■ قد يقول قائل بداية ليس الموضوع الأوروبي موضوعا ذا شأن متعلق ببقية العالم، بما فيه المنطقة العربية، فيعتبر مقالي مجرد إطلالة على تطورات أحداث طارئة على شؤوننا الدولية، إلا أن الحدث الأوروبي ينخرط في هذه الأحداث المدمجة، مكونا حلقة من سلسلة الأحداث المتلاحقة المتلاصقة التي تكتب على عالمنا إيقاعه العولمي.
إنها منطقة خاصة، أولا، تلك المنطقة المكونة من 28 بلدا، لتعدد ثقافاتها وكذلك معدلات نموها التي تفرز مطالب ذاتية شتى يصعب تلبيتها على الأطر المؤسساتية المشرفة على الاتحاد، إن لم نقل إنّ الاصطدام بها مكتوب عليها حتما، ثم ان الاتحاد الأوروبي أيضا منطقة خاصة، من حيث كما تقول لغتنا العربية المستحدثة تموقعها» الإستراتيجي، وليست العبارة هنا، بالمناسبة، طنانة، رنانة.. بل تشير بصريح الكلام إلى مصيرية جغرافية، اقتصادية، اجتماعية وسياسية، تلزم الشمال والجنوب معا.
أول عبرة نستخلصها متصلة بوقع الحدث الأوروبي لدى الجماهير. ولا يبدو أن هذا المقياس يؤخذ على محمل الجد، فلا نرى أن الجماهير وضعت في الاعتبار تلك العلاقة بين الحاكم والمحكوم التي يبيت فيها الحاكم مقدما جرعاته من المنومات، على شكل الكلام اللذيذ في افضل الحالات، على شكل الوعظ والوعيد لمن قد تسول له نفسه التلويح بمفهوم غريب سمّاه مشرعون إغريق ديمقراطية في أسوئها.
أحوال يرثى لها حقا وقد كان حدثنا عنها سابقا فيمن حدثنا الفارابي في مدينته الفاضلة. ولو كنا في سيناريو اتحاد أوروبي فاضل لأمكن لجماهير الجنوب أن تستفيد بصورة قوية بارزة واضحة من برامج تنموية تنويرية لمصلحة الجانبين، في مجال التعليم، في مجال المواصلات، في مجال الحوافز المقدمة للمقاولات المتوسطة والصغرى، في مجال الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، في مجال تبادل الأدمغة بدل هجرتها، والأهمّ من ذلك المهمّ في مجال التعرف على ثقافة الآخر وتعرف الآخر على ثقافتي، مما يشكل مفتاح الاحترام، الذي يشكل بدوره مفتاح السلام.
اما العبرة فسهلة ممتنعة: لا يوجد اتحاد أوروبي فاضل، ولكن من بين الأسباب، من دون التفريط بغيرها، لا بد من الإشارة إلى ظاهرة الامتناع التي أخذت تتفشى فتجعلنا نسأل: كيف يمكننا تغيير وجه الاتحاد الأوروبي التكنوقراطي وتحويله إلى صرح ارسخ تلاؤما مع متطلبات المواطنة، ما دام المواطنون غائبين عن المشهد تماما أو بالكاد؟
أما العبرة الثانية فذات بعد سياسي اجتماعي ذي وقع حاد على المشهد أيضا، فصعود القوى السياسية المتطرفة المطالبة باستبدال أوروبا فيدرالية بأوروبا سيادية، عززت فحصا سياسيا سابقا بكثير على الاستحقاقات كان يمكن تداركه..
كان يمكن تداركه…لب المشكل يكمن هنا، والعبرة هذه المرة، أبعد جذورا.. أبعد مضي وأبعد تبعات.
العبرة الثانية، تلك المنجرّة عن شكل أوروبا الذي نريده، ليست وليدة الساعة، بل وليدة تأسيس الاتحاد.. فقبل أن تتحول المسألة الى جدل إيديولوجي نزل إلى مستوى من الغوغاء أصبح معه عسيرا انتشال من يتخبط فيه منه، كان الخيار بين التوجه السيادي والتوجه الفيدرالي مرتبطا بعمق الهوية السياسية للأوطان، ولو أخذنا فرنسا مثالا، لوجدنا أن فترة المقاومة الديغولية أرست حزب التجمع من أجل فرنسا، الذي سيتحول في ما بعد إلى الحركة الجمهورية الشعبية، على دعائم أوروبية قبل الأوان، بحيث لم يتخيل سلام فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية من دون سلام الحلفاء والأعداء السابقين. ومن هنا كان بالإمكان التفكير في نحت معالم اتحاد أوروبي مرتبط بنحت أحزاب سياسية تأخذ في حسبان أجندتها معطى ضرورة إعادة هيكلة الأوطان اقتصاديا وداخليا ومعطى الوصول إلى مزيد من احتمالات النجاح إذا تضافرت جهود تلك الأوطان على مستوى فوق وطني. بعبارة أخرى، تشكلت في أوروبا أحزاب سياسية ما بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة أن الاتحاد قوة. وبتأسيس عقيدتها على متلازمتين، واحدة سيادية وطنية وأخرى فيدرالية فوق وطنية، عكست هذه الأحزاب جوهر الفكر الأوروبي.
العبرة الثانية، إذن، هي أن الفكر ذاته آيل إلى الهلاك، ولا نبالغ إن قلنا إنه يوجد قيد العناية المركزة الآن، طالما لم يمر بفترة نقاهة شديدة يحتاج إليها، وهي فترة إصلاح.
أما العبرة الثالثة من الانتخابات الأوروبية فهي أنّ نتائجها ليست حتمية. صحيح أن الجدل الراهن جعل من وجهي أوروبا السيادي والفيدرالي خيارين متعارضين، لكن العودة إلى جذور التاريخ تكذّب هذا التعارض وتدفع بالخيارين إلى التكامل. لكن يوجد شرط هنا، وهو كبير، فهو تذكّر التاريخ.
أما العبرة الرابعة فناجمة عن غياب عنصر أساسي لا يستتب للمسؤولين السياسيين بشكل كاف، وهو الوعي الأوروبي، الوعي الأوروبي في أزمة كما قال المفكر الفرنسي بول هازار في كتابه أزمة الوعي الأوروبي المشهور الموجود على رفوف مكتبة كل طلاب جيلي. فلا نفكر كثيرا في أنه ما من نص وبند يشرّعه الاتحاد إلا وله تبعات في أدنى تفاصيل حياتنا اليومية، من صحن الطعام إلى بنزين السيارة مرورا بطريقة تدريس اللغات وتعلمها.. أما أن يقول قائل ما جدوى إسماع صوتنا ما دامت التدابير متخذة من فوق رؤوسنا؟ فالرد سريع ودقيق: ما جدوى مناداتك بتطبيق المبادئ الديمقراطية ما لم تكن أنت طرفا فيها؟
أما العبرة الأخيرة، وليست الآخرة لأنها تختصر سابقاتها وتدفع بها إلى الأمام، فهي أن رسم معالم أوروبا، تكون في خدمة الكل أو في مصلحة البعض، منفتحة على باقي شعوب العالم، خاصـــــة تلك التي تجـــمع بينها قرابة جغرافية أو بالعكس متقوقعة منغلقة على نفسها، أمر رهين بإرادة شعوبها، كما تكون إرادة شعوبها رهينة بوعيها.
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون