2011 محاولة إجمال عام مستحيل

حجم الخط
0

راجي بطحيش 1ـ لا أذكر كيف كان المشهد التلفزيوني ـ الفضائي العربي قبل 2011 هذا العام الثوري- الدموي- الغرائبي- التحرري …لا أذكر مثلا كيف كانت تبدو ‘الجزيرة’ قبل احتلال عبارة خبر عاجل شاشتها من دون أن تتزحزح عنها حتى الآن وكيف أصبح الإعلام الفضائي المصري بعد ثورة 25 يناير عبارة عن برنامج ثرثرة كبير .. أو ‘توك شو’ لا ينتهي.. وكيف كشف الإعلام الفضائي عن وجود أشخاص يسمون ‘ليبيون’ لم نعرف انهم موجودون حيث حجب طاغيتهم ‘المدفون’ عنهم ليس الحرية وحسب بل الوجود أيضا … كما اكتشفنا كم يكون المشهد الفلسطيني رتيبا وغير مركزيا وبالتالي يشكل عبئا على الرأي العام المنشغل بما هو أهم.. وذلك عندما يكون المشهد هذا بلا مشروع أو أفق أو حتى رؤية… 2ـ كنت بعد أكثر من سنتين .. وتحديدا منذ حرب اسرائيل على غزة عام 2008/2009 لم أشاهد قنوات إخبارية أو مواد تلفزيونية ذات طابع إخباري وسياسي ولكن يوم الجمعة 14.1.2011 كان يوما فارقا وخاصة في القسم الثاني منه أو في مساءه عندما أخذت أخبار تونس العاصمة والحراك فيها والمتجه من نواحي الجمهورية التونسية نحو المدينة وحيها الرئاسي تحتل ستاتوسات الفيسبوك وتعليقات الشبكة مع أن شعارات الثورة كانت قد سبقت ذلك بعدة أيام الا انها لم تكن أكثر من مجرد تعبير (في نظر البعيد عن الحدث) عن سخط حول الأوضاع المعيشية … ولكن البث المباشر الذي ابتدأته ليلى الشيخلي والدراما الأنيقة التي تخللت تلك التغطية التي انتهت بمغادرة الرئيس بن علي البلاد خلال ساعات، كانت بوابة لوقائع سنة من التغطية المستمرة والخبر العاجل الذي لم تنته تلاوته بعد.. 3ـ واحدة من المشاهد المعبرة والطريفة في آن والتي قد تلخص المشهد الفضائي لهذه السنة .. هو ذلك المشهد الملحمي الذي نقلته وسائل الإعلام المصرية الرسمية في جمعة الغضب 28.1.11 وما تلاها بيوم او يومين وهو عبارة عن جانب من جسر قصر النيل ومسطح نهر النيل ومنطقة الكورنيش في القاهرة وقد ساد فيهما صمت لا يتوقف، كان هذا المشهد متواصلا لساعات طويلة وقد جاء ليعكس مقدار ‘هدوء الحال’ الذي كان يسود ساعتها بينما كانت المظاهرات مشتعلة ومتأججة في محيط المشهد وكان الشهداء يتساقطون بالعشرات ليدونوا بدمائهم الكلمات الأولى على صفحة جديدة من تاريخ مصر، إن المفارقة الصارخة بين المشهد الصامت والصخب المحيط لهو وبحسب اعتقادي المحاولة الأخيرة… البائسة للنظام المنهار (بعضه) للسيطرة على الواقع والحقيقة من خلال تزييف الطبيعة… أي تحويل الصراخ إلى صمت… والأمواج العاتية إلى مياه راكدة.. والهتافات إلى حفيف أوراق شجر شتوية … ودخان الحرائق إلى نسيم نهري عليل … كان هذا المشهد هو آخر عملية تحايُل جارفة وعلنية وممنهجة على الوعي العام .. أي وعي عام دون مساءلة… والجميع يلاحظ أنه في الصدامات الأخيرة بين النظام والمتظاهرين حاليا يتم ‘فصفصة’ المشاهد وتفكيكها وقراءتها ومقاربتها من عدة زوايا وتحليلها … وتلك أيضا ثورة!!!4ـ كانت صور الثورة /الحرب الليبية شحيحة جدا على الشاشة وكانت الخرائط والمخططات الإستراتيجية هي الغالبة على التغطية حتى كدت تشعر أنك جزء من لعبة فيديو أو تطبيق خلوي أكثر من كونها حرب بشهداء خاصة مع ضخامة حجم البلاد وعدم القدرة على السيطرة إعلاميا على كافة بؤر المعارك بما أن المدن المحررة كانت طوال الشهور السبعة للحرب تنعم بهدوء حذر لا يستدعي التغطية، وهكذا تحولت الصور القادمة إلى مجرد بطاقات بريدية لرجال ملتحين أشداء يركبون شاحنات أو مركبات عسكرية ويلوحون بأعلام الثورة على مشارف مناطق تبدو كمدخل لمدن ويمكن التأكد من ذلك من خلال الأقواس الفولاذية العملاقة التي عادة ما تنصب عند مداخل المدن المنسية في الصحراء الشاسعة، ولكن صور الضحايا والتنكيل والدمار لم تكن تصلنا بحق إذا ما قارنا ذلك بصور الثورة السورية والتي كانت على الرغم من منع التغطية من قبل السلطات، منظمة منذ البداية حتى أن وكالات ‘الأنباء’ الثورية تكونت منذ الأيام الأولى للثورة وهي كانت وما زالت المزود الرئيسي للمواد المصورة، ومع سوء التصوير وجودة الهواة التي تميز المواد السورية المصورة والتي هي حسب رأيي مصدر قوة لها في مجابهة الإعلام الرسمي الذي اعتقد بدوره أنه لا زال يملك حقيقة ما يجري فإن هذه المواد الإعلامية وضعت وبسرعة ومن دون تردد الضحية (الجثة المشوهة الأشلاء) في مركز القضية والإهتمام وهي صفعت ولا تزال تصفع المتمددين على الكنبات في كل يوم ويوم وهي وإن أصبحت رتيبة بعض الشيء وجعلت الناس ‘يُتمسحون’ إلا أنها تعيد إنتاج وقعها الصادم مع كل مجزرة وأخرى ومع كل كومة جثث وأخرى ومع كل استغاثة يمضي صداها بالإقتراب رويدا رويدا، وبعودة إلى المشهد الليبي حيث كانت أخبار القتلى وارقامهم تتواتر دائما بشكل غير أكيد وفوضوي وبارد وبعيد وهي لا زالت غير معروفة حتى الآن… كما كانت أخبار الاغتصابات الجماعية المفزعة في طرابلس من قبل عصابات القذافي تظهر على استحياء ثم تزول وهكذا وكأن الكاميرا عالقة في حقل رمال متحركة على أطراف مدن الموت لا تقوى على التقدم … ومع تغييب عشرات الاف الضحايا الليبيين عن المشهد الفضائي العربي والهلع الكبير حول حجم تدخل الناتو، جاءت صور القبض على القذافي ومقتله لتعكس مدى النفاق الذي يمكن أن يوصل الإعلام فيه مشاهديه ففجأة ومع بشاعة المشاهد وتكرارها وخاصة الأحجية التي كانت مطروحة حول إذا تعرض القذافي لتنكيل ذي طابع جنسي أو لا قبل مقتله، حوّل كل هذا الجلاد والطاغية إلى ضحية وليس أي ضحية … ضحية تدغدغ مشاعرنا الأكثر حساسية.. فجأة تحول القذافي الذي سحل معه عشرات الاف الليبيين إلى عمر المختار الثاني وضحية الناتو والمقاوم العنيد في وجه الاستعمار!5ـ جاء الحضور التلفزيوني الفلسطيني والإسرائيلي شريكا بفشله وخيبته فأتت المشاهد مبتورة .. تتألق ثم تندم على ذلك فمن استحقاق أيلول أو الجبل الذي ولّد فأرا ومحاولة أبو مازن تكريس سلطته التحت- احتلالية في غياب مشروع فلسطيني حقيقي ورؤيا واضحة للمستقبل والعجز حتى عن استعادة دور او على الأقل خطاب المقاومة وقبلها مشاهد تجمّع بعض اللاجئين الفلسطينيين على حدود فلسطين في ذكرى النكبة وعدم استثمار ذلك في أي شيء في غياب روح ثورية حقيقية لدى الشعب الفلسطيني أنى كان وعدم قدرته على الاستفادة ‘حتى رمزيا’ مما يحدث من حوله من هبات وانتفاضات وثورات مما يوصلني إلى مشهد آخر فاشل وهو مشهد ‘احتجاجات الخيم’ في محاولة الانقلاب على الدولة الإسرائيلية الماضية بثبات وفخر نحو الفاشية والوحشية الرأسمالية حيث تم دفن المشهد في مهده كونه مجرد حراك نبع من ‘فقاعة تل أبيب’ التي لا تمثل غير نفسها والأصح أن هذه الدولة لا يمكنها أن تكون عادلة إجتماعيا وفي ذات الوقت يهودية صهيونية تستعبد شعبا آخر وتتحايل على التاريخ والجغرافيا، وهكذا جاء الفشل مدويا حيث تم سحب المراسلين من الميدان وعاد التلفزيون الإسرائيلي بقنواته يروج لمحاسن الرأسمالية ويعدد مناقب الأثرياء وجنرالات الجيش والمستوطنين .. بينما قذفت الرياح بالخيم نحو البحر.’ قاص وكاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية