بيروت-“القدس العربي”: كثيرة هي التغييرات الطارئة التي تصيب الأسرة في هيكلها، من بينها العولمة والأزمات السياسية والاقتصادية والتقدّم التكنولوجي وصراعات الأجيال وغياب التوازن بين العمل والأسرة، وسواها من القضايا التي تترك أبعادها السلبيّة والإيجابية على الأسرة التي لا تزال في مجتمعاتنا اللبنانية والعربية تعتبر الضمانة الأساسية لبناء مجتمع سليم ومنتج وبنّاء قائم على المبادئ والقيم والأخلاق الحميدة والتربية والتفاعل وحسن التعاطي مع الآخر.
ومع اقتحام الثورات التكنولوجية، التي تحمل معها بحراً من المعلومات والمغريات، وتثير اهتمام الأولاد بقضاياها المتشعبّة، برزت دعوات عديدة من قبل المتخصّصين في مجال التربية وعلم الاجتماع بوجوب تحصين العائلة من مخاطر العولمة عبر سبل عدةّ منها تزويد الأولاد بالمعارف الأساسية والضرورية عما يعرف بالرقمّية، وإكسابهم المهارات المطلوبة وتوجيهّهم إلى اتخاذ المواقف السليمة والمسؤولة في حياتهم حتى يدركوا بإرادتهم الخاصة كيف يمكنهم التصّرف مع هذا الكمّ الهائل من المعلومات والمغريات والمواقع وكيف يتجنّبون الوقوع في الأشراك الكثيرة المعدّة لهم.
وانطلاقا من أنّ التربية هي الأساس في بناء المجتمع شأنها شأن الأسرة، تعمل المؤسسات التربوية على إدخال مفاهيم جديدة تعتمد على الإمكانات الرقمية المتاحة وعلى المنحى التفاعلي في الشرح والإفهام والتقييم، سعياً إلى ترسيخ سلوكيات رقميّة سليمة، انطلاقاً من أنّ الرقميّة في عملية التعليم والتعلّم هي وسيلة لتحفيز المتعلّم ولتسريع وتسهيل بناء المعرفة، وليست غاية في حدّ ذاتها.
ولمعرفة الدور الذي يمكن أن تؤّديه عملية تحديث المناهج التربوية في تحصين الأسرة ومن خلالها المجتمع والوطن من مخاطر العولمة استطلعت “القدس العربي” رأيّ الخبير في مناهج المواطنة الدكتور نمر فريحه، الرئيس السابق للمركز التربوي للبحوث والإنماء في بيروت الذي عمل على مشاريع تربوية في العديد من الدول العربية وفي مؤسسات يونيسيف واليونيسكو، ان “العولمة هي ظاهرة جديدة ترافقت مع التطوّر التكنولوجي الذي حصل، وهي ذات شقين: إيجابي وآخر سلبي. والأول هو تسهيل تواصل الناس وكأنّ المجتمعات أصبحت موّحدة وتخّطت الحدود ولم تعد عليها موانع أبدًا، أما الشقّ الآخر من العولمة السلبي، وهو كيف يتعّرض مجتمع كامل لأشياء تأتيه من الخارج وهو لا يريدها وإنمّا من الصعب ان يحمي نفسه منها لأنّها تتخطى الحدود بواسطة التكنولوجيا”. ولفت في الوقت عينه إلى انه “من هنا تركت العولمة في بعض الأحيان بعض الآثار السلبية على أفراد العائلة وبغضّ النظر عن الأعمار ليس فقط للصغار والمراهقين وإنما على كبار السنّ لما عرضت عليهم من صور ومعلومات وأفلام وآراء ومناقشات وما إلى ذلك، وهذا يؤّثر على الإنسان”.
وعن الشقّ السلبيّ المتعلقّ بالأسرة والمناهج، أكدّ الدكتور فريحه لـ “القدس العربي” أننا “ندرك أنّ المنهج هو العمود الفقري في العملية التربوّية التي تحصل في المدرسة ومن خلاله يمكننا ان نبني شخصية الطالب كمواطن مستقبلّي وكعامل منتج في ما بعد، لذلك فإنّ الدور الأساسي الذي تلعبه المناهج لا يستطيع أيّ عنصر آخر في العملية التربوية ان يلعبه” لافتاً في السياق عينه إلى أنّه “في الإمكان أن تستعمل المدارس مواد منها التكنولوجيا من أجل ان نعزز عند الطالب القيم واحترام خصوصية الغير وعدم الابتزاز وعدم الوقوع ضحية الآخرين إلى ما هناك من أمور”.
وأكدّ في الإطار عينه أنه “يمكننا أن نركزّ على ظاهرة سائدة ونشهدها عند من يكونون في جالسين معاً ولا يتحدّثون مع بعضهم وكلّ واحد منهم يحمل بيده الهاتف الذكيّ، ويتواصل مع الخارج، فهذه القضايا التي تخرق الأدبيات الاجتماعية وتخرب في الوقت ذاته الجوّ العائلي، الذي يجب أن يسود، لأنّه يعني مناقشة أفراد العائلة لبعضهم وطرح أيّ موضوع سواء أكان جديّا أو على سبيل المزاح، أو إذا كان يتطلّب نقاشاً معيناّ فباستطاعتنا ان نظهرها من خلال المناهج التربوية التي تبيّن هذه السلوكيات والأدبيات، لانّ العائلة باتت أسيرة الهواتف بسبب تأثير العولمة التي هي جزء من الثورة التكنولوجية التي حصلت في العالم”.
وربط الدكتور فريحه، بين المناهج وأثرها الإيجابي على الأسرة والمجتمع والوطن فاعتبر أنه “من خلال المنهج يمكننا ان نبيّن للطالب أهميّة الأسرة والروابط الأسرية بغض النظر عن العولمة، والوطن مؤّلف من مجموعة هذه الأسر”.
وأضاف “إذا فعلاً نوّد ان يحسّن المجتمع نفسه ويتطّور إلى الأمام ويكون منتجاً ويصير أكثر تواصلاً، بمعنى أن يتفاعل الأفراد مع بعضهم بقدر ما تكون هذه الصفات موجودة في الأسرة أيضاً” وقال: “يمكننا ان نضع الكثير من النصوص في الكتب ونقوم بأنشطة للطلاب من خلال المناهج للتحدّث عن المشكلات الأسرية لأنني لاحظت في العالم العربي من خلال اطّلاعي على عدد كبير من المناهج والكتب المدرسية انهّم يتجنبون التحدثّ عن المشاكل، في حين أنه لمعالجتها يجب ان تطرح وأفضل مكان لطرحها هو المدرسة حيث نستعرض مع طلابنا بعض المشاكل الأسرية”.
وأكد “نحن نعطي مثلاً في المطلق ولا نسمّي أشخاصاً، ونقول عائلة فلان وفلان، في هذه الحالة يمكننا ان نخلق حالة وعيّ عند الطلبة من خلال المناهج يساعد في تجّنبهم المشاكل، أو إذا حصلت المشاكل وهذا شيء من الطبيعي أن يحصل في أي أسرة نفكر في كيفية معالجتها ومواجهتها وليس الخوف منها أو عدم طرحها للنقاش”.
وختم الدكتور قائلاً: “إنّ المنهج هو مخطّط تربوّي للمدرسة يشمل ضمن عناصره مواضيع تعالج قضايا الأسرة وفي الوقت نفسه قضايا الوطن، ويشير إلى السلبيات المتأتية عن العولمة حتىّ لا يتأثر الطلبة الصغار بكلّ ما يسمعون ويشاهدون ويأتيهم من الخارج، لأنهم ّيكونون عرضة لتصدّيق قضايا كبيرة تأتيهم من خلال العولمة”.