حرب ناعمة ام خشنة في قوس الأزمات؟

حجم الخط
0

د. عصام نعمان

هل تتحول الحرب الناعمة التي تشنها الولايات المتحدة على ايران الى اخرى خشنة خلال العام الجديد؟

سؤال مقلق نهض مع إندلاع التهديدات المتبادلة بين الدولتين عقب اعلان طهران إعتزامها إغلاق مضيق هرمز في حال فُرض حظر نفطي عليها أو تعرضت مصالحها الحيوية لتهديد.

الحرب الناعمة مجموعةٌ من التدابير السياسية والديبلوماسية والعقوبات الإقتصادية والمصرفية والحملات الإعلامية والاعمال الإستخبارية يجري استخدامها بالترافق مع عمليات سرية ترمي الى خلخلة النظام السياسي للدولة المستهدفة واضعافها اقتصادياً واجتماعياً بغية كسر ارادتها وربما إحتلالها ايضا.

الولايات المتحدة تشن منذ سنين حربا ناعمة على ايران بقصد تحجيمها والحؤول دون تطورها الى قوة اقليمية مركزية، وقد ضاعفت من ضغوطها عقب شروع ايران بتنفيذ برنامجها النووي الذي ينطوي، في نظر واشنطن، على جانب تكنولوجي وعسكري يؤهل طهران لإمتلاك اسلحة نووية.

يبدو ان التدابير العقابية، السياسية والاقتصادية، التي كان جرى فرضها على ايران داخل الامم المتحدة وخارجها أخفقت في تعطيل برنامجها النووي. الى ذلك، توافرت مؤخراً معلومات وتقديرات اطلسية تشير الى إحتمال نجاح ايران في امتلاك سلاح نووي خلال سنة واحدة ما حَمَل الولايات المتحدة، ومن ورائها اسرائيل، على التلويح بتشديد العقوبات على ايران لإكراهها على وقف برنامجها النووي تحت طائلة اللجوء الى الحرب الخشنة (العسكرية). في هذا الإطار، تردد ان ابرز العقوبات المزمع فرضها وقفُ التعامل مع المصرف المركزي الإيراني وحظر إستيراد النفط من الجمهورية الإسلامية. على ذلك ردّت ايران، بلسان نائب الرئيس محمد رضا رحيمي، بأنه ‘اذا فُرض حظر على النفط الإيراني، فلن تمر نقطة نفط واحدة عبر مضيق هرمز’. ومن المعلوم ان معظم النفط الخام الصادر من السعودية، ايران، الإمارات العربية، الكويت والعراق، إضافةً الى الغاز الطبيعي المسال من قطر، يمر في مضيق هرمز. تزامن هذا التصعيد في التوتر مع مناورات بحرية ضخمة تدوم عشرة ايام، يتخللها إختبار صواريخ بعيدة المدى، باشرتها ايران في منطقة واسعة تشمل شرقي مضيق هرمز وبحر عمان وخليج عدن وشمالي المحيط الهندي. ردّت اميركا عبر ناطقة بإسم الاسطول الاميركي الخامس: ‘لن نقبل بأي تعطيل لحرية الملاحة (…) والاسطول مستعد لردع او مواجهة اي نشاط مزعوع للإستقرار، ولضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز’. سارع نائب القائد العام للحرس الثوري الايراني العميد حسين سلامي الى الرد على الاسطول الخامس بقوله: ‘إغلاق هرمز أسهل من شربة ماء. الاميركيون ليسوا في وضع يمكّنهم من أن يسمحوا او لا يسمحوا لنا. اذا تعرضت مصالح ايران الحيوية لأي تهديد، فإننا سنضع التهديد في مقابل التهديد، ولن نتخلّى عن استراتيجيتنا، ولن نستأذن اي دولة لتنفيذها’. حدّة التهديدات المتبادلة عززت التساؤل المقلق: هل تحدث مواجهة بحرية بين ايران وامريكا؟

المنطق السليم يستبعد هذا الإحتمال. ذلك ان بيانات ادارة معلومات الطاقة الاميركية تُظهر ان نحو ثلث اجمالي شحنات النفط المنقولة بحراً في العام 2009 مرت عبر مضيق هرمز، ولعلها تجاوزت في العام الماضي نسبة الـ 40 في المئة. ثم ان ايران تتضرر بالتأكيد من اغلاق مضيق هرمز لأن معظم صادراتها من النفط تمر عبره ايضا. حتى لو قامت السعودية ودول خليجية اخرى بإنتاج كميات اضافية من النفط لتعويض الخسارة الناجمة عن وقف التصدير عبر مضيق هرمز، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف سيجري نقل الكميات الاضافية بعد نشوء حالة حرب ربما تشمل المنطقة برمتها؟

مسؤول في المجلس الاعلى للأمن القومي في طهران قال، إن ايران لا ترى فرقاً بين حرب عسكرية واخرى اقتصادية. أكد انه اذا اصبحت ايران في اجواء حرب، سيعني ذلك ان كل الخيارات ستكون على الطاولة. يبدو ان طهران تراهن على ان تهديدها الجاد بإغلاق مضيق هرمز سيحمل الغرب على الإمتناع عن حظر النفط المصدّر من الجمهورية الإسلامية. الى ذلك، يراهن القادة الإيرانيون على اعتبارات اخرى يعتقدون انها ستحول دون إقدام اميركا واوروبا على حظر النفط الإيراني والتسبب في حرب اقليمية مدمرة ومكلفة:

أولها، ان انتخابات الرئاسة الاميركية بدأت فعلاً، وسوف تستمر الى مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ولا يعقل ان يكون باراك اوباما، الساعي للفوز بولايةٍ ثانية، في وضع انتخابي مريح بينما تدور حرب قد يتأتى عنها كمٌ هائل من الخسائر البشرية والمادية الباهظة.

ثانيها، ان اميركا، كما اوروبا، ما زالت اسيرة أزمة اقتصادية متفاقمة، فلا مصلحة لها في زيادة الازمة تعقيداً والمديونية العامة اعباء اضافية.

ثالثها، صحيح ان ايران ليست نداً للولايات المتحدة، غير انها مقتدرة عسكرياً بما فيه الكفاية لإلحاق اذى كبير بمصالح اميركا وقواعدها في المنطقة كما بمصالح حلفائها الاقليميين. فوق ذلك، قد تلجأ ايران الى توسيع دائرة الحرب بأن تشن، بالتحالف مع سوريا وحزب الله وحركة ‘حماس’، حرباً صاروخية على اسرائيل من شأنها ان تلحق بها دماراً شديداً وخسائر بشرية هائلة.

هذه الإعتبارات الجدية والوازنة قد تدفع اميركا واوروبا الى التخلي عن خيار حظر النفط الإيراني والإستعاضة عنه بخيار الحصار المصرفي. كما قد تحملها على اعتماد ما هو اكثر راديكالية: التوصل مع ايران الى تسوية بشأن برنامجها النووي تدفع بموجبها ثمناً معقولاً للجمهوريـة الإسلاميـة في العـراق وافغانستـان و… سوريا.

اسرائيل ستقاوم بالتأكيد احتمال تخلي اميركا عن خيار الحرب. فهي تشعر بأن اي تسوية مع الجمهورية الإسلامية بعد تحوّلها قوةً إقليمية مركزية ستكون، بالضرورة، على حساب أمنها القومي. اذا تعذّر عليها توريط اميركا في حرب خشنة مع ايران، فإنها ستحاول تعويض هذه ‘الخسارة’ بإنتزاع أحد مطلبين او كليهما معاً: تمكينها من الإنفراد بسوريا لكسر الحلقة المركزية لتحالف الممانعة والمقاومة القائم في قوس الأزمات الممتد من طهران الى بيروت عبر بغداد ودمشق مع ما يحمله ذلك من إغراء بضرب حزب الله واحتوائه على المدى الطويل، او تمكينها من إنهاء ظاهرة ‘حماس’ في قطاع غزة في إطار خطة لتصفية قضية فلسطين قوامها التخلي عن مشروع الدولتين وتكريس الاردن وطناً بديلاً وبالتالي دولةً بديلةً عوضاً عن الضفة الغربية وغزة.

ما الترجيحات؟

ايران لا ترغب في ولا تقوى على القبول بمثل هذه التسوية. سوريا لن تقبل ولن تتردد في خوض الحرب لتفادي الإذلال والإنحلال.

حزب الله سيقاتل وسيفاجىء اسرائيل على مدى جبهة واسعة ممتدة من بلاد الشام الى سيناء، ومن البحر المتوسط الى البحر الاحمر.’حماس’ ستجد نفسها في المعمعة، وستقاتل بقدر ما تطيق وتستطيع.

إرادة القتـال ستكـون السلاح الأمضـى والاخطـر ومفاجـأة الامـة لنفسها ولأعدائها.’ سياسي وكاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية