وتسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» على ربع مساحة سوريا، في منطقة شرقي الفرات المعروفة بغناها بالثروات النفطية، حيث تبسط «قسد» التي توفر لها واشنطن الحماية، سيطرتها على معظم مساحة محافظة الرقة، وكامل ريف دير الزور شمالي نهر الفرات، ومعظم محافظة الحسكة باستثناء مركز مدينتي القامشلي والحسكة التي تعتبر مربع النظام الأمني في المنطقة.
كما تمتد قوات قسد التي تشكل الوحدات الكردية عمودها الفقري في شمال شرق حلب، شرقي نهر الفرات، ومدينة منبج وجانب من ريفها الواقع غربي النهر، وعدد من القرى الصغيرة جنوب نهر الفرات الممتدة على نحو 65 كيلومتراً بين مدينة الطبقة وحتى مدينة الرقة شرقاً.
معركة وجود
وإلى جانب تلك التحركات العسكرية، وصل 500 مقاتل من قوات المهام الخاصة الكردية، إلى منطقة شرقي الفرات وسط تحضيرات متسارعة لبدء معركة حسم تهدف إلى إنهاء وجود التنظيم في آخر جيب له في القطاع الشرقي لريف دير الزور.
المرصد السوري لحقوق الانسان قال إن قوات سوريا الديمقراطية تواصل عملية تحشيد قواتها وترتيب صفوفها، حيث استقدمت المئات من القوات الخاصة ذات الخبرة القتالية العالية من صفوف وحدات حماية الشعب الكردي ووحدات حماية المرأة، إلى محيط الجيب الأخير لتنظيم الدولة، وذلك في إطار التحضيرات للمعركة النهائية والتي من المرتقب أن تبدأ خلال الساعات المقبلة.
كما انتشر آلاف المقاتلين من قوات سوريا الديمقراطية في محيط مواقع التنظيم، في ظل تحضيرات مكثفة تشهدها منطقة حقل التنك النفطي، واستقدام آليات وذخيرة ومعدات عسكرية، لشن هجمات على المنطقة الممتدة من بلدة هجين وصولاً إلى الحدود السورية – العراقية، وتضم الباغوز فوقاني والباغوز تحتاني والشجلة والمراشدة والسوسة والشعفة والبوبدران والبوحسن وهجين.