سورية: الوجع العربي

حجم الخط
0

أكثر من عشرة أشهر على ثورة الشعب السوري، والأوضاع تتفاقم بشكل ينذر بكارثة إنسانية. أبناء الشعب السوري يسقطون بالعشرات على يد الأمن السوري، ومثلهم من الجيش العربي السوري على يد المنشقين عن صفوفه.

التفجيرات التي أزهقت أرواح أكثر من 40 إنسان وجرح العشرات في قلب دمشق، تنبئ بمرحلة دموية أكثر صعوبة وخطرا على مستقبل سورية ودورها، وحتى ثورة شبابها السلمية. وتعتبر منعطفا خطيرا على الوضع السوري والعربي بشكل كامل.

الشعب السوري الذي انطلق بثورته وبشكل سلمي، من أجل كرامة الشعب وإنهاء تجبر الأجهزة الأمنية، تحولت الأفعال الموازية لثورته، إلى هاجس يمس كرامة سورية وشعبها، ويضع على المحك مستقبل المنطقة بأسرها.

حركة الشعب السوري، ودماء أبنائه التي سالت من اجل التغيير وتعزيز الديمقراطية، يتم إهدارها من قوى خفية وعلنية تثير الرعب والخوف على الطريقة العراقية، فليس غريبا أن تتزامن التفجيرات بين بغداد ودمشق بان معا، وتوقع عشرات الضحايا. هناك أكثر من جهة تتربص بسورية لنشر الفتنة الطائفية والمذهبية والسياسية، ليس من اجل مصلحة الشعب السوري ونصرة لربيعه ومطالبه المشروعة، بل من اجل تدميره وتمزيقه وتسليمه فريسة سهلة لأجندات غربية كما حصل بليبيا.

التدخل الخارجي بأوضاع سورية أصبح مكشوفا، ومثل هذا الأمر يجعل من الحلول الأمنية أكثر دموية، ودحرجة الأوضاع الداخلية إلى حرب أهلية تعيد سورية إلى العصر الحجري. تجارب شعوب المنطقة لا تزال حية، من العراق إلى ليبيا إلى اليمن ومصر، جراء التدخل بأوضاعها الداخلية، ولم تكتمل بها العملية التي استنزفت مقدراتها، بل تُنتهك حقوق الإنسان أكثر من ذي قبل. الفقر أصبح يطرق باب أغلبية بيوت الشعب الليبي، كما طرق أبواب أغلبية أبناء الشعب العراقي. والموت أصبح سلعة يباع بالبقالات الشعبية.

ليس هكذا تريد الشعوب كتابة مصيرها، لتخرج من ظلمة إلى ظلمات اشد حلكة وسوادا. الأجهزة الأمنية السورية ليست بريئة من دماء الشعب السوري الأعزل، لكن وبمرحلة معينة، سيكون الأمن السوري متواضعا، بل ضحية، إذا أفلت جناح الإرهاب والطائفية من معاقلها، وإذا تم تعزيزهما بحماية دولية.

المستفيد مما يحصل بسورية، هي إسرائيل والغرب بأجنداته، لتفكيك ما يسمونه محور الشر، وإذا ارتأت بعض الدول العربية أن لها مصلحة بتخريب الوضع السوري، تكون واهمة، فرياح الإرهاب؟ إذا ما استقرت بسورية فستهب حتما على الجوار، والدول التي ترقص طربا على ما يحدث بسورية ستطال أصابعها النار ولو بعد حين.

السعودية كان لها دور وشوط كبير من التفجيرات وخطر تنظيم القاعدة، بعد عودة المقاتلين الذين أرسلتهم إلى أفغانستان، لمحاربة السرطان الأحمر على رأي الشيخ الراحل عبد الله عزام، وتشكيلهم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، والآن أصبحت اليمن مركزا للقاعدة، وعلى حدود السعودية الجنوبية، وكثير من قادة القاعدة سعوديين الأصل. وكذلك الأردن اكتوت من مثل هذه الظاهرة، عندما افتتح التنظيم ذراعا ضاربة له بالعراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي الأردني الأصل، والعراق نفسه يمثل وضعا مأساويا لظاهرة موت جماعي، يتكرر يوميا بشوارع بغداد. تنظيم القاعدة ليس وحدة الذي يعمل على الساحة، بل هناك جهات تستغل القاعدة وتلبس عباءتها للتمويه وإبعاد الشبهة، وتعمل على استباحة دماء الآخرين وممارسة القتل بأبشع صوره، مع العلم أن القاعدة بأذرعها المختلفة، ليست بريئة من التفجيرات وعمليات القتل.

في مثل هذه الأوضاع، لن يكون هناك دور فعال لبعثة المراقبين العرب، فعلى الأغلب أن هناك من يريد إفشال دورها، وربما استهدافها أثناء القيام بواجبها. كما لا تريد هذه الجهات أن يشرع النظام السوري بأي مرحلة إصلاح. المطلوب برؤيا تلك القوى الهدامة، إنهاء النظام واستدعاء كل أعداء الأمة العربية للقيام بهذا الدور. هذه القوى لا تخفي نفسها ولا تتستر على دورها، وعلى استعداد للتحالف مع الشيطان من اجل تمزيق نسيج ليس سورية فحسب، بل نسيج الأمة العربية بكاملها. هذا ما أخذنا نلمسه من خلال الحالة التي تعيش بها أقطار الربيع العربي، التي تحول ربيعها إلى خريف، بطريقة أسرع مما هو محسوب له. سورية، وجع كل عربي، لدماء الشعب السوري بحمص وحماة وادلب وريف دمشق، ووجع على مستقبل سورية ودورها من قوى ظلامية ومؤامرة دولية، لطمس معالم بلد عربي كما حصل بالعراق وليبيا، وحذف العروبة كمصطلح من التاريخ. رأفت العيص- فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية