‘الامن العربي في عالم متغير ‘ كتاب يسلط الضوء على ما يواجه ذلك الامن من مخاطر وتحديات تستدعي التحركات

حجم الخط
0

رام الله ـ ‘القدس العربي’ قراءة وليد عوض: لاشك بأن الامن العربي يتعرض في هذه المرحلة للكثير من المتغيرات في المفاهيم والبنى الفكرية لهذا الامن، خاصة في ظل الثورات العربية المتلاحقة، في حين ان الصورة باتت بحاجة للمزيد من الوقت لمعرفة الى اين تسير الامور وباي تجاه ستكون؟ وللمساهمة في قراءة مستقبل الامن العربي نستعرض كتاب ‘الامن العربي في عالم متغير’ كونه سعى لتسليط الضوء على العديد من القضايا التي مست بذلك الامن وأثرت في تشكيله.

ويحاول مؤلف ‘كتاب الامن العربي في عالم متغير’ الدكتور جمعة بن علي بن جمعة تسليط الضوء على المتغيرات في الامن العربي وذلك قبل ان تندلع الثورات العربية الحالية، متنبئا بخطورة الاوضاع العربية التي كانت سائدة قبل اندلاع شرارة الثورات العربية من تونس.

وحاول المؤلف في كتابه المكون من 12 فصلا البدء بدراسة مفهوم الامن القومي كمرادف للامن الوطني، والامن القومي كمطلب قومي وكمرادف للامن الاقليمي، مبينا الحاجة الى صياغة جديدة لمفهوم الامن العربي الذي اعتبره مجموعة من الاجراءات التي تقوم بها الدول العربية مجتمعة في حدود طاقاتها وامكانياتها للحفاظ على كيانها ومصلحتها العليا في الحاضر والمستقبل مع مراعاة المتغيرات المحلية والاقليمية والدولية التي تمر بها.

واوضح المؤلف بأن مفهوم الامن العربي يثير العديد من التساؤلات التي تدور حول امكانية تحقيقيه كمفهوم مجرد يرتبط بالدول القومية ذات النظام السياسي الواحد والسيادة التامة غير المجزأة، مشيرا الى ان هناك مسارات تحدد مفهوم الامن العربي تتمثل في قومية الامن العربي الذي بدأ يأخذ منحى مختلف عما كان سائدا من لحظة قيام مصر في نهاية السبعينات من القرن العشرين بقيادة مسيرة السلام التي لم يتم الاجماع عليها عربيا مما ادى لاستمرار الصراع مع اسرائيل واستمرار احتلال الاراضي العربية بما فيها فلسطين والدخول عربيا في حالة من الالتباس والانقسام والتموضع.

وحاول المؤلف في الفصل الثاني من كتابه تسليط الضوء على اهمية التجمعات الاقليمية العربية في عالم متغير بدأ يتجه نحو التجمعات الاقليمية في ظل التحديات التي تفرض نفسها على الساحة، مشيرا الى ان على الدول العربية الوقوف امام التحديات وخاصة التي ظهرت عقب احداث الحادي عشر من سبتمبر وعولمة مكافحة الارهاب والقيام بقراءة متأنية للمستجدات المحيطة واخضاع تجارب مشاريع الوحدة والتعاون السابقة للعرب للتقويم والدراسة.

اما الفصل الثالث من كتاب ‘الامن العربي في عالم متغير’فناقش الابعاد العسكرية للامن العربي، موضحا تزايد حجم الوجود العسكري الاجنبي خاصة الاميركي بالشرق الاوسط وسيطرته على نقاط التحكم الرئيسة بالممرات البحرية في المنطقة وتأثيره على مستقبل الترتيبات الامنية بالمنطقة وتطور العلاقات والتحالفات العسكرية خاصة بمنطقة الخليج، وذلك في ظل استمرار الخلل في التوازن العسكري في المنطقة لصالح اسرائيل التي استفادت من تحالفها مع الولايات المتحدة بالحصول على تكنولوجيا متقدمة تمكنها من امتلاك قدرات متفوقة على الدول العربية، وذلك في الوقت الذي تصر فيه واشنطن على فرض الحد من نظم التسلح المتقدمة علي الدول العربية بينما تمد اسرائيل بالكثير منها مما ادى الى فجوة تقنية بين ما يمتلكه العرب وما تمتلكه اسرائيل من انظمة التسلح.

وفي ظل هذا الخلل التسليحي في المنطقة لصالح اسرائيل اوضح المؤلف بأن على العرب الالتفات الى ايران كقوة عسكرية لا يستهان بها وتنمية العلاقات معها واعتبارها قوة مضافة لهم من المنظورين الديني والحضاري خاصة وان ايران باتت تشكل قوة عسكرية رادعة في المنطقة.

وبشأن صفقات الاسلحة الامريكية لدول الخليج اوضح المؤلف بان تلك الصفقات صممت منذ البداية بحيث لا تخل بالتفوق الاسرائيلي على الدول العربية عموما، الامر الذي يقتضي الالتفات نحو ايران.

وفيما ناقش كتاب الامن العربي الابعاد الاقتصادية لذلك الامن في الفصل الرابع وجهود الدول العربية لاقامة تكتلات اقتصادية خلص المؤلف الى ان المحصلة النهائية للقدرات الاقتصادية العربية تشير الى ان تلك القدرات ما زالت في طور النمو وتحتاج الى دفعة كبيرة لكي تساير المتغيرات العالمية ولكي تدخل في المنافسة العالمية التي تتصاعد اقليميا وعالميا، ولهذا كان على الدول العربية الاهتمام بالتنمية البشرية الشاملة ليس فقط من خلال نشر التعليم ولكن من خلال جودة مخرجات هذا التعليم بما يناسب احتياجات اسواق العمل، وذلك الى جانب ادخال التحسينات على القوانين والانظمة لتسهيل تدفق الاستثمارات البينية والخارجية، مع ضرورة الشفافية ومحاربة عمليات الفساد، وذلك للمقدرة على مواجهة التحديات العالمية.

وناقش الفصل الخامس من كتاب ‘الامن العربي في عالم متغير’ الابعاد الاجتماعية للامن العربي، مبينا ان مشكلة الباحثين عن العمل في العالم العربي وفقدان فرص العمل تعتبر مشكلة خطيرة تعرض استقرار المجتمع لمخاطر متعددة اهمها التأثير على القدرات الفردية للباحثين عن العمل وعلى معايير الولاء والانتماء لديهم الى جانب تأثيرهم في معدلات نمو الاقتصاد الوطني. اما الامن الثقافي والفكري فاخذ الفصل السادس من الكتاب المكون من 655 صفحة حيث اعتبر الثقافة ركيزة من ركائز التنمية الشاملة ومقياسا لنوعية النمو ونجاحه وذلك لدورها المهم في تنمية وعي الانسان وسلوكه وخبرته، والذي يعتبر محرك التنمية الشاملة في نشر القيم الايجابية التي تكرس الانتماء الى الوطن وتشجع على التقدم وتحفز على المشاركة والمبادرة.

وتطرق المؤلف في كتابه الى العوامل الداخلية التي تؤثر على الامن العربي موضحا مواجهة الدول العربية مجموعة من التحديات والمخاطر الداخلية في حين باتت مشكلة الحدود ازمة ازلية بين بعض الدول العربية مثل الجزائر والمغرب، وذلك في الفصل السابع الذي بحث فيه العوامل الداخلية وتأثيرها على الامن العربي.

اما الولايات المتحدة وعلاقتها بالامن العربي فاوضح المؤلف في كتابه بالفصل الثامن بأن تلك الدولة باتت على رأس النظام العالمي متفردة في صناعة القرار العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتبلور نظام عالمي هرمي تقف فيه منفردة على قمته، الامر الذي انعكس بصورة كبيرة على منطقة الخليج بشكل خاص بسبب الحرب الامريكية على العراق وعدم استقرار الاوضاع في المنطقة في حين باتت هناك العديد من المفاهيم والقيم التي تحدد علاقة العالم العربي بمحاولة الشرق أوسطي والمجال العالمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة كزعيمة للنظام العالمي الحالي وهذه المفاهيم والقيم هي التي تحدد اساس الحفاظ على الامن العربي الشامل ومنها ان النظام العالمي الحالي غير صورة الحروب العالمية الشاملة الى حروب اقليمية محدودة والتي تشترك فيها عدة دول في مواجهة دولة واحدة وقد طبق ذلك في حروب تسعينيات القرن العشرين خاصة ضد العراق وهذا يعني تغييرا جذريا في استراتيجيات ادارة الازمة او الصراع العسكري في النظام العالمي الجديد. وإضافة الى ذلك فإن الولايات المتحدة تحدد اهدافها مسبقا لتستفيد من الصراعات والحروب على المديين المتوسط والبعيد في تحقيق اهدافها الاستراتيجية.

واستعرض الكتاب الصادر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة العام الماضي تأثير القوى الفاعلة في الوطن العربي، وكذلك القوى الفاعلة اقليميا ودوليا والمتمثلة في ايران تلك القوة الصاعدة، وتركيا العائدة لممارسة دور الريادة والقيادة في المنطقة، وذلك اضافة للدور الاوروبي والروسي.

ويوضح المؤلف في الفصل التاسع بان الدور التركي الذي يتسم باللغة الدبلوماسية واستخدام القوة الناعمة الى جانب الدور الايراني الذي يدور في محيط الشعارات المعادية للهيمنة الاميركية والرفض لاسرائيل مرشحان للتصاعد خلال الاعوام القادمة وهو ما سيشكل واقعا ضاغطا على الدول العربية الحائرة بين التحالف مع الغرب والابتعاد عنه.

اما الاتحاد الاوروبي فيبقى دوره في محيط اللعب بالهامش الممنوح له من قبل الولايات المتحدة الامريكية وخاصة على صعيد مسار السلام العربي الاسرائيلي في حين تقف روسيا في منطقة الوسط بين اطراف ذلك الصراع مع حفاظها على مصالحها مع الطرفين اولا.

وفي ظل البحث عن المصالح بين القوى الاقليمة الفاعلة في المنطقة استعرض الكتاب بفصله العاشر تطورات الصراع العربي الاسرائيلي ومسار السلام الذي لم تنجح حكومات اسرائيل المتتالية من تطويره نظرا الى ولايتها القصيرة دائما الامر الذي افشل جميع مشاريع السلام ومن بينها مقررات مؤتمر مدريد 1992، ومبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002، وكذلك خطة خارطة الطريق 2003 والتي كانت تفترض تحقيق السلام وإقامة الدولة الفلسطينية على الاراضي المحتلة عام 1967. وفي ظل المنهجية الرسمية في قصر عمر الحكومات الاسرائيلية للتهرب من تحقيق السلام وفقا لقرارات الامم المتحدة فبات على الاطراف الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 تحمل مسؤولياتها القانونية والاخلاقية والوفاء بالتزاماتها ومن ضمنها العمل الجدي لالزام اسرائيل باحترام الاتفاقية وتطبيقها في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، وذلك بموجب المادة الاولى من الاتفاقية والعمل على توفير الحماية الفورية للمدنيين الفلسطينيين من الانتهاك الاسرائيلي المتواصل ضدهم.

وفيما لا تزال اسرائيل تشكل التهديد الابرز للامن العربي تطرق مؤلف كتاب ‘الامن العربي في عالم متغير’ في الفصل الحادي عشر الى الامن العربي في ظل الثورة التكنولوجية التي تجتاح عالمنا حاليا في حين يعاني العالم العربي من النقص الحاد في البحث العلمي.

وفي ذلك الاتحاه يرى الكاتب بان على العرب الادراك بأن البحث العلمي ليس ترفا ذهنيا، وان انشاء الجامعات ومراكز البحوث ليس الغرض منه إظهار الزينة والتظاهر بالتحديث بل هو ضرورة تقتضيها مصالح الشعوب وحاجتها الى امتلاك مقومات التطور ووسائل المعرفة الشاملة.

واوضح المؤلف بان البحث العلمي في الجامعات العربية سيظل دون جدوى ما لم يتم الربط بين البرامج التعليمية وحاجات المجتمع في جميع التخصصات المعرفية، وذلك في اطار مشروع نهضوي عربي واحد يكون محكوم باستراتيجية تعليمية وبحثية مشتركة مع مراقبة مؤسسية تتابع التطبيق والتنفيذ والاشراف.

وفي الوقت الذي يدلل كتاب ‘الامن العربي’ الى الحاجة للعمل العربي المشترك -وفي اقل تقدير بالبحث العلمي- يستعرض الفصل الثاني عشر والاخير من الكتاب مشكلات المياه وأثرها على الامن العربي خاصة وان هناك دول عربية تعاني الجفاف والشح في مصادر المياه.

وتلك المشكلة التي سميت بالصامتة مقارنة مع مشكلات اخرى مثل المجاعات تعتبر من اهم المشاكل التي على العالم العربي التنبه لها جيدا حيث اوضح المؤلف بان احد اسباب الصراع العربي الاقليمي ينشأ من مشكلات المياه كما هو حادث ما بين تركيا وكل من سورية والعراق وكذلك ما تقوم به اسرائيل من سرقة للمياه الفلسطينية بعد ان سرقت المياه اللبنانية خلال احتلالها لجنوب لبنان في حين تنهب الحصة الاردنية من نهر الاردن.

وفي ذلك الاتجاه ومع قلة الامطار في بعض الاقطار العربية يوضح المؤلف بان الموارد المائية العربية مستهدفة الامر الذي يحتاج الى تضافر الجهود العربية مجتمعة لتوفير الامن المائي العربي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية